مشكلة البيروقراطيّة و دور الحزب و هياكل الدولة فى ظلّ الإشتراكيّة – مقتطف من - الديمقراطية : أكثر من أيّ زمن مضى بوسعنا و يجب علينا إنجاز أفضل من ذلك - تأليف بوب أفاكيان

شادي الشماوي
2018 / 1 / 21


مشكلة البيروقراطيّة و دور الحزب و هياكل الدولة فى ظلّ الإشتراكيّة – مقتطف من " الديمقراطية :
أكثر من أيّ زمن مضى بوسعنا و يجب علينا إنجاز أفضل من ذلك " تأليف بوب أفاكيان

ماتت الشيوعية الزائفة ...

عاشت الشيوعية الحقيقية !

تأليف بوب أفاكيان

[ لتنزيل الكتاب بأكمله نسخة بى دى أف : مكتبة الحوار المتمدّن ]

https://www.4shared.com/office/TAHEVgGAca/__-______.html
الماويّة : نظريّة و ممارسة
عدد 28 / جويلية 2017
شادي الشماوي

( ملاحظة : هذه الترجمة ليست رسميّة /This is not an official translation )
مقدّمة المترجم للكتاب 28 :
عنوان كتاب بوب أفاكيان الذى ترجمنا إلى العربيّة وننشر هنا هو" ماتت الشيوعيّة الزائفة...عاشت الشيوعيّة الحقيقيّة !" وهو ذات عنوان بيان شهير للحركة الأمميّة الثوريّة بصدد ما جدّ في أواخر ثمانينات القرن العشرين و بدايات تسعيناته في الإتّحاد السوفياتي و البلدان التي كانت تمثّل كتلته من تفكّك و تداعى و إنهيار . و الحركة الأمميّة الثوريّة وليدة الصراع بين الخطّين صلب الحركة الشيوعيّة العالميّة الذى خاضه ورثة ما سمّي بداية " فكر ماو تسى تونغ " و تاليا الماويّة ضد كلّ من التحريفيّة المعاصرة السوفياتيّة و التحريفيّة الصينيّة و التحريفيّة الألبانيّة أو الخوجيّة ، تنظيم عالمي لمجموعة كبيرة من الأحزاب و المنظّمات الماويّة أو الماركسيّة – اللينينيّة – الماويّة نشأ على أساس بيان الحركة الأممية الثوريّة لسنة 1984 الذى أردف لاحقا ، سنة 1993 ، ببيان " لتحي الماركسية - اللينينيّة - الماويّة " . و ظلّ هذا التنظيم العالميّ ينشط موحّدا إلى 2006 حيث حصل داخله إنشقاق أساسيّ كبير لعدّة أسباب أبرزها الإنحراف اليمينيّ ، التحريفيّ الإصلاحيّ للحزب الشيوعيّ النيبالي ( الماوي ) الذى أوقف حرب الشعب الماوية التي قادها لسنوات عشر و بدلا من إنجاز الثورة الديمقراطية الجديدة و تعبيد الطريق للثورة الإشتراكية بقيادة البروليتاريا و بالتالى تحطيم الدولة القائمة للطبقات الرجعيّة ، إنخرط في العمل في إطار الدولة الرجعيّة لإصلاحها . و قد سبق لنا و أن وثّقنا هذا الصراع داخل الحركة الأممية الثوريّة في كتابين تجدونهما بمكتبة الحوار المتمدّن و هما " الثورة الماويّة في النيبال و صراع الخطّين صلب الحركة الأمميّة الثوريّة " و " الماويّة تنقسم إلى إثنين ".
و بوب أفاكيان هو رئيس الحزب الشيوعي الثوري ، الولايات المتّحدة الذى كان من أهمّ الفاعلين في تشكيل الحركة الأمميّة الثوريّة و في قيادتها لذلك لم يكن مفاجأ أن يحمل بيان تلك الحركة نفس عنوان كتاب أفاكيان كما لم يكن مفاجأ أن تروّج أحزاب و منظّمات تلك الحركة لهذا الكتاب عبر العالم قاطبة و كذلك لم يكن مفاجأ عدم نشر الجزء الثاني المعدّ في الأصل لهذا الكتاب مع الجزء الأوّل منه بل صدر في مجلّة الحركة الأمميّة الثوريّة ، " عالم نربحه " عدد 17 سنة 1992 ورابطه على الأنترنت هو : http://www.bannedthought.net/International/RIM/AWTW/1992-17/index.htm. و قد إنصبّ إهتمام المؤلّف في الجزء الذى نشر بالمجلّة إيّاها على نقد إنحراف يمينيّ ديمقراطيّ برجوازي ظهر صلب قيادة حزب من الأحزاب المنتمية إلى الحركة الأمميّة الثوريّة ونقصد الحزب الشيوعي الهندي ( الماركسي – اللينيني) لجنة إعادة التنظيم. و بعد بضعة سنوات ، في طبعة ثانية للكتاب ، وقع ضمّ الجزء المنشور بالمجلّة إلى بقيّة الكتاب . لذلك لم نترجم الكتاب كما صدر في طبعته الأولى فحسب بل أضفنا إليه النصّ الذى نشر في " عالم نربحه ".
و لئن إنكبّ بوب أفاكيان في الجزء المنشور في مجلّة الحركة الأمميّة الثوريّة بتسليط سياط النقد على ذلك التوجّه التحرفيّ الإصلاحي فإنّه في الجزء الذى صدر من البداية ككتاب قد إعتنى بالردّ على الهجوم الإيديولوجيّ على الشيوعيّة الحقيقيّة ، الشيوعيّة الثوريّة من قبل الممثّلين السياسيّين و الأدبيّين للبرجوازيّة الإمبرياليّة و بالأخصّ ما صرّح به جورج بوش و برجنسكي المستشار السامي في إدارته .
و ليست هذه هي المرّة الأولى التي ينبرى فيها بوب أفاكيان و حزبه للتصدّى للدفاع المستميت عن علم الشيوعية و التجارب الإشتراكيّة للبروليتاريا العالمية وتعرية التيّارات التحريفيّة و الإصلاحيّة فقد رأينا بوب أفاكيان يقارع التحريفيّة الصينيّة التي إستولت على السلطة في الصين إثر إنقلاب 1976 و حوّلت الصين الماويّة الإشتراكيّة إلى صين رأسماليّة ، في كتاب " المساهامات الخالدة لماو تسى تونغ " و رأينا الحزب الشيوعي الثوري ، الولايات المتّحدة الأمريكيّة ، ينقد بصلابة الخوجيّة و يرفع راية الماويّة في كتابنا ، " الماويّة تدحض الخوجيّة و منذ 1979 " ، و رأينا هذا الحزب بقيادة بوب أفاكيان ، يفضح تحريفيّة و إصلاحيّة الحزب الشيوعي النيبالي ( الماوي ) في كتابنا " الثورة الماويّة في النيبال وصراع الخطّين صلب الحركة الأمميّة الثوريّة " ) و ألفيناه أيضا يواجه دغمائيّة بعض الأحزاب و المنظّمات التي كانت منتمية إلى الحركة الأممية الثورية من أفغانستان و الهند و إيطاليا و غيرها و معارضتها التعاطى مع الشيوعيّة كعلم و تطوير الماويّة تطويرا ثوريّا في كتابينا " الماويّة تنقسم إلى إثنين " و " آجيث صورة لبقايا الماضى " . و لتكوين فكرة عن الخلاصة الجديدة للشيوعيّة أو الشيوعيّة الجديدة التي يعتبر بوب أفاكيان مهندسها و التي يمكن أن تعدّ مزيجا من الدفاع عن المبادئ الشيوعيّة الصحيحة و مكاسب التجارب الإشتراكية من ناحية و نقد لبعض الإنحرافات و الأخطاء و تطويرثوريّ للماويّة أو الماركسيّة – اللينينيّة – الماويّة لجعلها أرسخ علميّا و أقدر على قيادة المرحلة أو الموجة الجديدة للثورة الشيوعية العالميّة من ناحية ثانية ، نقترح على القرّاء الغوص في كتابنا – المتوفّر هو و بقيّة الكتب الآنف ذكرها بمكتبة الحوار المتمدّن – " عن بوب أفاكيان و أهمّية الخلاصة الجديدة للشيوعية – تحدّث قادة من الحزب الشيوعيّ الثوريّ ، الولايات المتّحدة الأمريكيّة ".
و قد ينبرى أحدهم ليثير سؤال : ما علاقة كتاب " ماتت الشيوعيّة الزائفة ... عاشت الشيوعيّة الحقيقيّة ! " بمجريات أحداث الصراع الطبقيّ و الصراع الإيديولوجي تحديدا الآن و هنا ، بعد ما يناهز الثلاثة عقود من صدور ذلك الكتاب ؟ و الجواب في غاية البساطة : المسائل المطروحة و المناقشة مسائل ما إنفكّت تطرح على بساط البحث إلى اليوم في صفوف فرق اليسار عربيّا فضلا عن كون الهجوم الإيديولوجيّ على الشيوعيّة الحقيقيّة ، الشيوعيّة الثوريّة ما لقي تصدّيا كما يجب كمّا و نوعا من الشيوعيّين و الشيوعيّات في البلدان العربيّة و ما زلنا إلى اليوم نعانى أيّة معاناة من تبعات ذلك . و حتّى عالميّا ، لا تزال أفكار هذا الكتاب ليس صالحة و حسب بل تنبض حياة و على سبيل المثال سيتفطّن دارس الخطّ التحريفيّ الإصلاحيّ للحزب الشيوعي النيبالي ( الماوي) منذ 2006 و دارس نقد أفاكيان للحزب الهنديّ في الجزء الثاني من هذا الكتاب تقاطعا إلى درجة كبيرة بين أطروحات الحزبين المنحرفين و بالتالى بالإمكان إستغلال حجج أفاكيان في هذا المصنّف للردّ عليهما معا و حتّى على أشباههما ممّن صاروا من أنصار الديمقراطيّة البرجوازيّة المغلّفة بغلاف شيوعيّ في الكثير من بلدان العالم و على النطاق العربيّ أيضا .
و وحده من يسلك سياسة النعامة و يدفن رأسه في الرمل بوسعه إنكار ضرورة الفرز اليوم بين الشيوعيّة الزائفة أي التحريفيّة و الإصلاحيّة السائدتين داخل الحركة الشيوعيّة العربيّة من جهة و الشيوعيّة الحقيقيّة ، الشيوعيّة الثوريّة من الجهة الأخرى سيما و انّ التحريفيّة و الإصلاحيّة قد نخرا و لا يزالان أجسام حتّى القلّة القليلة الباقية من المنظّمات الشيوعيّة الثوريّة أو التي تدّعى ذلك ، و قد سمّما أفكار الشيوعيّات و الشيوعيّين و حوّلا تلك المنظّمات و أولئك الأشخاص إلى ديمقراطيّين برجوازيّين أو قوميّين شوفينيّين لا غير .
و من هنا يندرج عملنا هذا ضمن توضيح و مزيد توضيح خطوط التمايز بين علم الشيوعيّة كسلاح جبّار من أجل الثورة الشيوعيّة العالميّة من ناحية و الصورة المحرّفة و المشوّهة له التي يقدّمها التحريفيّون و الإصلاحيّون من الناحية الأخرى. غاية عملنا إذن هي مساهمة أخرى تنضاف إلى مساهماتنا السابقة في ممارسة الماركسيّة و نبذ التحريفيّة كما أوصانا ماو تسى تونغ . و يكفى إلقاء نظرة على مضامين هذا الكتاب الذى نضع بين أيديكم للتأكّد من مدى أهمّية و صحّة هذا و لا ظلّ للشكّ في أنّ دراسة القضايا المناقشة في هذا الكتاب ستساعف على كشف حقائق في منتهى الأهميّة و الدلالة و رفع الوعي الشيوعيّ الحقيقيّ و نشره في مجابهة أعداء الشيوعيّة و مزيّفيها . و بطبيعة الحال ، ينبغي عدم نسيان إعمال سلاح النقد و قراءة الكتاب قراءة نقديّة في علاقة بواقع أيّام كتابته و أيّامنا هذه و لما لا صياغة ملاحظات نقديّة تفيد في الجدالات و الصراعات في سبيل تطوير فهم علم الثورة البروليتاريّة العالميّة و تطبيقه من أجل تغيير العالم تغييرا شيوعيّا ثوريّا و تحرير الإنسانيّة من كافة أنواع الإستغلال و الإضطهاد.
و محتويات العدد 28 من " الماويّة : نظريّة و ممارسة " ، فضلا عن مقدّمة المترجم :
ماتت الشيوعية الزائفة ... عاشت الشيوعية الحقيقية !

مقدمة الناشر :
تمهيد :
موت الشيوعيّة و مستقبل الشيوعيّة
القمم الثلاث
1 / ماركس :
أ- المادية التاريخية هي الجانب الجوهريّ فى الماركسية :
ب- السرّ القذر للإستغلال الرأسمالي :
2 / لينين :
أ - الإقتصاد السياسي للإمبريالية :
ب- الحزب البروليتاري الطليعي :
ت- تطوّر الثورة البروليتاريّة العالميّة كسيرورة ثوريّة عالميّة :
3 / ماو تسى تونغ :
أ- نظرية و إسترتيجيا ثورة الديمقراطيّة الجديدة :
ب- مواصلة الثورة فى ظلّ دكتاتوريّة البروليتاريا :
4/ الماركسية - اللينينية - الماوية : توليف كلّي القدرة لأنّه صحيح

الجزء الأوّل
الهجوم الراهن ضد الماركسيّة : المراوغات و الردود
1/ أسطورة الأسواق الحرّة فى مقابل الإشتراكية الحقيقية :
2/ بصدد البرجوازية و " الطبيعة الإنسانية " و الدين : الردّ الماركسي :

3/ مرّة أخرى حول الإقتصاد البرجوازيّ و خلط البرجوازيّة للأمور:

4/ من يدافع حقا عن التحرر الوطنيّ و ما هو مفهوم الأمميّة :

5/ دكتاتورية البروليتاريا : ألف مرّة أكثر ديمقراطيّة ... بالنسبة للجماهير :

6/ الشيوعيّة ليست " طغيانا طوباويّا " بل هدفا قابلا للتحقيق و هدفا تحرّريا :

7/ " الماديّة التاريخيّة " الميكانيكيّة و الماديّة التاريخيّة الجدليّة :
الجزء الثاني
مرّة أخرى حول التجربة التاريخيّة للثورة البروليتاريّة – مرّة أخرى حول كسب العالم

1/ مسألة قوى الإنتاج :

2/ تقدّم الثورة العالميّة و تعزيزها :

3/ الثورة البروليتاريّة و الأمميّة : القاعدة الإجتماعيّة :

القيام بالثورة و دفع الإنتاج
1/ تحويل العلاقات بين الناس و تحويل الملكيّة :

2/ المساواة و الوفرة العامة فى ظلّ الإشتراكيّة :

3/ ماذا يعنى أن تكون الجماهير سيّدة المجتمع ؟

4/ البناء الإشتراكيّ فى الإطار العالميّ :

خاتمة
1/ المواجهة الإيديولوجيّة :

2/ نظرتان إلى العالم ، رؤيتان متناقضتان للحرّية :

3/ أبعد من الحقّ البرجوازيّ :

4/ التكنولوجيا و الإيديولوجيا :

5/ تغيير المجتمع و تغيير " طبيعة الإنسان " :

6/ الماديّة التاريخيّة و تقدّم التاريخ :

-------------------------------------------------------------------------------------
الديمقراطية :
أكثر من أيّ زمن مضى بوسعنا و يجب علينا إنجاز أفضل من ذلك
مقدّمة :
1 / بصدد الأحداث الأخيرة بالكتلة السوفياتية السابقة و بالصين

2/ أفق كمونة باريس : الثورتان البلشفيّة و الصينيّة كإمتداد و تعميق لها :

3 / ممارسة السلطة فى المجتمع الإشتراكيّ : القيادة و الجماهير و دكتاتوريّة البروليتاريا :

4/ الصراع الطبقيّ فى ظلّ الإشتراكيّة و أشكال الحكم الجماهيريّ :

5 / مشكلة البيروقراطيّة و دور الحزب و هياكل الدولة فى ظلّ الإشتراكيّة :

6/ تصفية التحليل الطبقيّ بإسم معارضة " الإختزاليّة الطبقيّة " :

7 / تقييم التجربة التاريخيّة :

8/ المركزيّة و اللامركزيّة و إضمحلال الدولة :

9/ إن لم تكن الطليعة هي التى تقود فمن سيقود ؟

10/ أيّ نوع من الحزب ، أيّ نوع من الثورة ؟

11 / النموذج الإنتخابيّ البرجوازيّ مقابل قيادة الجماهير لإعادة صياغة العالم :

12 / المركزيّة الديمقراطيّة و صراع الخطّين و الحفاظ على الطليعة على الطريق الثوريّ :

خاتمة : رفع التحدّى أم التنكّر للثورة ؟
ملحق " الديمقراطية :
أكثر من أيّ زمن مضى بوسعنا و يجب علينا إنجاز أفضل من ذلك "
حول الديمقراطة البروليتارية

( اللجنة المركزية لإعادة تنظيم الحزب الشيوعي الهندي ( الماركسيّ – اللينينيّ) )
1 / المقدّمة :

2/ دكتاتوريّة البروليتاريا :

3- ماركس و كمونة باريس :

4/ لينين و سلطة الدولة البروليتارية :

5 / السوفياتات و ممارسة دكتاتورية البروليتاريا :

6/ نقد وجّهته روزا لكسمبورغ :

7/ ماو و الدولة الديمقراطيّة الجديدة و الثورة الثقافيّة :

8/ الخطأ الأساسيّ :

9/ الدكتاتوريّة البرجوازيّة و الديمقراطيّة البروليتاريّة :

10/ الحاجة إلى توجّه جديد:

11 / دور الحزب الشيوعيّ و عمله :

12 / حلّ لغز الحزب الشيوعيّ :

13 / بعض المسائل الإضافيّة :

14 / الخاتمة :

---------------------------------------------------------------------------------------
ملحق الكتاب
فهارس كتب شادي الشماوي
++++++++++++++++++++++++++++++

5 / مشكلة البيروقراطيّة و دور الحزب و هياكل الدولة فى ظلّ الإشتراكيّة :

ثمّ ، تحت عنوان " الخطأ الأساسيّ " ، تعلن الوثيقة أنّها : إكتشفت أين و كيف أخطأ لينين " . لكن هذا " الإكتشاف " لا يفعل سوى تعميق " الخطأ الأساسيّ " الممتدّ على طول هذه الوثيقة و عرضها. لا تمرّ الحجج السابقة فى الوثيقة من السيئ إلى الأسوء فقط و إنّما تدخل حججا جديدة تجسد حتّى إبتعادا بديهيّا أكثر ( تراجعا ) عن الماركسية - اللينينية - الماوية . و نقدنا هذا لوثيقة اللجنة سيتمحور أوّلا حول هذه الحجج " الجديدة " و التى مثلما سنشاهد ، ليست البتّة جديدة فعلا .

تقول وثيقة الل م ت إنّ " فى الهيكلة السياسيّة لكمونة باريس ، لم يكن للحزب الشيوعيّ أيّ دور قياديّ " ( فقرة 8-4) .

إزاء هذا ، و مرّة أخرى بأفق تاريخيّ ، ليس بوسعنا إلاّ أن نقول " شكرا لله ! " . و بهذا نقصد أنّ أيّا من القوى الأكثر تأثيرا داخل الكمونة لو كانت قد لعبت مثل هذا الدور القياديّ ، فإنّ القيادة كانت ستكون قيادة حزب لا يمثّل حقيقة البروليتاريا . و يعود هذا إلى أنّ القوى القياديّة فى الكمونة لم تكن فعلا شيوعيّة : كانت إشتراكيّة لكن لم تكن إشتراكيّة علميّة . و كانت قوى معاضة سياسيّا لماركس و إن كانت الكمونة لتدوم أكثر و إن تعزّزت قيادتها فيها ، فإنّ هذا كان سيؤدّى إلى إعادة تركيز الرأسماليّة لا محالة . من جديد ، غياب حزب طليعي شيوعيّ حقيقة مثّل نقطة ضعف مميتة للكمونة . و يرتبط هذا بالمسألة الجوهريّة بشأن حدود تجربة كمونة باريس و كيف أنّه من الخطإ إستعمال هذه التجربة المحدودة جدّا ضد أعظم تجربة لدكتاتوريّة البروليتاريا مذّاك ( مع أنّ الثورة الروسيّة و الثورة الصينيّة قد رفعتا عاليا و طبّقتا الروح و التوجّه الجوهريّين الذين حدّدهما ماركس فى كمونة باريس ) .

و لنتابع ، إلى موقف آخر فى وثيقة اللجنة : " غياب أيّة إشارة لدور الحزب فى المخطّط العام لدكتاتوريّة البروليتاريا مثلما شرحها لينين فى " الدولة و الثورة " أمر بارز أيّما بروز . يمكن أن يعود إلى هذا التأثّر بالهيكلة السياسيّة لكمونة باريس . إلاّ أنّ الحزب هنا ، عكس كمونة باريس ، سيلعب الدور الحاسم لأنّ زمن ثورة أكتوبر ، قد تطوّر بعدُ حزب كطليعة ممثّلة للمصالح الطبقيّة للبروليتاريا . و هكذا كانت هذه المسألة النظريّة الحاسمة التى وجب حلّها خلال تلك الفترة . إغفال لينين التام لهذه المسألة يعدّ هفوة جدّية أفضت إلى الخطأ الأساسيّ فى تطوير فهم دكتاتوريّة البروليتاريا . " (فقرة 8-5)

صحيح أنّ لينين فى " الدولة و الثورة " لم يكن يعالج مسألة دور الحزب فى دكتاتوريّة البروليتاريا . هدفه من كتابه " الدولة و الثورة " فى فترة ما بين ثورة فيفري 1917 الديمقراطيّة البرجوازية و ثورة أكتوبر 1917 البروليتاريّة ، كان إثبات الحاجة إلى الإطاحة العنيفة بدولة البرجوازيّة و تحطيم آلة الدولة القديمة و خلق نوع دولة جديد أيّ دكتاتوريّة البروليتاريا . و كان هذا و ليس دور الحزب فى دكتاتوريّة البروليتاريا ، المسألة النظريّة الحاسمة التى كان من اللازم تفحّصها بالضبط فى تلك اللحظة الدقيقة .

و قد كان " الدولة و الثورة " جدلا ضد " الإشتراكيّين " الإنتهازيّين آنذاك ( و كاوتسكى كان أكثرهم " هيبة " و تأثيرا ) الذين كانوا ينكرون الحاجة إلى ثورة عنيفة و دكتاتوريّة البروليتاريا و كانوا يشوّهون التعاليم الماركسيّة الأساسيّة بصدد الدولة وهي أنّها وسيلة قمع طبقيّة ظهرت مع تطوّر التناحرات الطبقيّة و سوف تضمحلّ هي ذاتها مع إزالة هذه التناحرات و الإختلافات الطبقيّة عامة عبر ثورة البروليتاريا و تحويلها الراديكاليّ للمجتمع و الدولة . فى كتابة هذا الجدال ، كان لينين ينطلق ممّا لخّصه ماركس وإنجلز من التجربة التاريخيّة الوحيدة لدكتاتوريّة البروليتاريا إلى حدّ ذلك الوقت ، كمونة باريس. و مسألة دور حزب الطليعة الشيوعيّة فى ممارسة دكتاتوريّة البروليتاريا لم تصبح بعدُ محور إهتمام مركّز .

لا يستبعد أنّ لينين ، على أساس تقرير إستقرائيّ من تجربة كمونة باريس ( و تخصيصا عدم وجود طليعة شيوعيّة حقيقيّة فى الكمونة ) يمكن أن يكون قد توصّل إلى بعض الإستنتاجات تخصّ الحاجة إلى أن يضطلع الحزب بدور طليعيّ ليس فى الإطاحة بسلطة الدولة القديمة فقط و إنّما أيضا فى إنشاء سلطة الدولة الجديدة و ممارستها . لكن إعتبار أنّ عدم قيام لينين بذلك كذلك فى " الدولة و الثورة " يمثّل نوعا من " هفوة جدّية " أفضت إلى " الخطأ الأساسيّ " هو مثال آخر عن التفكير المثاليّ و الميتافيزيقيّ.
مع تجربة ثورة أكتوبر ثمّ تجربة ممارسة البروليتاريا السلطة بالذات ، صارت مسألة الدور القياديّ للحزب فى مقدّمة المسائل . عند هذه النقطة ، عالج لينين بالتأكيد هذه المسالة ، فى خضم النظريّة و كذلك الممارسة ، بصفة متواصلة طوال السنوات العديدة التالية . فكانت كتاباته و خطاباته فى تلك الفترة ( السنوات القليلة الأولى من دكتاتوريّة البروليتاريا فى الجمهوريّة السوفياتيّة و السنوات القليلة الأخيرة من حياة لينين ) مليئة بنقاش هذه المسألة و جدال بشأن التناقضات التى تتضمّنها . و فى الواقع ، قد إستشهدت وثيقة اللجنة ببعض تلك الكتابات و الخطابات ( طبعا بطريقة مشوّهة لأجل إتّهام لينين بتأييد " دكتاتورية الحزب " على الجماهير ) ( 11) .

طريقة بروز هذه المسألة فعليّا تثبت العلاقة الحقيقيّة بين الممارسة و النظريّة و أنّ أهمّ وظيفة للنظريّة ، كما قال لينين ، هي الإنكباب على المشاكل العاجلة الراهنة ، المشاكل النظريّة الفعليّة التى تفرزها الممارسة .

و نمرّ إلى موقف آخر فى وثيقة اللجنة : " إثر إفتكاك السلطة فى أكتوبر ، صار مجلس السوفياتات الحكومة الشكليّة للسلطة السياسيّة الجديدة . لكن فى الواقع ، كان الحزب يضطلع بالدور الحاسم فى تطوير كلّ السياسات الهامة و التكتيكات من وراء الستار . و فى الحقيقة ، كان الحزب يتحكّم فى السوفياتات بالرغم من أنّ دوره الخاص فى هيكلة الدولة الجديدة لم يكن محدّدا." ( فقرة 8-6)

هنا ، بصفة مزعجة ، نرى وثيقة اللجنة تستعمل الشبح المستعمل عادة من طرف البرجوازيّة أي شبح أولئك الشيوعيّين الجديرين بالإزدراء ذوى البرامج المخفيّة ! نرى أيضا أنّ هذه الوثيقة تقدّم مرّة أخرى شكلانيّتها البرجوازيّة المعهودة
( متذمّرة من أنّ الهياكل الشكليّة للديمقراطيّة لم يتمّ الإنخراط فيها ) . لكن الآن ، يقع هذا بإسم معارضة الشكلانيّة ( لم تكن السوفياتات حكومة شكليّة فحسب بل أيضا كان الشيوعيّون بالفعل يتحكّمون فى الأشياء من وراء الستار ) . فى الحقيقة ، لم يتم ذلك " من وراء الستار" البتّة . قبلا ، إستشهدت وثيقة اللجنة بلينين وهو يقول إنّ البلاشفة قد " أعلنوا للعالم " ضرورة دور الحزب القياديّ . المسألة هي أنّ دور الحزب كان يحدّد بوضوح أكثر فأكثر بإعتباره القوّة القياديّة الشاملة فى دكتاتوريّة البروليتاريا ، فى علاقة جدليّة مع الجماهير التى تمّت تعبئتها لممارسة هذه الدكتاتوريّة . هذه هي بالضبط كيفيّة تعامل لينين معها نظريّا و عمليّا و كذلك فعل ستالين ، أساسا و بوجه خاص فى البداية ( لنتذكّر تعليق ماو أنّه فى البداية ، فى ظلّ قيادة ستالين ، لم يكن لديهم شيئا سوى التعويل على الجماهير و لذلك طالب ستالين بالتعبئة العامة للحزب و الجماهير ، رغم أنّهم فى ما بعد ، إثر حصولهم على بعض المكاسب بهذه الطريقة ، صاروا أقلّ تعويلا على الجماهير ) .

و تتمادى وثيقة اللجنة لتقول : " هكذا ، تحت ضغط الظروف ، أمام كلّ التهديدات الخارجيّة و الداخليّة ، إضطرّ الحزب إلى لعب الدور المحوريّ ، مبعدا السوفياتات إلى الخلفيّة ". ( فقرة 8-7)

و مرّة أخرى ، إنّه لإحتقار و قول خاطئ من حيث الجوهر قول إنّ السوفياتات كانت " مبعدة إلى الخلفيّة " . حتى " تحت ضغط الظروف " و مع تغيير ضروريّ فى الوزن النسبي للسوفياتات ، فى علاقة بالمؤسّسات الأخرى ( ومنها على وجه الخصوص الحزب ) فى تسيير المجتمع و فى الممارسة الشاملة لدكتاتوريّة البروليتاريا ( مثلما ناقشنا سابقا ) ، إستمرّ بعدُ التعويل على السوفياتات لتنهض بوظائف الحكومة ، فى ظلّ قيادة الحزب ، كما قال لينين . لكن هنا من الضروريّ العودة إلى مسألة تاريخيّة شاملة متعلّقة بدور السوفياتات ( و المؤسّسات المشابهة و المنظّمات الجماهيريّة ) فى سيرورة الثورة الإشتراكيّة و التقدّم نحو الشيوعيّة .

فى حديث له بصدد الثورة الصينيّة و على نحو خاص فى إجابة على سؤال متّصل بتشكيل السوفياتات و دورها فى الثورة ( كان هذا فى 1927، فى المراحل الأولى للثورة الصينيّة ) ناقش ستالين كيف أنّ السوفياتات " أجهزة الإنتفاضة ضد السلطة القائمة ، أجهزة الصراع من أجل سلطة ثوريّة جديدة ، أجهزة السلطة الثوريّة الجديدة " .( ستالين ،" حديث مع طلبة جامعة سان يات سان : ، 13 ماي 1927 ، المسألة الثامنة فى "حول المعارضة " ، بيكين ، منشورات باللغات الأجنبية – الإنجليزية – صفحة 689) . و دون التوغّل فى المسائل التكتيكيّة الخصوصيّة و بالأحرى المعقّدة التى كان ستالين يتحدّث عنها ، فى إرتباط بالثورة الصينيّة فى تلك الفترة ، ثمّة مسألة هامة و عالميّة أكثر يلمح إليها ستالين . فى تجربة الثورة البلشفيّة ( و كان هذا أيضا صحيحا فى الثورة الصينيّة ، فى تلك الأوضاع التى أرسيت فيها سوفياتات) وُلدت السوفياتات أثناء سيرورة الإنتفاضة الجماهيريّة و لفترة بعد إفتكاك السلطة (12). و حافظت على نفس الديناميكيّة التى ميّزتها فى هذه الإنتفاضة . لكن كان من الحتميّ أن تتحوّل إلى حالة لا يمكن فيها المحافظة على نفس المستوى ، فى نوع من السير " المستقيم " لفترة طويلة من الزمن .

و يرتبط هذا أيضا بالنقاط التى أوضحنا بشأن مشكل المحافظة على الطاقة و الحماس الثوريّين و كيف أنّ الصراع الطبقيّ و الإنتفاضات الجماهيريّة تتّجه حتما إلى التطوّر على شاكلة الأمواج أو بطريقة لولبيّة فى المجتمع الإشتراكيّ ( و أيضا فى المجتمع الرأسماليّ ). و يتّجه هذا حتما للإنعكاس فى درجة ديناميّة ( أو أحيانا ، الغياب النسبيّ لدينامية ) أجهزة مثل السوفياتات فى ظلّ دكتاتوريّة البروليتاريا . إنّ السوفياتات فى الإتحاد السوفياتيّ يمكن فى أيّ وقت معيّن ألآ تكون بنفس الديناميّة التى كانت عليها طوال فترة نهوض الجماهير لإفتكاك السلطة و ثمّ فى السنوات الأولى حين شرعت فى ممارسة السلطة . و هذا تعبير عن التطوّر الموضوعي على شاكلة الأمواج و ليست مسألة محاولات جديرة بالإزدراء و منحوسة من البلاشفة لتعويض دكتاتوريّة البروليتاريا بدكتاتوريّة الحزب كما تدّعى وثيقة اللجنة .

و فى تناقض مع ما تقوله هذه الوثيقة ، لم يجعل لينين مبدأ أنّ " الحزب و حسب " و ليست الجماهير ، ب" إمكانه أن يمارس الدكتاتوريّة " ( فقرة 8-7) . فقد تشبّث بجدّية بكيفيّة تشريك الجماهير فى تسيير الدولة و كيفيّة مكافحة التوجّهات البيروقراطيّة التى تتعارض مع هذا . و مرّة أخرى ، كانت كتاباته فى السنوات القليلة الأخيرة من حياته مليئة بالتشبّث بهذه المسألة بينما كان ، فى نفس الوقت ، مضطرّا إلى الإعتراف بأنّ بيروقراطيّة من نوع أو آخر لا يمكن القضاء عليها ، لزمن طويل آتِى.

إحدى أهمّ الطرق التى قاد بها لينين النضال ضد البيروقراطيّة و إتّجاه الحزب الشيوعيّ كحزب فى السلطة إلى التحوّل إلى حزب فاسد كانت الحملة الموجّهة إلى تطهير الحزب من الوصوليّين لا سيما الذين إلتحقوا بالحزب لمّا تمّ تعزيز السلطة و كان الحزب يضطلع بدور قياديّ فى المؤسّسات الإجتماعيّة و فى الحياة الإقتصاديّة و السياسيّة للبلاد . و أكّد لينين على أنّه على الحزب و بخاصة الآن و قد بات القوّة القياديّة للبروليتاريا فى السلطة ، أن يواصل تشكيل ذاته من الذين إلتحقوا به منتظرين التضحية الذاتيّة و مستعدّين لها فى سبيل مصالح البروليتاريا . ففى 1921 ، فى فترة ما بعد الحرب الأهليّة المظفّرة ضد الرجعيّين المحليّين مع عدد من القوى الإمبرياليّة ، قال لينين ما يلى حيال تطهير الحزب : " تطوّر تطهير الحزب بصفة بديهيّة إلى مسألة جدّية و بالغة الأهمّية ، فى بعض الأماكن يُطهّر الحزب بالأساس بإعانة تجربة و مقترحات العمّال غير الحزبيّين ، و هذه المقترحات و ممثّلي الجماهير غير الحزبيّة تلقى الإهتمام بالإعتبار الذى تستحقه . هذا هو الشيء الأثمن و الأهمّ . إذا نجحنا فعلا فى تطهير حزبنا من الأعلى إلى الأسفل بهذه الطريقة ، دون إستثناءات ، سيكون حقّا كسبا عظيما للثورة .
... ينبغى للحزب أن يتطهّر من الذين فقدوا العلاقة بالجماهير ( حتّى لا نتحدّث ، طبعا ، عن الذين يشوّهون سمعة الحزب فى أعين الجماهير ) . و من الطبيعيّ أنّه يتعيّن علينا ألاّ نخضع كلّ شيء لرأي الجماهير لأنّ الجماهير كذلك ، أحيانا ( و بخاصة زمن التعب و الإنهاك الإستثنائيّين الناجمين عن الضيق و الألم المفرطين ) تستسلم للمشاعر التى ليست بأيّة حال متقدّمة . بيد أنّه فى تقييم الأشخاص و فى الموقف السلبيّ للذين قد " ألصقوا " أنفسهم بنا لمآرب ذاتية و للذين صاروا " مفوّضين مغرورين " و " بيروقراطيين " ، فإنّ مقترحات الجماهير غير الحزبيّة و فى عديد الحالات ، الجماهير الفلاحيّة غير الحزبيّة ، ذات قيمة إلى أبعد الحدود . ذلك أنّ للجماهير الكادحة حسّ مرهف يسمح لها بالتفريق بين الشيوعيّين الشرفاء و المخلصين من جهة و أولئك الذين يثيرون إشمئزاز الناس المتحصّلين على خبزهم بعرق جبينهم و غير المتمتّعين بأيّة إمتيازات و ليس عليهم أيّ " قميص".

بغية تطهير الحزب ، من الهام جدّا أخذ مقترحات الشعب الكادح غير الحزبيّ بعين الإعتبار . و ستكون لذلك نتائج عظيمة . سيجعل الحزب طليعة أشدّ قوّة بكثير للطبقة العاملة ممّا كان عليه قبل ، سيجعل منه طليعة أقوى لها صلة وثيقة بالطبقة و أقدر على القيادة نحو الإنتصار عبر صعوبات و أخطار جمّة ". ( لينين " تطهير الحزب " ، الأعمال الكاملة ، المجلد 31، صفحة 33 ، التسطير فى النص الأصليّ ؛ الطبعة الفرنسية لدار التقدم ، موسكو )

مثل هذه التطهيرات للحزب و إجراءات أخرى ضد البقرطة التى إتّخذت فى ظلّ قيادة لينين لم تستطع و لم تكن لتستطيع ، بحدّ ذاتها ، أن تحلّ المشكلة . فلم تحلّ التناقضات الكامنة التى تفرز البيروقراطية و الوصوليّة فى صفوف موظّفى الحزب و الدولة و سواهما . لكن هذه السياسات تبيّن دون مجال للخطأ تصميم لينين على مكافحة مثل تلك الوصوليّة و البيروقراطيّة و أيّة نزعة لتحويل الحزب و الدولة إلى نقيضها أي وسائل دكتاتوريّة على الجماهير .

كان هذا المشكل يتطلّب إبداعات جديدة ، وسائلا و مناهجا جديدة للصراع و الثورة الثقافيّة البروليتاريّة الكبرى فى الصين مثّلت مثل هذا الإبداع الجديد ، مثل هذه الوسائل و المناهج الجديدة للصراع الثوريّ ، فى ظلّ دكتاتوريّة البروليتاريا. لكن ، كما قال ماو ، لم تكن ثورة ثقافيّة واحدة لتحلّ كلّ المشاكل . و لم تكن كذلك لتقضي على الطابع الموضوعيّ للصراع الطبقيّ و الإنتفاضات الجماهيريّة ، الذين يتطوّرون على شاكلة أمواج . و مثلما عبّر عن ذلك ماو ، ينبغى إنجاز عديد الثورات الثقافيّة على الطريق الموصل للتحقيق النهائيّ للشيوعيّة . و مع ذلك ، لا يمكن أن توجد ثورات كافة الوقت . فى أثناء هذه الأوقات ، عندما لا تكون ثورة ثقافيّة ممكنة ، لا بدّ من الكفاح ضد النزعات البيروقراطيّة و ما هو جوهريّ أكثر ، لا بدّ من أن توجد وسائل تعبئة النشاط الواعي للجماهير إلى أقصى درجة ممكنة . لكن لا شيء من هذا يمكن أن يقدّم ضمانا مدرّعا بالحديد ضد إعادة تركيز الرأسماليّة أو أن يغيّر من أنّه ستوجد فترات لا يكون فيها " التوتّر " الثوريّ و مبادرة الجماهير فى أعلى نقطة ، حتّى فى المجتمع الإشتراكيّ .

و فى إرتباط بهذا ، تأتى محوريّة مقاربة الحزب كقوّة قياديّة لدكتاتورية البروليتاريا ، لمسألة تعارض الآراء و تصادمها فى كلّ من داخل صفوف الحزب و فى المجتمع بعامة . فى " نهاية / بداية " و فى عدد من الأعمال الأخرى ، إتّباعا لخطى ماو ، قد أكّدت على أهمّية السماح بهذه الأشياء و حتى بتشجيعها فى ظلّ دكتاتوريّة البروليتاريا كمبدأ عام . إلاّ أنه ، فى نفس الوقت ، يتوجّب الإقرار بأنّ هذه المسألة أيضا لا يمكن أن تعالج بصورة مجرّدة و شكليّة ، حسب نوع من الفهم الديمقراطيّ " النقيّ " أو " غير الطبقي " و ستكون متأثّرا كذلك بصورة حاسمة بالظروف الواقعيّة و بالأخصّ بالعلاقات الطبقيّة و الصراع الطبقيّ ، فى كلّ من المجتمع الإشتراكيّ و عالميّا .

و أحيانا ، سيكون من الممكن ( سيتطابق مع مصالح البروليتاريا ) " الإنفتاح الواسع " بمعنى مثل هذا النقاش و التصادم إلخ و على الحزب ألاّ يتذبذب فى إستغلال مثل هذه الفرص ل " الإنفتاح الواسع " و فى أوقات أخرى ، سيكون من الضروري " رصّ الصفوف " أكثر و خوض الصراع الإيديولوجيّ و النقاش و ما إلى ذلك بطريقة محدّدة أكثر و على الحزب كذلك ألاّ يتذبذب فى تبنّى هذه المقاربة حينما تتطلّبها الظروف الملموسة . و مع ذلك ، من خلال كلّ هذا ، ينبغى أن يكون المبدأ القائد هو أنّ الأشكال التى يترتّب إيجادها فى كلّ من داخل الحزب و فى صفوف الجماهير الواسعة من أجل النقاش و التصادم و الصراع الإيديولوجيّ و ما إلى ذلك ، أشكالا مناسبة للظروف و تتماشى و مصالح البروليتاريا فى وضع معيّن ، و يتعيّن إستغلال كلّ فرصة ل " الإنفتاح الواسع " إلى أقصى درجة ممكنة تنسجم مع مصالح البروليتاريا أي مع ممارسة الجماهير لدكتاتوريّة البروليتاريا و مواصلة الثورة فى ظلّ دكتاتوريّة البروليتاريا بقيادة الحزب الشيوعيّ الطليعيّ .

و يجب القيام بهذا حتّى و إن إتّجه إلى تضمّن المخاطرة بالكثير و تكرارا إفساد النظام المركّز فى ظلّ الإشتراكيّة و يجب القيام به بطريقة لا تقوّى بل تضعف إعادة تركيز قاعدة القديم أيّ النظام الرأسماليّ . و يعود بنا هذا إلى " الجانب الإيجابيّ للتناقضات غير المحلولة فى ظلّ الإشتراكيّة " و المبدأ المرتبط بهذا ألا وهو :

" ينبغى على الحزب فى المجتمع الإشتراكيّ أن يعمل كطليعة ليس بمعنى كونه حزبا فى السلطة و حسب بل أيضا بمعنى مشاركته النشيطة فى و قيادة ( مُطلقا العنان فعليّا و كاسبا قيادة ) النضال الجماهيريّ فى معارضة مظاهر الوضع الراهن
التى تكون ، فى أيّ وقت معيّن ، قد صارت حاجزا أمام مزيد تثوير المجتمع و التى تقف فى تعارض مع القوى الثوريّة الجديدة التى تتقدّم . بإختصار ، ينبغى على الحزب أن يكون حزبا فى السلطة و طليعة النضال الثوريّ ضد أيّ أجزاء من السلطة تقف فى وجه التحرّر التام " ( أفاكيان ، " ملاحظة ختامية " ، مجلة " الثورة " ، نهاية 1990 ، صفحة 46 ، التسطير فى النص الأصليّ ) .

و يشمل كلّ هذا مسائلا عميقة من اللازم معالجتها لكن من جهة أخرى ، لا بدّ من تناولها بجدّية من وجهة نظر الماركسيّة – اللينينيّة – الماويّة و تلخيص التجربة التاريخيّة لدكتاتورية البروليتاريا و ليس على أساس نبذ هذا و البحث عن " إجابات بسيطة " تحرّض الجماهير ضد الحزب بما هو بصراحة طريقة كلاسيكيّة معادية للشيوعيّة . و ما يؤكد عليه " بيان الحركة الأمميّة الثوريّة " [ 1984 – المترجم ] يكتسى أهمّية بالغة على ضوء الأحداث العالمية الحديثة :

" لقد شكّل تقييم الخبرة التاريخيّة فى حدّ ذاته دوما موضوع جدالا كبيرا فى الصراع الطبقيّ فمنذ هزيمة كومونة باريس لم يتوقّف الإنتهازيّون و التحريفيّون عن إستغلال هزائم البروليتاريا و نواقصها بغاية قلب الخطأ و الصواب و خلط المسائل الثانويّة بالمسائل الرئيسيّة و التوصّل إلى إستنتاج مفاده أنّ " البروليتاريا ما كان عليها أن تحمل السلاح ". و كثيرا ما كان بروز ظروف جديدة تعلّة للإرتداد عن المبادئ الجوهريّة الماركسيّة ، مع إدّعاء إضفاء التجديد عليها . و من جهة أخرى، فإنّه ليس بأقلّ خطأ و بأقلّ ضررا كذلك التخلّى عن الروح النقديّة الماركسيّة و عدم الإهتمام بتقييم نواقص البروليتاريا إلى جانب تقييم نجاحاتها و الإعتقاد بأنّه يكفى تماما الإستمرار فى الدفاع أو التمسّك بمواقف كنّا نتصوّر سابقا أنّها صحيحة فمثل هذه الطريقة تجعل الماركسيّة - اللينينيّة - الماويّة جافة و هشّة غير قادرة على التصدّى لضربات العدوّ و عاجزة عن تحقيق أيّ تقدّم جديد فى الصرع الطبقيّ و فى الواقع تخنق مثل تلك الطريقة الروح الثوريّة الماركسيّة – اللينينيّة .

لقد بيّن التاريخ فعلا أنّ التجديدات الحقيقيّة للماركسيّة (على عكس التشويهات التحريفيّة ) إنّما كانت متّصلة إتّصالا وثيقا بمعارك ضارية للدفاع عن المبادئ الجوهريّة للماركسية - اللينينية - الماوية و تدعيمها . و لنستشهد بمثالين يدلاّن على هذه الحقيقة التاريخيّة : نضال لينين المزدوج ضد أولئك التحريفيّين المكشوفين و ضد من كانوا مثل كاوتسكى يعارضون الثورة زاعمين الإرتكاز على " أرثودكسيّة ماركسيّة " و أيضا النضال الكبير الذى خاضه ماو تسى تونغ ضد التحريفيّين المعاصرين و إرتدادهم عن تجربة بناء الإشتراكيّة فى الإتّحاد السوفياتي فى عهد لينين و ستالين وهو النضال الذى خاضه فى نفس الوقت الذى كان يقوم فيه بنقد شامل و علميّ لجذور التحريفيّة .

و علينا اليوم أن نعالج المسائل و المشاكل الشائكة التى يطرحها تاريخ الحركة الشيوعيّة العالميّة حسب طريقة مماثلة . "

( " بيان الحركة الأمميّة الثوريّة " ، صفحة 5 بالأنجليزيّة / و أنظرو أيضا ترجمة البيان بأكمله ضمن كتاب شادي الشماوي ، " علم الثورة البروليتارية العالمية : الماركسيةّ – اللينينيّة – الماويّة " بمكتبة الحوار المتمدّن ) .

و لسوء الحظّ ، تبتعد وثيقة اللجنةعن كلّ هذه المقاربة الصحيحة و تمضى فى معارضتها . و فى تأكيدها على " خطوتان عمليّتان إتّخذتهما كمونة باريس " ، نظام سياسيّ عمل من خلال موظّفى سلطة قابلين للعزل و تعويض الجيش القائم بالشعب المسلّح " و فى إدّعاء التعميق إنطلاقا من هذا الأفق نحو " ديناميّة " السلطة السياسيّة ( فقرتا 8-9و 8-10) تسقط هذه الوثيقة على نحو أشمل فى موقف برجوازيّ . إذ تبتدأ بهذا التشخيص لطبيعة الدولة : " فى مجتمع طبقيّ ، تمسك الطبقة السائدة سلطة سياسيّة مدّعية أنّها تمثّل المجتمع كافة . و هذا يعكس تناقضا بين الإرادة السياسيّة للطبقة الحاكمة و إرادة المجتمع ككلّ . لأجل حلّ هذا التناقض ، تمركزت السلطة فى هيكلة الدولة و تستخدمها الطبقة الحاكمة على أنّها سلطتها التنفيذيّة . لذا ، هذه المركزة للإرادة السياسيّة للطبقة الحاكمة بإسم الإرادة السياسيّة للمجتمع بأسره ، فى الشكل الملموس للدولة ، بالأخصّ فى قوّتها المسلحة هي ميزة من ميزات السلطة السياسيّة التى وجدت إلى الآن فى المجتمع الطبقيّ . " ( فقرة 8-10، خط التشديد مضاف )

هذا تشخيص خاطئ للتناقضات المتضمّنة و تشخيص خاطئ لجوهر المسألة . فإستخدام الطبقة السائدة للسطة السياسيّة لا يهدف جوهريّا أو أساسا إلى حلّ " التناقض بين الإرادة السياسيّة للطبقة الحاكمة و إرادة المجتمع ككلّ " . أساسا و جوهريّا، يهدف إلى التعامل مع التناقض ( التناحريّ ) بين تلك الطبقة السائدة و الطبقة ( أو الطبقات ) التى عليها يجب أن تمارس الدكتاتورية بغرض المحافظة على موقعها المسيطر فى المجتمع . وهذا متجذّر ليس فى نزاع مجرّد " للإرادات السياسيّة " بل فى الظروف الكامنة أي نزاع المصالح الطبقيّة المتناسب مع نوع من علاقات الإنتاج الماديّة المحدّدة . و مثلما لخّص ريموند لوتا بصورة واضحة المعالم :

" الدولة هيكلة إجتماعية موضوعية تحدّد ميزتها ليس بالجذور الطبقيّة للموظّفين القياديّين بل بالتقسيم الإجتماعي للعمل الذى هي إمتداد له و علاقات الإنتاج التى عليها فى نهاية المطاف أن تخدمها و تعيد إنتاجها ".
( ريموند لوتا " حقائق الإمبريالية الإشتراكية مقابل دغما الواقعيّة الساخرة : ديناميكيّة تشكيل الرأسمال السوفياتيّ " ضمن " الإتحاد السوفياتي : إشتراكي أم إمبريالية إشتراكية ؟ " الجزء 2 : المسألة متّصلة ، شيكاغو ، منشورات الحزب الشيوعي الثوري، 1983 ، صفحة 41 ، خط التشديد مضاف ) .

وفى تناقض مع هذا ، عرض وثيقة اللجنة لهذه المسألة بالتركيز على " التناقض بين الإرادة السياسيّة للطبقة الحاكمة و إرادة المجتمع ككلّ : هو عرض مثاليّ يؤدّى إلى إتجاه حجب الطبيعة الطبقيّة للدولة ( و مثلما سنرى ، هذا هو بالضبط الإتّجاه الذى يقود هذه الوثيقة ) . و تتابع الوثيقة عرضها كما يلى :

" إنّ البروليتاريا تهدف إلى القطع قطيعة نوعيّة مع هذه الهيكلة . و بالتالى عليها أن تشرع فى سيرورة تجعل من المجتمع بأسره قادراعلى أن يبتلع إبتلاعا معاكسا هذه السلطة الممركزة . وتعويض الجيش القائم بالشعب المسلّح هو خطوة ملموسة أوّليّة فى هذا الإتّجاه . بيد أنّه فى غياب نظام إقتصاديّ و سياسيّ و إجتماعيّ كامل يضمن هذا الإبتلاع المعاكس ، لن يفي هذا وحده بالغرض . فى السيرورة كلّها ، يتحتّم أن تخلق ظروف و هياكل لكي تتمكّن الإرادة ( السياسيّة ) للمجتمع بأسره من أن تعبّر عن نفسها و أن تتحقّق مباشرة دون وساطة الدولة . حينها فقط تستطيع البروليتاريا أن تبلغ غايتها ألا وهي مجتمع حيث تضمحلّ الدولة . إذا لم تتمكّن البروليتاريا من أن تتقدّم بمثل هذا النظام السياسيّ البديل ، فلن تقدر على إحداث قطيعة نوعيّة مع النظام البرجوازيّ القائم ." (فقرة 8-10)

نبدأ بالجزء الأخير هنا فنقول ليس هذا سوى مواصلة ل" قلب " مثاليّ و ميتافيزيقيّ للعلاقة بين الإقتصاد و السياسة و كذلك تطبيق للميتافيزيقا و المثاليّة على السياسة ذاتها و بالأخص الدولة . إنّه يتجنّب المسألة الحاسمة ، مسألة تحويل القاعدة الإقتصادية بمعنى إنجاز " قطيعة نوعيّة مع النظام الرأسماليّ القائم " . فهو يفصل مسألة " تتقدّم بمثل هذا النظام السياسي البديل " عن القاعدة الإقتصاديّة أو على الأقلّ لا يأخذ بعين الإعتبار مسألة تحويل القاعدة الإقتصاديّة و كيف يتفاعل ذلك مع خلق نوع دولة جديد سيقود بدوره إلى إضمحلال الدولة . بصفة عابرة ، تشير إلى " نظام إقتصاديّ و سياسيّ و إجتماعيّ كامل يضمن هذا الإبتلاع المعاكس " لكنّها بعد ذلك ، تولى الإنتباه الرئيسيّ و الأهمّ إلى مسألة النظام السياسيّ عوض التشديد على الظروف الماديّة القائمة و نقاش النظام السياسيّ فى هذا الإطار ، فى علاقة جدليّة بالظروف الإقتصاديّة القائمة و الحاسمة فى آخر المطاف .

أمّا بالنسبة لصيغتها أنّ " فى السيرورة كلّها ، يتحتمّ أن تخلق ظروف و هياكل لكي تتمكّن الإرادة ( السياسيّة ) للمجتمع بأسره أن تعبّر عن نفسها و أن تتحقّق مباشرة دون وساطة الدولة " فهي تلغى من الصورة شيئا حاسما للغاية سيميّز هذه " السيرورة كلّها " و حصرا وجود الطبقات و الصراع الطبقيّ ، وفوق كل شيء التناقض التناحريّ و الصراع بين البروليتاريا و البرجوازيّة و أيضا التناقض و الصراع بين العمّال و الفلاّحين ، و بين الشعب الكادح و المثقّفين و تناقضات إجتماعيّة أخرى تعكس التناقضات الطبقيّة أو تتضمّن بذور التناقض الطبقيّ و حتّى التناحر الطبقيّ .

صحيح أنّ مع تحقيق الشيوعيّة بمعنى التحويل الثوريّ لكلّ من القاعدة الإقتصاديّة و البناء الفوقيّ و النظام السياسيّ و الإداريّ الذى سيوجد حينذاك ، سيتمّ فعلا التعبير عن إرادة المجتمع بأسره و لو ليس دون تناقضات . مع ذلك ، لا يمكن لسيرورة تحقيق الشيوعيّة أن يجرى تصوّرها كما لو أنّها تحدث ليس عبر ثورة فى ظلّ دكتاتوريّة البروليتاريا لتحلّ التناقضات الإجتماعيّة و النزاعات الطبقيّة العميقة و إنّما عبر تطوّر خطّي و تطوّريّ تقريبا فى هياكل تعبّر عن " الإرادة السياسيّة للمجتمع بأسره " " الإبتلاع المعاكس لسلطة الدولة من طرف المجتمع باسره " ( فقرة 10-3).

ثمّ يقال لنا " أخفق كلّ نظام دكتاتوريّة البروليتاريا الذى تم ّ تطبيقه إلى حدّ الآن ، إبتداء من لينين وصولا إلى ماو " ( فقرة 8-11) لأنّه لم يقدّم فهم وثيقة اللجنة ( " نظام سياسي بديل " و لم يعمل وفق رؤية هذه الوثيقة لكيفيّة بلوغ إضمحلال الدولة ( أو " الإبتلاع المعاكس لسلطة الدولة من طرف المجتمع بأسره ". ) . أمام هذا ، مرّة أخرى ، يمكننا قول " شكرا لله ! " . فى الحقيقة إن حاول " كلّ " نظام دكتاتوريّة البروليتاريا الذى تم ّ تطبيقه إلى حدّ الآن " أن يمارس خطّ وثيقة اللجنة هذه فإنّ دكتاتوريّة البروليتاريا هذه كانت ستضعف و ستجرى الإطاحة بها بأكبر سرعة ممّا حدث و كانت البروليتاريا العالميّة ستفقد تجربة تاريخيّة عامة غنيّة بالدروس الحقيقيّة . و بإمكاننا أن نضيف أنّنا نرغب فى أن تكون دكتاتوريّة البروليتاريا هذه قد " أخفقت " فى إمتحان وثيقة اللجنة حتّى بصفة شاملة أكثر ، أو لنضع ذلك بوجه إيجابيّ ، نرغب فى أن تكون قد نجحت ليس إلى المدى الذى فعلت فى الحيلولة دون صعود البرجوازيّة إلى السلطة فحسب ، بل نجحت أبعد من ذلك و إلى يومنا هذا .

و لنؤكد ثانية و نشدّد من جديد على النقطة الحاسمة و الإختلاف الحاسم بين الماركسية – اللينينية – الماوية و الخطّ الإشتراكيّ الديمقراطيّ لوثيقة اللجنة حيال مسألة الدولة و دكتاتوريّة البروليتاريا بالأخصّ : تتصرّف هذه الوثيقة كما لو أنّ الشيء الأساسيّ فى التقدّم نحو الشيوعيّة ، حين التوصل إلى دكتاتوريّة البروليتاريا ، هو توسيع الديمقراطيّة ، الديمقراطيّة الشكليّة . فى الحقيقة ، الشيء الأساسيّ هو الصراع الطبقيّ ، هذه هي العلاقة المفتاح ، مثلما أوضح ماو .

يمكن لصيغة التى تشبه نوعا ما ، ظاهريّا ، ما تقوله وثيقة اللجنة حول " الإبتلاع المعاكس لسلطة الدولة من طرف المجتمع بأسره " أن نجدها لدى ماركس و إنجلز ( و لينين ) إلاّ أنّ الوثيقة تغفل ( أو ترفض ) الجوهر : تظهر الدولة على أساس إنقسام المجتمع إلى طبقات متناحرة و توجد كأداة طبقة ( الطبقة المسيطرة إقتصاديّا ) فى قمع طبقات أخرى : إنّها أداة دكتاتوريّة طبقيّة . لقد أوضح هذا إنجلز بتعابير لا لبس فيها و بصفة جليّة جدّا و تماما فى " أصل العائلة و الملكية الخاصة و الدولة " ، " و هكذا فالدولة لم توجد منذ الأزل . فقد وجدت مجتمعات كانت فى غنى عن الدولة و لم تكن لديها أيّة فكرة عن الدولة و سلطة الدولة . و عندما بلغ التطوّر الإقتصاديّ درجة معيّنة إقترنت بالضرورة بإنقسام المجتمع إلى طبقات ، غدت الدولة بحكم هذا الإنقسام أمرا ضروريّا ". ( إنجلز ، " أصل العائلة و الملكية الخاصة و الدولة " ، صفحة 229 ، دار التقدّم ، موسكو ، الطبعة العربيّة ، و ذكره لينين فى " الدولة و الثورة " صفحة 16 ، دار التقدم ، موسكو ، الطبعة العربيّة ) . و الدولة أينما وُجدت و أيّما شكل حكم إتّخذت ، هي " من حيث جوهر الأمر ، آلة لقمع الطبقة المستثمَرة ، المظلومة " . ( نفس المصدر السابق " أصل ..." ، صفحة 233)

ليست " للمجتمع بأسره " " إرادة سياسيّة " و بالتأكيد لا فى مجتمع طبقيّ . يمكن قول إنّ للطبقات " إرادة سياسيّة " و مجدّدا ، تمارس الطبقة السائدة سلطة الدولة ( الدكتاتوريّة ) لأجل التعامل مع التناقض بين " الإرادة السياسيّة " ( أو بصفة أكثر جوهريّة المصلحة الطبقيّة الموضوعيّة ) للطبقة السائدة من جهة و الإرادة السياسيّة للطبقات التى تستغلّها و تضطهدها من جهة ثانية . هنا نقطة أساسيّة يجب إبرازها وهي أنّ التعبير الأكثر كثافة عن سلطة الدولة هو القوى المسلّحة للدولة و أنّه طالما وُجدت دولة ( أو بعبارة أخرى ، طالما بقي المجتمع منقسما إلى طبقات ) فإنّ القوى المسلّحة ستمثّل طبقة أو أخرى . لا يمكن لمثل هذه القوى المسلّحة أن تمثّل " الشعب بأسره " أو " المجتمع بأسره " دون تفريق طبقيّ . فى ظلّ ظروف الإشتراكيّة ( التى ليست مجتمعا طبقيّا فحسب بل أيضا مجتمعا متميّزا بالإنقسامات الطبقيّة التناحريّة ) نداءات إلغاء الجيش القائم ( كامل ساعات الدوام ، المحترف) و تعويضه بتسليح " الشعب باسره " يساوى النداء إلى إلغاء دكتاتوريّة البروليتاريا .

و من جديد ، مردّ هذا أنّ التناقضات الجوهريّة المميّزة للمجتمع الإشتراكيّ كمرحلة إنتقاليّة بين الرأسماليّة و الشيوعيّة تشكّل قاعدة ماديّة لإستمرار وجود الطبقات و بالخصوص للتجدّد المستمرّ للبرجوازيّة و التوالد المستمرّ للبرجوازيّة الجديدة ، ضمن كلّ من موظّفى الحزب و جهاز الدولة و ضمن صفوف الشعب عامة . فى هذا الوضع إلغاء الجيش القائم تحت قيادة حزب البروليتاريا ( حزبها الشيوعي الطليعي الوحيد ) (13) و تعويضه بتسليح " الشعب بأسره " سيفضى فى الواقع ، إلى تطوّر قوّات مسلّحة مختلفة ممثّلة الطبقات المغايرة و منها البرجوازيّة . و هذا ما سيكون عليه الحال حتّى إذا كانت الطبقات المطاح بها و مسانديها ( المفضوحين ) قد أقصيت من مقولة " الشعب بأسره " الذى يجب تسليحه عوضا عن جيش الدولة البروليتاريّة القائم . ستتقوّض القوّات المسلحة البروليتاريّة و ستضعف . و قوّة و منها القوّة المسلحّة و القوى الطبقيّة الأخرى و منها القوى البرجوازيّة الهادفة إلى إعادة تركيز الرأسماليّة ستتعزّز حقّا ، فى مثل هذا الوضع و سيكون مستحيلا على البروليتاريا أن تحافظ على سلطة الدولة و تواصل التقدّم نحو الشيوعيّة . و من الممكن رؤية هذا على أنّه تماما الحال حين نبقى فى ذهننا أنّ المعادين للثورة " المحلّيين " سيبحثون بصفة ثابتة عن التحالفات مع القوى الإمبرياليّة الأجنبيّة و دول رجعيّة أخرى . و هكذا إلغاء القوى المسلّحة العاملة كامل ساعات الدوام و ذات التدريب العالي التابعة لدولة البروليتاريا سيشلّها على نحو مهلك فى المعركة ضد العدوان الإمبرياليّ و ضد قوى إعادة تركيز الرأسماليّة داخل المجتمع الإشتراكيّ ذاته .

و لا يعنى هذا طبعا أنّه من غير الهام تسليح الجماهير الواسعة فى ظلّ الإشتراكيّة و أنّ بالإمكان التعويل على الجيش القائم وحده لصيانة حكم البروليتاريا . و بالفعل ، فى كلّ من وجهة نظر مكافحة الهجمات المسلّحة للمعادين للثورة ( و العدوان الإمبريالي ) و وجهة نظر إنجاز التحويل الثوريّ نحو إلغاء الإنقسامات الطبقيّة ( و معها الدولة ) ، من الضروريّ و الحيويّ إيجاد وضع تكون فيه الجماهير الواسعة " مسلّحة " و أكثر من ذلك ، منظّمة و مدرّبة فى مليشيات شعبيّة واسعة، إلى جانب جيش دولة البروليتاريا القائم ( إلى حدّ الوقت الذى يمكن للجيش القائم أن يُلغى ) .

لكن المسألة المصيريّة فى ما يتعلّق بالجيش القائم و أيضا فى ما يتعلّق بالمليشيا الشعبيّة هي ما إذا كانت البنادق بأيدى الجماهير فى الواقع الفعلي و ليس فقط شكليا. و تتوقّف هذه المسألة على طبيعة القيادة التى تمارس فى الجيش القائم و المليشيا . و تبعا لذلك ، تجد طبيعة القيادة هذه تعبيرها المكثّف فى الخط ّ ، فى كلّ من الخطّ الإيديولوجيّ و السياسيّ فى تعبيره العام و كذلك فى تعبيره السياسيّ الملموس . و يتضمّن هذا العلاقات بين القوّات المسلّحة ( و من ضمنها المليشيا ) و العلاقات بين هذه القوات المسلّحة و مبادئ القتال و العقيدة و سواها مماّ ينجرّ عن ذلك .

فى كلّ هذا ، إنّه لأمر مصيريّ أن يتمّ الإقرار بالإختلافات الطبقيّة فى صفوف الشعب و التأكيد على الدور القياديّ للبروليتاريا و حزبها الطليعيّ كما يتكثّف فى خطّه و سياساته . و هذا ( هذا التطبيق المتماسك لهذه المقاربة و الصراع المستمرّ المتمحور حول الخطّ ) هو الأمر المصيريّ فى تحديد ما إذا كانت القوّات المسلّحة للدولة البروليتاريّة تمثّل السلطة المسلّحة للجماهير العاملة وفق المصالح الثوريّة للبروليتاريا أم لا .
-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------