مصر الحديثة والبحث عن الحرية

عبدالجواد سيد
2018 / 1 / 20

مصر الحديثة والبحث عن الحرية
قصة مصر الحديثة هى قصة البحث عن الحرية، فقد بدأ محمد على حكمه الطويل لمصر، سنة 1805 بالإستيلااء على الثروة والسلطة فى آن واحد ، وأنجز مشروعاً إمبراطورياً كبيراً، لم يقدر له النجاح بسبب تدخل الدول الأوربية ومنعه من إجتياح الأراضى التركية، وإجباره على توقيع معاهدة لندن سنة 1840، التى قصرت حكمه على مصر والسودان فقط ، لكنه مع ذلك كان قد نجح فى وضع أسس مصر الحديثة ، وفى نهاية عهدة نصحه قناصل الدول الأوربية بتوزيع جزء من الأراضى الزراعية التى إستولى عليها على أفراد عائلته وحاشيته وعمد ومشايخ القرى المصريين ، من أجل توزيع الثروة وإدخال طبقة جديدة للمساهمة فى بناء الدولة الحديثة ، ففعل ذلك وهنا بدأت رحلة مصر الحديثة فعلا.
وفى عهد خلفائه سعيد وإسماعيل بالتحديد تم تثبيت هذه الملكيات الزراعية ، وبدأ ظهور الطبقة الرأسمالية الزراعية المصرية التى سرعان مامنحها إسماعيل ، ونتيجة للظروف الدولية المحيطة بمصر وبالديون الأجنبية وبضغط الدول الدائنة من أجل التدخل فى الشأن المصرى، ولرغبة إسماعيل نفسه فى تحديث مصر على النمط الغربى، حق المشاركة فى الحكم بإنشاء مجلس النواب سنة 1866 وبصياغة أول دستور فى تاريخ مصر الحديثة سنة 1879 ، واذى كان سبباً فى عزل إسماعيل عن الحكم.
لكن رحلة البحث عن الحرية إستمرت ، وسرعان ماتحول مجلس النواب المصرى، والذى بدا شكلياً فى عهد إسماعيل، إلى أداة حقيقية للحكم تشرف على شئون الدولة، وتساهم فى إقرار الميزانية فى عهد خلفه توفيق، وتم إعادة تقديم مشروع شريف باشا للدستور سنة 1822 مع حق الإشراف على الميزانية ، وتلاقت رغبة النواب مع ضباط الحركة العرابية فى الحفاظ على الدستو، الذى رفضته الدول الأجنبية للمرة الثانية ، ومن خلال الإصرار على المطلب الدستورى طور العرابيون مطالبهم الفئوية إلى مطلب يشمل كل الأمة ، وهو التطور الذى أعطى لحركتهم صفة الثورة. لكن الثورة العرابية إنتهت بالهزيمة والفوضى بسبب رغبة العسكريين بالإستئثار بالكلمة العليا، مما جعل النواب ينضمون إلى جانب الخديوى فى النهاية ، لينتهى الأمر بإنشقاق الصف الوطنى وهزيمة الثورة وتصفيتها.
لكن رحلة البحث عن الحرية إستمرت ، ففى خلال فترة الإنتداب البريطانى ، سيطرت بريطانيا على شئون الحكم والإدارة فى مصر من خلال المندوب السامى كرومر وخلفه، بينما إرتبطت ونمت رغبة المصريين فى الإستقلال والحرية جنب إلى جنب، وهو ماتحقق فى ثورة 1919 ودستور 1923 الذى ترتب عليها ، والذى تقاسمت فيه الأحزاب السياسية، بصفتها ممثل الشعب ، السلطة مع الملك، وعرفت مصر الملكية الدستورية، والحرية ، لأول مرة فى تاريخها الطويل.
و بالفعل كانت فترة 1923-1952 هى الفترة الحقيقية التى خرجت فيها مصر على العالم كدولة حديثة ، بمؤسساتها السياسية والإقتصادية والثقافية، وحققت فيها أكبر منجزاتها الحضارية فى كل رحلة مصر الحديثة، والتى عجزت فى نهايتها عن التحدى الكبير الذى واكب نموها الرأسمالى، والذى إقتضى بضرورة توزيع الثروة الزراعية مرة أخرى، لردم الهوة بين الريف والمدينة، والدخول فى مرحلة االرأسمالية الصناعية. كانت تلك هى العقبة الكبرى والحجة الكبرى أيضا التى قامت عليها ثورة يوليو 1952.
لكن ثورة يوليو ، وبينما قامت فعلاً ، بتوزيع الثروة الزراعية مرة أخرى ، فقد أخذت معها الحرية ، الخطيئة الكبرى التى مازلت مصر تعانى منها حتى اليوم، والتى تعيقها عن أى تقدم أوحياة سعيدة، فمن ناصر إلى سادات إلى مبارك الى مرسى إلى سيسى، كان كل شئ يضيع فى النهاية، بسبب الإستئثار بالسطلة وفقدان مصر للحرية ، فالحرية هى كل شئ ، وهى المطلب الذى تتحقق به كل المطالب الأخرى.