لأننا نستحقُّ الموسيقارة الجميلة!

فاطمة ناعوت
2018 / 1 / 20

فاطمة ناعوت

Facebook: @NaootOfficial
Twitter: @FatimaNaoot


لماذا ضجَّ الشارعُ الثقافيُّ بالفرح، حين حملتِ الموسيقارةُ حقيبةَ الثقافة بالأمس؟ ليس فقط لأن الموسيقارةَ تستحقُّ، بل لأننا نحن نستحقُّ. نستحقُّ أن تمنحَ الموسيقارةُ "قُبلةَ الحياة" للحراك الثقافي المصريّ، مثلما تحمل آلةَ "الفلوت" الموسيقية بين أصابعها وتمنحها من روحها قُبلةً تُطلقُ سراح النغم الحبيس داخل عود الخشب النحيل، إلى حيث فضاءات السماوات الشاسعة.
بالأمس، كُنّا، نحن جماعة المثقفين، نُهنئ بعضَنا البعضَ، على تلك النُقلة النوعية الزاخرة بالأمل في مستقبل أفضل للثقافة، بعد تعيين د. إيناس عبد الدايم وزيرةً لها. وعلى المستوى الشخصي، هنأني أفرادُ أسرتي وأصدقائي، بل وصلتني مئاتُ الرسائل الجميلة من قرّائي في مصر وخارجها تُبارك لي بتولّي الموسيقارة الجميلة، رئيس دار الأوبرا المصرية، ذلك المنصب الوزاري، لتغدو أولَ امرأة في تاريخ مصر تحملُ تلك الحقيبة الثقيلة الشائكةَ الشائقةَ الشاقّة: حقيبة الثقافة.
نعم، نحن المصريين نستحقُّ أن تُدار عجلةُ الثقافة في مصر، كما أُديرت عجلةُ "دولة الأوبرا" المصرية في السنوات الأخيرة، على نحو بالغ الدقة والنظام، كأنما مايسترو عظيم يقود أوركسترا هائلاً من آلاف العازفين متناغمَ الوقع والإيقاع. اكتشفتُ الآن أن اللغة لا تقدّم لنا "مؤنثًا" لكلمة "مايسترو"! هذا مؤسف! تلك "المايسترو" الجميلة إيناس عبد الدايم، جعلتِ، في عهدها، دور الأوبرا المصرية في القاهرة والأسكندرية ودمنهور، على هول عدد مقاعدها، تضيقُ على جماهيرها الغفيرة؛ بعدما نجحت بوعيها الفنيّ وثقافتها ووطنيتها في إقناع الجماهير بأن دور الأوبرا تفتحُ أبوابها للجميع وتقدم ألوانًا من الفنون الرفيعة تناسب ذائقات الجميع. فلم تعد تلك "دولةُ" الأوبرا الأنيقةُ، كما أُحبُّ أن أسمّيها، مقصورةً على النُخبة المِخملية المُترفة، من ذوي الياقات العالية والفِراء، بل صارت كعبةً يجِحُّ إليها كلُّ أبناءُ مصر وجاليات العرب والغرب من جميع الأطياف المجتمعية ليتذوّقوا من كأس الفنّ العذب. لكن الجميعَ يدخلُ حرمَ الأوبرا، بشروط "دولة" الأوبرا الرفيعة من حيث الملبس والسلوك والقول والانضباط. ذلك، وحده، إنجازٌ هائلٌ، يُحسبُ لتلك السيدة النبيلة، التي فتحت أبواب الأوبرات المصرية للجميع، وأحيانًا من دون مقابل في"حبّ مصر" وفي المناسبات الخاصة. وسيذكر لها التاريخُ إصرارَها على كتابة بندٍ حاسم في بروتوكلات التبادل الفني والثقافي بين مصر والدول الأخرى، يقضي بموافقة الفِرق الفنية الأوركسترالية والباليه والأوبرالية العالمية، على الذهاب إلى أوبرات الإسكندرية ودمنهور، وعدم الاكتفاء بتقديم عروضها في أوبرا القاهرة، وفقط.
لكل ما سبق ولعشرات الأمور الأخرى التي يضيق هذا المقالُ عن ذكرها، فرحتْ مصرُ وفرح المصريون، حتى من الطوائف غير المنشغلة بفنون الأوبرا، بتولّي تلك الموسيقارة الجميلة منصب وزير الثقافة. فكلَّ مصريّ يعلم مكانتها كأيقونة اشتعال في ثورة 30 يونيو 2013، حين هبَّ المثقفون للذود عن هُوية مصر الفنية والحضارية التي حاول الإخوان الإرهابيون طمسها بسرقة دار الأوبرا المصرية وتحويلها إلى ثكنات ظلامية تقتل الفكر والفن والثقافة في مصر. يومَها، نحَّتِ الموسيقارةُ جانبًا عصاةَ الفلوت النحيلة، وحملت درعَها الوطنيَّ وكامل أسلحتها الثقافية والفنية، ونزلت إلى ساحة الجهاد الشريف لتُشعلَ اعتصامَنا الذي دام خمسةً وخمسين يومًا في مقرّ وزارة الثقافة بشارع "شجرّ الدُّر". ذاك الاعتصامُ الحُرُّ الذي انتهى بثورة 30 يونيو المجيدة التي أطاحت بالإخوان وأسقطت أزلامَهم عن عرش مصر الشريف. لا مصريٌّ سينسى ذلك، مثلما لن ينساه التاريخ.
وأما حبيبتي: "دولة الأوبرا" التي تألقت في عهد الوزيرة، فكُلّي ثقةٌ أنها سوف تزداد ألقًا في عهد رئيسها الجديد د. مجدي صابر. لأن مايسترو الباليه الذي يقودُ آلاف العظام والعضلات وأربطة الجسد البشري، حتى يخلق لوحةً حيّةً من الرشاقة والتحليق، يعرفُ جيّدًا كيف يقودُ منارةَ الجمال العظيمة: دولة الأوبرا. ولأن مَن طوّعَ صوتَ "دعاء الكروان" في لوحة باليه، يعرف جيدًا كيف يجعل أبواقَ الأوبرا تصدحُ في سماء مصر. وأرجو أن نشهد في عهده افتتاح دار الأوبرا في الأقصر البهيّة، تلك التي أُعلن عن تشدينها عام 2016، في العام الثقافي المصري-الصيني، لتصبح في مصر مناراتٌ أربعُ، خطوةً في طريق "دارُ أوبرا بكل محافظة مصرية”. آمين.