أدباء ورهبان 3

دلور ميقري
2018 / 1 / 20

أحمد شوقي ( 1868 ـ 1932 )، المتوّج أميراً للشعراء، سُيحتفل هذا العام بالذكرى 150 لميلاده. وكما يُقال، جمع شوقي المجدَ من أطرافه حياً وميتاً. حياته الحافلة، كانت متخمة بالأحداث الجسام؛ هوَ من عاصرَ ثلاث أحقاب في مصر بدءاً بالعهد الخديوي مروراً بالسلطاني وانتهاءً بالملكي. كذلك، فإنه كان قد أنتقل من مادحٍ لأولياء الأمر أولئك إلى معبّر عن آلام الشعب وصوتٍ يصدحُ بآمالهم.
جديرة بالإنتباه حياة أحمد شوقي، القصيرة نوعاً، وكان قد أمضاها لصيقاً بالخاصّة من أهل السياسة والأدب والفن ومسافراً بين البلدان متغنياً بالجمال والطبيعة. عزوبيته، في المقابل، لم تكن على علاقة بتنسّكه في محراب الإبداع وإنما نمّت عن ميل شديد إلى الحرية. فلم يكن بلا مغزى، أن ينعت شوقي مقر إقامته ب " كرمة ابن هانئ " وذلك تيمناً باسم الشاعر الماجن أبي نواس. الجانب الآخر من شخصية شوقي، تميزت بعلاقته الوثيقة بأهل الفن من موسيقيين ومطربين وممثلين. حتى ليجوز القول، أنه كان ظاهرة فريدة بين الشعراء في عصرنا الحديث. فإنه لم يمنح أشعاره للمطربين حّسْب، بل وأيضاً نظم في مدحهم القصائد. من أولئك المطربين، نذكر عبده الحمولي وصالح عبد الحي وسلامة حجازي وسيد درويش وأم كلثوم. أما محمد عبد الوهاب، فقد كان مقرباً من شوقي منذ فتوته، حيث شجعه وأسهم بتنمية ثقافته ثم جابَ معه بعض البلدان الأوروبية.
ولد أحمد شوقي في القاهرة لأسرة أرستقراطية، من والد كرديّ الأصل وأم شركسية. جده لأبيه، كان قد ترك كردستان ورافق جد العلامة أحمد تيمور باشا إلى مصر، ليصبحا من قادة جيش محمد علي باشا. جدته لأمه، اليونانية، كانت وصيفة في قصر الخديوي مما مكن حفيدها الموهوب لاحقاً من الإلتحاق بحاشية البلاط موظفاً ومن ثم شاعراً. إذ ظهر نبوغ أحمد شوقي مذ أعوام حداثته، سواءً بالانكباب على قراءة فحول الشعر العربي أو النهل من معين اللغة الفرنسية وآدابها. الخديوي توفيق، أهتم شخصياً بالفتى الموهوب وما لبث أن أرسله إلى باريس لدراسة الحقوق؛ وهو الإختصاص المفضي في ذلك الزمن لتبوأ مناصب بارزة في الدولة. إلا أنه لدى عودته لمصر وبدء حياته العملية، أصطدم بالإدارة الإنكليزية المحتلة. وقد كان للشعر دورٌ في ذلك الصدام، كون قصائد شوقي الممتدحة لعدو الإنكليز، الخديوي عباس، صارت تتردد على ألسنة الناس. هكذا نفي الشاعر إلى اسبانيا، فقضى فيها نحو خمس سنوات باحثاً خلالها عن آثار المسلمين ومتغنياً بمآثرهم. عاد شوقي إلى مسقط رأسه عام 1920، فلم تمض سنوات سبع أخرى إلا وكان قد حظيَ بإجماع الأدباء بوصفه " أمير الشعراء ". لم يكن إعتباطاً، حصولَ شاعرنا على هذا التكريم في أواخر سني عمره. إن شعره، المفعم بالجزالة والبلاغة والصور الرائعة، أسهم في نقل القصيدة العربية من حالة إنحطاط عاشتها طوال قرون عديدة إلى حالة المعاصرة والحداثة. يقال في هذا الشأن، أن مجمل عدد أبيات قصائد أحمد شوقي ليعادل عدد أبيات الملحمة الخالدة " الألياذة " للإغريقي هوميروس. كذلك يعتبر شوقي مبتدعاً لفن الرواية الشعرية، بما قدمه من مسرحيات وخصوصاً في المرحلة المختتمة فيها حياته.