ثنائية الحب والجنون (رزاق وعالم مخبول) ح11

عباس علي العلي
2018 / 1 / 19

بعد شهر من العلاج المتنوع لم يعد ذلك الشاب الذي يصول ويجول في المدينة من غير وعي ولا عقل، يتحسن في وضعه العام تدريجيا لكنه ما زال غير قادر على تذكر تلك الساعات الأولى التي أدت لفقدانه القدرة على التركيز والمتابعة، منحه الطبيب النفسي المعالج أجازة لمدة شهر من الجلسات الأستكشافية والعلاجية، وطلب من عمته رضية محاولة السفر إلى أي مكان أخر لتغيير الجو الضاغط عليه، ومحاولة تجنب المستشعرات المكانية التي تذكره باللحظة الحرجة، تفاعلت السيدة رضية مع طلب الدكتور وقررت أن تذهب به إلى مدينة الكاظمية كما أخبرت الطبيب، الذي أقترح بدل ذلك أن تكون بغداد أو الحلة لأنفتاحها وتوفر الجو الملائم له، صار القرار أن تكون الحلة هي المدينة التي ستكون نقطة أنطلاقه للعوده إلى الذات.
كان على رضية أن ترتب أمور كثيرة قبل السفر منها أن تحسم أمر وجود مريم من عدمه في كربلاء، وأن تتأكد من أي معلومات أخرى قد حصل عليها الحاج فاضل من خلال المحلة، بالفعل ذهبت له ووجدت أن ما في جعبته من معلومات لا يتعدى ما حصلت عليه هي، هناك تفاصيل مختلفة ولكنها أجمعت على أن الشيخ له اليد الأساس فيما حصل، كما أن بعض الشباب من أصدقاء رزاق وأقرانه أكدوا على وجود علاقة ما بينه وبين مريم قد تصل حد العلاقة الغرامية مع فارق السن، هنا تنبهت رضية لأشياء كانت تفسرها بحسب طيبة قلبها، فقد رأتها مرة تقبل رزاق على خديه وعندما سألتها قالت أن قلبها يرف عليه كأنه أبنها الذي لم تلده.
الشيء الوحيد الذي لم يجدوا له جوابا هو لماذا لم يعود الشيخ إلى زيارة الحارة أو يرد على هاتف الحاج فاضل، بالرغم من أنه الآن صار صاحب ومالكا للبيت الجديد، وأن أوراق العقار الجديدة والتي سجلت باسمه ما زال يحتفظ بها بعد أن سلمها المحامي له حسب الأتفاق، سألته إن كان يحتفظ برقم المحامي للأتصال به عما إذا كان ما زال على تواصل مع الشيخ، حاول أن يكلمة فرد فورا عليهم وأعلمهم أن الشيخ قد حضر لديه أكثر من مرة وأستلم نسخ أخرى عن طريق دائرة التسجيل العقاري، ولم يعد بحاجة للأوراق التي مع أبو عباس بأعتباره مالكا للعقار.
أستغلت رضي هذه المكالمة لضرب موعد معه وأنها ستزوره اليوم بأعتباره ما زال وكيلها الرسمي، ولديه وكالة عامة مطلقه عنها للأستفسار عن بعض القضايا، فرحب بها وأنه متواجد الآن في المحكمة إذا أحبت أن تحضر، أوصى أبو عباس المحامي بأعتباره من أقاربه وبينهم صلات رحم، أن لا يتوانى في تقديم المساعدة لرضية كونها تخصه أيضا وأنه يعتبر نفسه بمثابة وليها، فهي بحاجة لكل مساعدة ممكنة، ذهبت مسرعة حيث ينتظرها وشرحت له قضية رزاق وهل بالإمكان أن يفعل شيئا في سبيل كشف الحقيقية، سجل بعض الملاحظات في دفتره اليومي وطلب منها أن تحضر تقريرا طبيا من الطبيب المعالج يشرح فيه ملخص الحالة والأسباب المحتملة للحالة.
كان عليها أن ترجع مرة أخيره للطبيب وتطلب منه ما أراد المحامي منها فوعدها الطبيب خيرا، وأرجأ الأمر إلى الغد حتى يتهيأ لكتابة التقرير وأعداده جيدا، حسب القانون كان عليه أن يكون قد أعد التقرير وهو معنونا إلى الجهة التي أمرت بعلاجه، وهي محكمة التحقيق وعن طريق مركز الشرطة الذي أحاله بموجب قرار القاضي المختص، في الصباح التالي وجدت كافة الأوراق مهيأ وفيها شرحا وافيا يشير إلى أن ما تعرض له رزاق كان عملا شخصيا من فاعل لم يتم التعرف عليه، وأن المريض بحاجة إلى علاج مستمر حتى يمكن أعداد تقرير نهائي، أخذت التقرير وبدلا أن تذهب به إلى ضابط التحقيق المسؤول ليتسلمه، كانت نسخة أخرى بيد المحامي الذي أخبرها أنه يمكنه الآن السير بالدعوى الجزائية بعد أطلاع القاضي وقراره.
لقد وضعت رضيه رجلها على أول الطريق الذي سيصل بها حيث الحقيقة والتي تبدو بكل تفاصييلها على وشك الظهور، لكنها أجلت الموضوع في الوقت الحاضر حتى تعود في مرة أخرى بعد أن ترتب أمر أنتقالها للحلة وتستقر في مكان يؤمن لها ولرزاق أن تمضي الشهر بعيدا عن جو المدينة وما يشكله من ضغط نفسي عليه.
قضت رضية رزاق حوالي خمسة أيام عند عائلة تقربهم جدا وفي وسط مدينة الحلة، ومن حسن الحظ أن أغلب أفراد العائلة هم شباب بعمر رزاق أو أكبر قليلا أو أصغر، أندمج رزاق معهم وهو يرى أنهم لطيفين معه ويخرج معهم للعمل صباحا، ومساء يخرجون للتنزه أو التجوال في أسواق المدينة، فبدأ وكأنه يعيش في عالم أخر حتى أنه لم يلتزم بمواعيد الدواء كثيرا، والتي حرصت رضية أن يكون منتظما ومستمرا، ومع ذلك كانت مسرورة أنه بدأ يطلب منها مبلغا من المال ليشتري له ملابس جديدة، أو ينفق منها ليكون مشاركا في لهو أصدقائه الجدد.
بعد أن ناولته الدواء وقرر أن يذهب مع الشباب إلى عملهم مطمئنة أنه سيكون بخير، ذهبت دون أن تعلمه إلى كربلاء للألتقاء بالمحامي ومن ثم التوجه إلى مركز الشرطة لأكمال أجراءات التحقيق بعد أن أتصلت بالمحامي في الليلة السابقة، هكذا وجدت نفسها الآن مشتكية في الدعوى الجزائية أمام قاضي التحقيق، الذي أطلع على التقرير الطبي وطلب تدوين أقوالها أصوليا بأعتبارها الولية القانونية على فاقد الأهلية، لحين سماح الطبيب بتدوين أقواله شخصبا، عادت للحلة وفي بالها الكثير من الأمور التي يجب ترتيبها قبل موعد تدوين الأقوال وتحت أشراف المحامي، الذي وعدها أن يحضر معها وتحت أشرافه ستدلي بأقوالها أمام المحقق والقاضي.
كانت مشكلتها الأساس بمفتاح القضية الأساس أم حسن التي تملك شهادة عيانية على الحادث فهي الوحيدة التي رأت كيف يخرج الشيخ رزاق من داره وهو مغمى عليه ويتركه في باب أهله، لقد وعدتها أن يكون الأمر سرا بينهما، وحتى لم تذكر لأبي عباس ما أخبرته به، كان عليها أن تصارحها بأن حياة رزاق ومستقبله مرهون بها، وأنها ستتحمل عاقبة عدم الأدلاء بشهادتها لله أولا أمام الجهات المختصة، كما أن بعض الشهود من أصدقاء رزاق القدامي الذين لديهم شهادات ظرفية عن علاقة رزاق بمريم لا يمكنها تقدير الجدية في حضورهم كشهود على الحالة.
هنا قررت أن تذهب مرة أخرى لأم حسن في محاولة جديدة لأقناعها بضرورة أن تدلي بشهادتها، أحتراما للعلاقة القديمة بينهما وأنهما جيران بينهم كل وشائج الخير، وأن هذا الأمر لو ترك سيكون وبالا عليهم لا سيما وأن الشيخ لا يمتلك أدنى إنسانية، وقد يفعلها بغيره، أبو عباس بعد أن تأكد من جحود الشيخ عناد وما جرى كان أكثر المتحمسين لتحريك الشكوى ضده، على الأقل لقطع الشك باليقين خاصة وأن المتضرر يتيم وشاب لا يمكن أن تمر قضيته بدون جزاء، أخبرته بما قالت أم حست وطلبت أن يكون الأمر سريا بينهم الآن لحين مقابلة أم حسن وأقناعها بذلك.
ما زال رزاق يتحسن في معالجته وأصبح أكثر وديه معها ومع أصدقائه، كما أحب العمل معهم ويشاركهم في إلحاح على أن يتعلم ما يفعلونه، لكنه أيضا ما زال يعاني من نوبات شرود ذهني وأحيانا تصيبه نوبات من العصبية اللا مبررة، ولكنه يهدأ ويعود لحالته الطبيعية بعد فترة، ذهبت لتخبر الطبيب بذلك بعد مرور فترة أسبوعين وتشرح له ما يقلقها أحيانا، فهو يتمرد في أوقات معينة عن أخذ الدواء ولكنه يعود بعد ذلك ليطلبه، كان رأي الطبيب أن الأمر عادي جدا ومتوقع وأنه لم يكن يتوقع كل هذا التقدم وبهذه السرعة مع حالته المتقدمة نسبيا، أفرحها كلام الطبيب وأدخل الكثير من الثقة في نفسها أنها ستنجح وأنه سيكون بإمكانه أن يدلي بكل ما جرى.
ذهبت مباشرة للمحامي الذي أعلمها بضرورة تدوين أقوالها أمام القاضي والمحقق وأمر أم حسن يمكن معالجته بطريق أو أخر، وأن أبو عباس حسب ما أخبره مستعد تماما للأدلاء بشهادته إذا طلب القاضي ذلك منه، كان هناك أيضا أمر مهم أن يتم ذلك بسرعة كي لا يعلم الشيخ بما يجري وقد يتدخل بصورة أو أخرى لبعثرة جهودهم أو تشتيت مسار القضية، فهو كما علم من قريبه أبو عباس شخص غير هين ولديه علاقات قوية يمكن أن يستغلها في جر التحقيق إلى زاوية ميته، قد يخسرون بها كل جهودهم التي بذلوها، هكذا تم الأتفاق مع ضابط التحقيق أن يتم تدوين أقوال رضية غدا والبدء بالتحقيق الفعلي مع كل من له علاقة بالموضوع.
تم ترتيب الأفكار وحسب تسلسل الوقائع وأولها أستخراج البلاغ بخصوص فقدان رزاق، والذي سجل سابقا في نفس مركز الشرطة ليكون أحد الأدلة التي يمكن أن تعزز التحقيق، وكذلك عليها أن تستكشف رأي أم حسن خاصة بعد أن علم أبو عباس بالموضوع وأن يتم ذلك بمعرفته، ذهبت رضية لبيت الجارة وأعلمتها أن رزاق الآن يتعالج وأنه حالته الصحية لا بأس بها، وأنها قدمت الشكوى أمام الشرطة ووتتأمل منها المساعدة دعما لموقفها ووقفتها معا.
ترددت أم حسن في أول الأمر وطلبت من رضية الأنتظار لحين عودة أبو حسن وتطلب هي منه عله أن يوافق على ذلك، لم يستغرق الوقت طويلا حتى عاد الرجل ورحب بجارته وسألها عن مصير أبن أخيها الذي لم يعد يراه كما السابق، أخبرته بالتفاصيل وطلبت منه أن يساعدها في أمر شهادة زوجته بما رأت إحقاقا للحق، قبل بعد تردد وخوف لكنه وعدها أخيرا أن يصطحب معه زوجته متى ما كان الأمر رسميا وبالقانون.
لم يعد هناك عائق يمكن أن يحبط أمالها وخرجت من بيت أم حسن سعيدة وتوجه إلى أبو عباس الذي أخبرها بمفاجأة أخرى، أن الرجل صاحب الستوتة التي نقلت أغراض الشيخ في صباح ذلك اليوم، هو أيضا رأي أن الشيخ كان يجر شخصا ما من داره بعد أن نقل الأغراض منها، لكنه لا يعرف بالتحديد من هو، لكنه مستعد للشهادة على ذلك وأنه أيضا يمكنه الأستدلال على مكان الشيخ الجديد.
كانت حزمة من الدوافع التي منحت رضية القوة والقدرة على متابعة الأمر وطلبت من أبو عباس أن يدلها سائق الستوته أو على المكان، فوعدها خيرا حين يلتقيه مرة أخرى فهو كثيرا ما يتردد على المحلة، ويمكنه أن يتصل بها هاتفيا ليخبرها بالموعد، خرجت رضية من دار ابو عباس وهي واثقة أن الله كان معها وأنها ستستوفي حقها من الشيخ الذي حول حياتهم إلى جحيم بدون سبب، الآن يمكنها أن تضع الشيخ في المكان الذي يستحق وهي غير ظالمة له، فمن يشعر بالظلم لا بد أن لا يضع الأخرين في نفس الموقع بدون دليل أو برهان.
هكذا تم كل شيء وأصبح الأمر مهيأ وضروريا حسب قول السيد المحامي في أن يمضي التحقيق بأدلة كافية ليحسم القضية بأتجاه تحميل الجاني المسؤولية كاملة، ما ينقص فقط أن يتم تدوين الأقوال كاملة لرضية وأنتظار قرار قاضي التحقيق بأستقدام الشهود ودعوتهم للأدلاء بما لديهم، كان الموعد المتفق عليه يوم الأحد القادم صباحا وأن لا تنسى المشتكية أية تفاصيل مهمة حتى لو كانت بنظرها أقوال ليس لها قيمة، فهذه مهمة التحقيق وهم أعرف كيف يوظفون أي معلومة تقودهم إلى دليل وحجة بالبراءة أو الأدانة، المهم أن يكون الكلام مركزا ودقيقا وله علاقة بما حدث.