صدام والفخ الامريكي، غزو الكويت وحرب الخليج الثانية/ الحلقة الاولى

حامد الحمداني
2018 / 1 / 19

صدام والفخ الأمريكي
غزو الكويت وحرب الخليج الثانية
الحلقة الأولى
حامد الحمداني 19/01/2018
المقدمة
منذُ أن قام صدام حسين بدوره المعروف في الانقلاب الذي دبره ضد شريك البعثيين في انقلاب 17 تموز 1968 [عبد الرزاق النايف] بدأ نجمه يتصاعد، حيث أصبح نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة، وبدأ يمارس السلطة كما لو أنه الرئيس الفعلي للبلاد، على الرغم وجود الرئيس أحمد حسن البكر على قمة السلطة، وأخذ دوره في حكم البلاد يكبر ويتوسع يوماً بعد يوم، وخاصة سيطرته على الحزب والأجهزة الأمنية، والمكتب العسكري، وبدا وكأن صدام يخطط لاستلام القيادة من البكر بحجة كبر سنه ومرضه.
وعندما حلت الذكرى الحادية عشر للانقلاب البعثي في 17 تموز 1979، فوجئ الشعب العراقي بإعلان استقالة الرئيس البكر في 16 تموز 1979، وتولي صدام حسين قيادة الحزب والدولة، حيث أعلن نفسه رئيساً للجمهورية، ورئيساً لمجلس قيادة الثورة، وقائداً عاماً للقوات المسلحة.
أما لماذا وكيف تم هذا الانتقال للسلطة من البكر إلى صدام حسين فلم يكتب عن ذلك الحدث لحد الآن إلا القليل، إلا أن المتتبع لتطورات الأوضاع السياسية في البلاد، وما أعقبتها من أحداث خطيرة يستطيع أن يتوصل إلى بعض الخيوط التي حيك بها الانقلاب، ومن كان يقف وراءه!!.
أن هناك العديد من الدلائل التي تشير إلى أن ذلك الانقلاب كان قد جرى الإعداد له في دوائر المخابرات المركزية الأمريكية، وأن الانقلاب كان يهدف بالأساس إلى جملة أهداف تصب كلها في خدمة المصالح الإستراتيجية الأمريكية، وكان في مقدمتها إفشال التقارب الذي حصل بين سوريا والعراق، ومنع قيام أي شكل من أشكال الوحدة بينهما، وتخريب الجهود التي بُذلت في أواخر أيام حكم البكر لتحقيق وتطبيق ميثاق العمل القومي الذي تم عقده بين سوريا والعراق، حيث أثار ذلك الحدث قلقاً كبيراً لدى حكام الولايات المتحدة وإسرائيل تحسبا لما يشكله من خطورة على أمن إسرائيل.
كما استهدف احتواء الثورة الإسلامية في إيران، لاسيما وأن قادة النظام الإيراني الجديد بدءوا يتطلعون إلى تصدير ونشر مفاهيم الثورة الإسلامية في الدول المجاورة، مما اعتبرته الولايات المتحدة تهديداً لمصالحها في منطقة الخليج، ووجدت أن خير سبيل للتصدي لهذا الخطر هو إشعال الحرب بين العراق وإيران، وأشغال البلدين في حرب سعت إلى جعلها تمتد أطول فترة ممكنة، والتصدي للتطلعات الإيرانية الهادفة إلى نشر الثورة الإسلامية في المنطقة.
كما استهدفت الحد من تطلعات صدام حسين لأن يصبح شرطي الخليج، ومحاولة تزعم العالم العربي التي طغت على تفكيره، وكان صدام قد وجد في الدور الذي أوكل له خير سبيلٍ إلى تحقيق طموحاته.
وجاءت الزيارة قام بها مساعد وزير الخارجية الأمريكي لبغداد، حيث أجرى محادثات مطولة مع الرئيس احمد حسن البكر حول قلق الإدارة الأمريكية من مشروع الوحدة بين سوريا والعراق من جهة، وحول أخطار توسع وانتشار الثورة الإسلامية في المنطقة من جهة أخرى، وضرورة التصدي لها، وشوهد الموفد الأمريكي يخرج بعد الاجتماع متجهم الوجه، وقد بدا عليه عدم الارتياح، ثم أنتقل إلى مكتب صدام حسين، وأجرى معه محادثات أخرى، خرج بعدها وعلامات السرور بادية على وجهه، وقد علته ابتسامة عريضة.
لقد بقي ما دار في الاجتماعين سراً من الأسرار، إلا أن التكهنات والأحاديث التي كانت تدور حول الاجتماعين تشير إلى أن النقاش دار حول نقطتين أساسيتين، النقطة الأولى دارت حول تطور العلاقات بين العراق وسوريا، وتأثير هذه العلاقات على مجمل الأوضاع في المنطقة، وبشكل خاص على إسرائيل.
أما النقطة الثانية فقد دارت حول الأوضاع في إيران، بعد سقوط نظام الشاه، واستلام التيار الديني بزعامة [الخميني] السلطة، والأخطار التي يمثلها النظام الجديد على الأوضاع في منطقة الخليج ، وضرورة التصدي لتلك الأخطار، وقيل أن الموفد الأمريكي سعى لتحريض حكام العراق على القيام بعمل ما ضد النظام الجديد في إيران، بما في ذلك التدخل العسكري، وأن صدام حسين قد أبدى كل الاستعداد للقيام بالدور المتمثل بتخريب العلاقات مع سوريا من جهة، وشن الحرب ضد إيران من جهة أخرى.
وهذا ما أكدته الوقائع على الأرض، فلم تمضِ غير فترة زمنية قصيرة حتى جرى إجبار الرئيس البكر، بقوة السلاح، من قبل صدام حسين وأعوانه، على تقديم استقالته من كافة مناصبه، وإعلان تولي صدام حسين كامل السلطات في البلاد، متخطياً الحزب وقيادته، ومجلس قيادة الثورة المفروض قيامهما بانتخاب رئيس للبلاد في حالة خلو منصب الرئاسة.
أحكم صدام حسين سلطته المطلقة على مقدرات العراق، بعد تصفية كل المعارضين لحكمه ابتداءً من أعضاء قيادة حزبه الذين صفاهم جسدياً بأسلوب بشع، بتهمة التآمر مع النظام في سوريا ضده، وتصفيه كل القوى السياسية الأخرى المتواجدة على الساحة، ليغدو الدكتاتور الأوحد ويحكم البلاد بالحديد والنار.
وما أن استتب له الأمر حتى زج البلاد في حربٍ مع إيران ظنها نزهة قد تمتد لأيام أو أسابيع، ولكنها كانت حرب طاحنة استمرت ثمان سنوات ذهب ضحيتها ما يزيد على النصف مليون من أبناء العراق، إضافة إلى مئات الألوف من الجرحى والمعوقين، ومثلها من الأرامل واليتامى، وهدر مواردنا الاقتصادية على تلك الحرب، ولشراء الأسلحة وبناء المصانع الحربية المختلفة، من صواريخ وأسلحة كيماوية، وجرثومية وحتى الذرية.
خرج العراق من حربه مع إيران، بوضع اقتصادي لا يحسد عليه، فقد أستنفذ نظام صدام كل احتياطيات البلاد من العملة النادرة، والذهب البالغة [36 مليار دولار]، وكل موارده النفطية خلال سنوات الحرب، والتي كانت تقدر بـ 25 مليار دولار سنوياً، وفوق كل ذلك خرج العراق بديون كبيرة جداً للكويت، والسعودية، وفرنسا، والاتحاد السوفيتي السابق، والبرازيل، والعديد من الدول الأخرى، وقد جاوزت الديون [90 ملياراً من الدولارات]، وصار العراق ملزماً بدفع فوائد باهظة لقسم من ديونه بلغت حدود 30 % ، مما جعل تلك الفوائد تتجاوز 7مليارات دولار سنوياً.
هذا بالإضافة إلى ما تطالب به إيران من تعويضات الحرب، بعد أن أقرت لجنة خاصة تابعة للأمم المتحدة بأن العراق هو المعتدي في تلك الحرب، وتطالب إيران من العراق مبلغ [160 مليار دولار] كتعويضات حرب.
لقد أصبح العراق بعد حربه مع إيران يمتلك القوة، ولكنه في الوقت نفسه يعاني من اقتصاد متدهور، وديون تثقل كاهله، وجواره بلدان عربية ضعيفة عسكرياً، ولكنها غنية جداً، تغري ثرواتها أصحاب القوة، وخاصة بالنسبة إلى بلد مثل العراق، الذي يحكمه نظام دكتاتوري يقوده رجل كصدام حسين.
ولاشك أن تلك الظروف الاقتصادية الصعبة، التي خلقها النظام العراقي نتيجة تهوره، واندفاعه لتنفيذ المخططات الإمبريالية، بشنه الحرب ضد إيران، والتي ظنها نزهة قد تدوم بضعة أسابيع، أو بضعة أشهر على أبعد الاحتمالات، وأراد لها مخططوها أن تدوم سنوات طوال، وبقوا يغذونها باستمرار، فكانوا تارة يقدمون المساعدات للعراق، وتارة أخرى يقدمونها لإيران كي تُنهك الحرب كلا البلدين.
حاول صدام حسين أن يعوض عن خسائره في تلك الحرب بمهاجمة الكويت والاستحواذ على نفطها، وسهلت له الإدارة الأمريكية الأمور لكي تدفعه إلى الفخ الذي نصبته للعراق بغية تهديم بنيته الاقتصادية والعسكرية، والاستحواذ على نفط الخليج بشكل مطلق، وإقامة القواعد العسكرية الدائمة في المنطقة. وهكذا أقدم صدام حسين على غزو الكويت، وعمل فيها تخريباً، وتدميراً، ونهباً وسلباً، مدعياً بإعادة [الفرع إلى الأصل] .
وبذلك تحقق للإمبرياليين ما أرادوا، ودخل صدام الفخ الذي نصبه له الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب، وسارع الإمبرياليون إلى إرسال جيوش 32 دولة على رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا إلى المنطقة ليشنوا حرباً لم يشهد لها التاريخ مثيلاً من قبل ضد دولة صغيرة من دول العالم الثالث كالعراق، والذي خرج لتواه منهكاً من حربه بالنيابة عن الولايات المتحدة ضد إيران وهو مثخنٌ بالجراح.
وكان الإمبرياليون وهم يعدون العدة للحرب مع العراق وكأنهم سيخوضون حرباً عالمية ثالثة، لضخامة حجم القوات العسكرية التي استقدمت إلى السعودية وقواعدهم في دول الخليج، والعديد من حاملات الطائرات والصواريخ البعيدة المدى، وألوف الطائرات الحربية، وأحدث ما أنتجته المصانع الحربية الغربية من مختلف أنواع الأسلحة والعتاد ذات الدمار الشامل بغية إيقاع أقصى ما يمكن من الخراب والدمار في البنية التحية العراقية العسكرية والمدنية.
فقد هاجمت طائراتهم مدن العراق كافة وطرق مواصلاته، وجميع مرافقه الاقتصادية دون استثناء لمدة 45 يوماً بمعدل 2000 غارة جوية في اليوم الواحد، وألقت خلالها الطائرات مئات الألوف من القنابل والصواريخ، ومستخدمين أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا الحربية الأمريكية، بما في ذلك اليورانيوم المستنفذ، الذي سبب كارثة بيئية رهيبة لا أحد يعرف مداها.
ثم بادروا بالهجوم البري مخترقين حدود العراق، حيث تقدمت تلك الجيوش من الأراضي السعودية نحو جنوب العراق بغية محاصرة الجيش العراقي، وقطع طرق مواصلاته لجيشه في الكويت، وتقدمت تلك القوت في هجومها السريع حتى مدينة [الناصرية]، وطائراتهم تلاحق الجنود العراقيين المنسحبين من الكويت بوابل من القذائف والأسلحة الرشاشة بغية إبادة اكبر عدد منهم.
واستسلم صدام حسين لشروط الإمبرياليين دون قيد أو شرط، سوى بقائه على سدة الحكم، وتوقفت تلك الحرب، لتبدأ انتفاضة الشعب في الأول آذار 1991، تلك الانتفاضة التي امتد لهيبها ليشمل 14 محافظة من مجموع 18 محافظة.
كاد نظام صدام يتهاوى لولا وقوف الولايات المتحدة إلى جانبه، وضد الشعب، بعد أن وجدت الإدارة الأمريكية أن السيد محمد باقر الحكيم، زعيم منظمة بدر المدعوم من حكام طهران قد سيطر على الانتفاضة، وتيقنوا أن العراق سوف يقع فريسة بيد النظام الإيراني، حيث فتحوا الطريق لقوات صدام المحاصرة جنوب الناصرية لعبور دباباتها ومدفعيتها وصواريخها، وطائراتها لمحاصرة المدن العراقية وضربها وإغراقها بالدم، وهكذا تمّ للإمبرياليين وصدامهم سحق انتفاضة الشعب وذهب ضحيتها مئات الألوف من أبناء الشعب.
وبادرت الإمبريالية الأمريكية بتدمير أسلحة العراق ذات الدمار الشامل، والتي صرف عليها صدام مئات المليارات الدولارات من ثروات الشعب، وشدد الإمبرياليون الحصار على شعب العراق، دون صدام، في حين كان الشعب، وبعد أكثر من ثلاثة عشر سنة من الحصار، يقاسي أهوال الجوع والأمراض والفقر المدقع، في بلد من أغنى بلدان العالم.
وفي نهاية المطاف قرر الرئيس الأمريكي [ جورج بوش- الابن] إكمال المهمة التي بدأها أبوه عام 1991، والتخلص بشكل نهائي من نظام صدام حسين، بشن الحرب على العراق وإسقاط النظام في التاسع من نيسان 2003، وما جرته تلك الحرب على العراق وشعبه من ويلات ومآسي ، وخراب ودمار وصراع طائفي وحرب أهلية حصدت على أرواح ما يزيد على 867 ألف مواطن حسبما أوردته الإحصاءات الأخير، وتهديم البنية الاجتماعية، مما لا يمكن معالجته وإصلاحه قبل عدة عقود.
ملاحظة: يقع الكتاب في 305 صفحات من القطع الكبير صدر عن دار المحروسة للطباعة والنشر والتوزيع بالقاهرة في 25/1/2011