خمارة دليلة والزئبق -7-

علي دريوسي
2018 / 1 / 19

بعد اليوم الأول صرت أذهب لوحدي إلى الورشة، أنتظر المعلم وفيق أمام مدخل البناية. كان يتأخر قليلاً عن الموعد، يأتي ضاحكاً، يخبرني مثلاً أنَّه لم يستطع النوم قبل الساعة الرابعة صباحاً، ويضيف قائلاً: في العادة أشرب كي أتمكن من النوم، لكن في الآونة الأخيرة تفاقمت مشاكلي مع أم البنات، تراها قلقة الوقت كله، تفتعل معي المشكلة تلو الأخرى، تنتقدني لأتفه الأسباب، تلعنني وتسب أهلي والحكومة. ثم تكرج ضحكته، يشعل سيجارته ورائحة البراندي ما زالت تفوح من جوفه، ويتابع حكايته: أحياناً لا أتحملها، أصفعها أشد شعرها ورأسها إليه كي تسعدني.

يضحك ثانية ويهتز شاربه الأشقر، تلمع زرقة عينيه، يقول: لا شروط على الحب، لا يمكن تأطيره، لا يمكن شرحه بالكلمات بل باللكمات، أقسم لك أنها عضته ليلة أمس، أوجعتني اللئيمة، هربتْ وأقفلتْ باب غرفة النوم عليها، أما أنا فقد نمت في الصالون أمام التلفاز وبلباس العمل. حبيبي أحمد، لكي تَحظَى مؤقتاً بإعجابِ المرأة عليك أنْ تعطيها دون اِنقطاع، أنْ تَتَوَجَّع لِمَآسِيها، أنْ تندب حظك أمامها باستمرار، أنْ لا تتحدّث معها عن نجاحاتك وطموحاتك وأموالك، عليك أنْ تُشعرها بإنّك دائماً في وَرْطَةٍ كبيرةٍ وخاصةً على الصعيدين المهني والاِجتماعي. الشيء ذاته ينطبق على علاقتك مع جارك أو صديقك أو زميلك. ومهما حاولتَ أن تقرع الأجراس كي تغيّر شيئاً في الكون المحيط بك، لن تسمع إلا الصدى، لأننا ببساطة ما زلنا نَغطّ بنومة أصحاب الكَهْف!

فجأةً تتغير ملامح وجهه ليصير كفيلسوفٍ زورباويّ علّمته مدرسة الحياة والعمل لا مدرسة الكتب والإدارة والكلام الفارغ، ويسترسل: أقسم لك يا أحمد، لم أعد أهتم لما يحدث معي أو حولي، لم تعد لدي الأسباب الكافية للعيش، أشعر بأنَّ الله سيستعيد أمانته الذي وضعها عندي قريباً ولست حزيناً. في الخامسة عشر من العمر وما أن يدرَكه سِنّ البُلُوغ يبدأ الشرقي في بلداننا بالغناء لمحاربة الطُغَاة ودحر الدكتاتوريات. في الخامسة والعشرين يبدأ حلمه بالهجرة من الوطن. في الخامسة والثلاثين يحلم بتغيير المدينة التي يسكنها. في الخامسة والأربعين لا يحلم إلا بتغيير العائلة التي يعيش معها. في الخامسة والخمسين يحلم فقط بتغيير شريك حياته. في الخامسة والستين، متأخراً بعض الشيء وقد آذنت شَّمسُ العمر بالأُفُول لا يحلم الواحد منا في هذه البلدان اللعينة إلا بتغيير سرواله الداخلي قبل أن يذهب إلى النوم.
*****

مع الأيام أعجبتني حكاياته التي لا تنتهي وكذلك انفتاحه على الناس وصراحته معي، الشيء الذي أشعرني بأني قد صرت صديقه المُقرَّب. قلت له ذات يومٍ: زوجتك جميلة وطيبة ينبغي ألا تضربها في المستقبل. يومئذٍ بدا عليه التأثر، اِغرورقت عيناه بالدمع، لم أُصدّق عينيّ حين أبصرت قطرة دمع كبيرة وهي تهطل من عينيه ليتندى بها شاربه، أخرج علبة معدنية فضية من سترته ورشف منها وقال بانكسارِ: أعتبرك بمثابة أخي الأصغر، سأعترف لك بسرٍ، لكن أرجو أن يبقى بيننا. هل تعلم أنني لم أمارس الجنس معها منذ خمس سنوات، تماماً بعد أن أنجبت إبنتنا الثالثة.

سألته بدهشةِ طفلٍ وفضول مراهقٍ مُثَقَّف: ما الذي يمنعك ألم تعد تحبها!؟ الإنسان كائن مُضَلَّع يا معلم وفيق، لكل اِمرأة زواياها الحادة والقائمة والمنفرجة، لكل اِمرأة...
وقبل ان أُكمل جملتي أجابني ضاحكاً: بالتأكيد ما زلت أحبها، رغم أضلاعها وخطوطها المنحنية والحلزونية والمتعرجة، هي قبل كل شيء أم بناتي. هل هذا ما تتعلمونه في كلية الهندسة؟ ليس هناك أسوأ من دراسة هندسة الميكانيك والكهرباء في بلدان لا علاقة لها بالتطوير والتصنيع!

اِبتسمت بخجلٍ وقلت: معك حق بما قلته عن الدراسة، لكن أرجو أن تكمل حديثك وتخبرني أين تكمن مشكلتك مع زوجتك؟

أجابني: بسبب الطب المتقدّم في بلدنا والاهتمام الفظيع صار رحمها خارج شقها، هل فهمت الآن؟ هل فهمت لماذا أشرب أيضاً؟ من لا يتسرب ماء المطر من سطح بيته لا يعوّل عليه لأنَّه ببساطة لا يحس بمشاكل الآخرين.

ولأنني كنت تلك الأيام قد قرأت بعضاً من مذكرات المؤرخ الشعبي الدمشقي الشيخ أحمد البُدَيْري الحلاّق بين عام 1741 حتى 1762 ميلادي عن "حوادث دمشق اليومية" تمتمتُ: دولة أخر زمن! "الموت أهون من التعريص مع دولة هذه الأيام". طول بالك يا معلم وفيق، الله يكون بعونك.

قال وفيق بعصبية: ولك يا عمي إذا كانت مؤسسات الدولة عاجزة عن تحقيق السعادة لمواطنيها، فما الغرض من وجودها!؟ على أعضاء الحكومة العُهّار الفاجرين أن يفهموا أنَّ الإنسان قيمة، أن يفهموا أنَّ الحياة ليست قطعة بيتزا، ليست مزرعة أمهار، ليست حفلة موسيقية حسب الطلب، أن يعوا أنَّ الحياة ليست نزهة، ليست لعق عسل أو مجرد كأس خمر في خمَّارة العم أبي جليلة. الحياة صعبة، قاسية، شاقة، مؤلمة، الحياة لا ترحم، على هؤلاء الفاسدين أن يتعلموا أنَّ الحياة بالدرجة الأولى إنجاز وعمل وتقديم خدمات للبشر.

اِقشَعَرَّ بدني عندما تخيلت ما قاله عن زوجته، شعرت بألمه وحزنه، خجلت من نفسي أن أخوض في تفاصيل حكايته الخاصة. قلت في سري: إذا تعرَّضتَ لبعض الصعوبات وأنت تمشي إلى الأمام، لا تتوقف، لا تخطو أو تلتفت إلى الوراء، بل تابع طريقك وأنت تتنفس بشكلٍ هادئ، وتجاهل ما يدور حولك من تُرَّهات وقَلاقِل. هكذا يترقرق أيضاً ماء النبع حين تمرّ نَسمات الوادي الأحمر فوقه.

أنهى المعلم وفيق حالات الحديث والشرود والصمت والفضول بأنْ قال بصوتٍ حماسيّ: أحمد، دعنا نعمل، العمل يحررنا من مشاكلنا، يُخدِّرنا فيجعلنا سعداء.
*****
يتبع