النزول إلى الجحيم

سعود سالم
2018 / 1 / 19

اكتمل المذهب الأيوني مع أناكسيمينيس، رغم وجود بعض الشخصيات الأخرى والتي لا نعرف عنها سوى القليل مثل هبّون الذي ذكره أرسطو والذي أعتبر الماء كمبدأ أولي لتكوين العالم والأشياء مثل طاليس، والذي دعاه إلى هذا القول هو مراقبته للحيوانات المنوية، او بالأحرى السائل المنوي والذي كانوا يعرفون علاقته بالحمل وتكوين الأجنة. أما الفيلسوف الآخر الأكثر أهمية والذي يمكن إعتباره تابعا لهذه المدرسة الأيونية فهو ديوجينيس البولوني Diogène d Apollonie ‪‬ Διογένης ὁ Ἀπολλωνιάτης والذي قال بأن المبدأ الأول يجب أن يكون أزليا أبديا ومتواجدا في كل مكان وفي حركة دائمة ومستمرة حتى يمكن للأشياء أن تنبثق منه باعتباره مبدأ الحياة والحركة. وهكذا أعتبر الهواء كما قال معلمه أناكسيمينيس من قبله هو هذا المبدأ الأصلي للعالم لأنه أقرب الأشياء المادية إلى ألروح اللامحسوسة. وبالإضافة إلى الخصائص الأساسية لهذا المبدأ من الأزلية والأبدية ، يضيف خصائص أخرى مثل الحياة والعلم والقدرة والعظمة. لا شك أن هذه البداية ما تزال قريبة من الفكر القديم ولم تتخلص بعد نهائيا من اللجوء إلى الخيال كما سبق القول، كما أن الإهتمام ما يزال يتجه نحو السماء والنجوم، وما زال التفسير حتى ولو كان عقليا إلا أنه ما يزال مجردا ويرتبط بالدين والأخلاق أكثر من إرتباطه بالظواهر الطبيعية ذاتها. فكل هذه الحركة الأزلية وهذه العوالم التي تولد وتندثر ثم تولد من جديد، ينظمها هذا المبدأ الوحيد الذي هو ‪"‬العدالة‪"‬، أي التوازن بين العناصر المتناقضة والتي يجب أن تخضع لقانون واحد ينتج عنه الكوسموس Κόσμος، هذه الكلمة تعني "النظام" وتعني أيضا "العالم" او الكون في نفس الوقت.. غير الذي يعطي أهمية عظمى لهذه البداية هو أنه في نفس هذه الفترة التاريخية الغنية بالمحاولات الفكرية لعقلنة العالم، كانت أثينا والمدن اليونانية الأخرى ما زالت غارقة في الخرافات والأوهام الأسطورية والديانات المتعددة. في نفس هذا الوقت الذي كان فيه المثقف الأيوني يعمل جاهدا للوصول لبعض النتائج العقلية الأولية لتفسير العالم، في نفس هذا الوقت كانت حركة ثقافية تعمل جهدها في الإتجاه المعاكس، أي نشر وتعميم الخرافات ومحاولة إحياءالديانات القديمة والأساطير. ولا سيما الطقوس والعادات المتعلقة بديانة أورفيوس، وهي ديانة قديمة نابعة من أسطورة أورفيوس Ὀρφεύς الذي أهداه أبوللون قيثارة يعزف عليها ويغني أغان تخلب لب البشر والحيوان والشجر، حيث يقال أن الأشجار ترقص عندما يغني وتتبعه أينما ذهب. والأسطورة تحكي قصة نزوله إلى الجحيم لإرجاع زوجته من عالم الموتى. كان أورفيوس ابن ربة الشعر الملحمي كاليوبي la Muse Calliope، وأوباجروس Œagre ملك تراسيا Thrace، وهبتة الآلهة مواهب موسيقية، وكان صاحب صوت عذب وخلاب للقلوب، وتقول الأسطورة أنه بينما يوريديس Eurydice كانت تقطف بعض الزهور في يوم زفافهما، تعثرت ووقعت فى حفرة مليئة بالأفاعي، حيث لدغتها أفعى في قدمها وماتت.. وقرر أورفيوس النزول لعالم الموتى، ومحاولة استعادة حبيبته، وهناك سحر شعره وموسيقاه حراس مملكة الموتى، وتمكن من تنويم الكلب الكاسر ذو الثلاثة رؤوس Cerbère والذي يحرس مدخل العالم السفلي. ثم تمكن من إقناع Hadès حتى استجاب لتضرعاته، وسمح له باسترجاع زوجته والعودة بها الى مملكة الحياة، على شرط ألا يلتفت إليها، أو ينظر الى وجهها، حتى يبلغا نور الشمس. وكان أورفيوس قلقاً على يوريديس، لا يحتمل الانتظار حين رأى أول خيوط نور الشمس، والتفت وراءه ليتأكد من وجودها، فتلاشت يوريديس فجأة عائدة لعالم الظلمات، وبقى أورفيوس ينشد ويتفجع ويندب فشله في مهمته، حتى تعرض لنقمة ديونسيوس، فقتل وقطع جسده، ووجدوا رأسه المقطوعة على شواطيء جزيرة لزبوس Lesbos، وارتفعت قيثارته للسماء، لتصبح كوكباً مضيئاً. وتحولت قصته الى ديانة يونانية، لاتخلو من اسرار المتصوفة، تعتمد تعاليم وأناشيد وطقوس، ومع الديانة نشأ تيار شعري باسمه، له جذر الايمان بقوة الشعر السحرية. وقد كان ذلك قرابة القرن الخامس قبل الميلاد.. ويتخذ الأورفيون إتجاها نقديا متطرفا من الثقافة السائدة وعادة ما يعتبرون من الخارجين عن العادات والتقاليد العامة. لعل أقدم النصوص في أخبار أورفيوس، ماكتبه عنه الشاعر فرجيل وهو أول من أضفى على أسطورة أورفيوس طابعها المأساوي بأن جعل يوريديس زوجة أورفيوس تختفي ويفشل في استرجاعها من عالم الموت الى عالم الحياة. أما الشاعر أوفيد، فقد أفاض في سرد أخبار أورفيوس وزوجته يوريديس، في كتابه - التحولات -
أهم اعتقادات الديانة الأورفية هو ايمانهم بأن الروح سجينة الجسد وكأنها في قبر، وعليها بعد الموت أن تحضر وليمة عظيمة واحتفال صاخب حيث تنتشي إلى الأبد. وقد أشار برتراند راسل في كتابه عن تاريخ الفلسفة بأن ألأورفيون طائفة من الزهاد والنساك. وأن النبيذ مثلا كان بالنسبة لهم مجرد رمز، كما كان في وقت لاحق، في سر القداس في المسيحية. كان السّكْر الذي يسعون إليه هو "النشوة" من الاتحاد مع الإله. كانوا يعتقدون انهم بهذه الطريقة، يمكنهم اكتساب المعرفة الصوفية التي لا يمكن الحصول عليها بالوسائل العادية. دخل هذا العنصر الصوفي في الفلسفة اليونانية مع فيثاغوراس Pythagoras، الذي كان مصلحا للأورفية، كما كان أورفيوس مصلحا لدين ديونيسوس. من فيثاغوراس انتقلت عدة عناصر أورفية إلى فلسفة أفلاطون، ومن أفلاطون إلى معظم الفلسفة اللاحقة.