ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الأول 1

دلور ميقري
2018 / 1 / 19

من ضفة المحيط الأطلسي، الغربية، أرنو بفكري إلى ضفته الأخرى. الربيع، وقتٌ مثاليّ لإعمال الفكر في اللاشيء. ولكنّ لي ذكرياتي. إنها تمتطي هذا التيارَ البارد، المتجه نحو القارة السمراء.. إنهم يَدعونه هناك ب " الغربي ". أم تراني قد أختلط عليّ اسمُ التيار، وما يقابله من فصل؟
ربما هوَ " الشرقي " مَن يهبّ في الربيع، زاحفاً من الصحراء الكبرى إلى مراكش، لكي يؤرّث لهيبَ جمرات الصيف. إذاك، تغدو سماءُ المدينة بلونٍ رصاصيّ طوال معظم أوقات النهار. والأفق، في جهة الشمال، ما يفتأ مُكللاً بثلوج " الأطلس " الناصعة. الربيع، فصلٌ ممقوت. غبارُ الطلع، يغشى الأشجار المثمرة بغية تلقيحها، ليُسبب في المقابل إزعاجاً لا يُحتمل لمن يعانون من الحساسية. هذه العلّة، تعتبر من الرزايا الشائعة في تلك البلاد علاوة على الربو. تلكم سببها طريقتهم في عمارة المنازل القديمة، والتي تجعل أشعة الشمس لا تنفذ تقريباً إلى داخل حجراتها. تعددت ذات سهرةٍ مراتُ عطس صديقتي، " شيرين ". تنهدت عندئذٍ وهيَ تُبعد منديلها عن أنفها، متسائلةً: " أخشى أن تكون الحساسية مرضاً مُعْدٍ؟ ".
صديقتي، ترقدُ بهيئتها البهية، ثمة تحت سماءٍ ربيعية بلون الرصاص. ترقد في قبرٍ مجهول، طالما أنّ أحداً لا يزوره قط. مع أن منظر المقبرة رائعاً ( أتكلم بشكل خاص عن عرائش المجنونة والياسمين المعتلية السور الأنيق )، مما يُغري بزيارتها أكثرُ الناس لا مبالاةٍ. ولقد هممتُ يوماً بدخول تلك المقبرة، المنتصبة كالهُوْلة على طرف الشارع الرابط بين باب أغمات وغيليز. باب السور، الفاغر الفم، كان يكشف جانباً من قبورٍ في غاية الرثاثة. تراجعتُ عند ذلك، وقد غمرني شعورٌ يجمعُ الشفقة بالجَزع. لن أتكلم عن سبب إهمال المغاربة لقبور موتاهم، بل سأنقل ما قاله بهذا الشأن أستاذي الشاعرُ: " حياة الخصاصة والحرص والشحّ، لا يمكن لها أن تعبأ بالحياة الأُخرى! ".
" شيرين "؛ ما أشبهها بملاك حارس، وهيَ ترفرف بأجنحة زاهية طيّ غمامة أفكاري. ومن هنالك تنتقل إلى أوراقي، كفكرة مصقولة بعناية. أكان عليّ أن أكتبَ هنا، على الورق، زيادةً على ما قالته هيَ في كتاب سيرتها؛ تصويباً أو تعقيباً أو حشواً؟
ألا بؤساً للكلمة ( ومجداً لها في آنٍ؟ )، إن لم يكن من شيمتها شيئاً سوى استعادة ذكرىً حبيبة.

*
أقلّبُ أوراقَ سيرتي هذه، فيما أنا منزوية في مكاني الأثير بالقرب من موقد النار المرمريّ، المُتوّج بإحدى لوحات صديقي الراحل " فرهاد ". طليقي الأمريكيّ، جازفَ ذات مرة بالقول وهوَ يتأمل اللوحة: " إنها نظرة امرأة قاتلة، هذه المنبعثة من عينيها الرائعتين ". لم أفهم تعبيره على وجه الدقة، وما إذا كان يقصد ب " القاتلة " النظرة أم المرأة. فإنني لم أشأ التعليق على ملاحظته. ذلك لأن فكري مضى بعيداً، كما أذكر، مخترقاً جدران صالة الفيللا وصولاً إلى مقر إقامتي القديم، ثمة في المدينة الحمراء. طفقتُ إذاك أتساءلُ في سرّي عن امرأة اللوحة، " الشريفة "، وما لو كانت حيّة بعدُ أو لحقت أباها المقتول إلى الدار الآخرة.
قلّما كنتُ أفكّر، هنا في غربتي الأمريكية، بماضي حياتي الآفل والحافل بالذكريات. كوني امرأة أعمال، نجحتُ إلى حدّ ما برفع جدار يفصل حياتي الآنية عن تلك الأخرى. ولطالما فعلتُ ذلك، كلّ مرةٍ رأيتني فيها أستقر ببلدٍ جديد. إلى أن انهارَ الجدارُ دفعة واحدة، وعلى غرّة، حينَ أضطررتُ لإخراج أوراق سيرتي المراكشية من مكمنها الحصين. نعم، كنتُ قد دأبتُ على إهمال أمر أوراقي، وهيَ في مكانها الحريز بمستودع سكني. بقيت الأوراقُ إذاً منسيةً لأعوام مديدة، قبل أن تستعيدها يدُ الذكرى. ذلك جدَّ يوماً، ليسَ بالبعيد، وعلى سبيل المصادفة مثلما تجري أمور الحياة جميعاً. انهارَ جدارُ الوهم، فيما جدار الواقع بقيَ منتصباً بمواجهتي، تزيّنه لوحة امرأة ذات عينين رائعتين ونظرة قاتلة.

*
منذ وقتٍ قريب، تعهّدَ أحدهم نشرَ مخطوطة مذكرات " شيرين " ثمّ أتبعها بمذكرات شقيقها " فرهاد ". كلاهما ظهرَ على حلقات، وفي موقعٍ ألكترونيّ . كنتُ فيما سبق أعرفُ الناشرَ، كونه عُدّ في حينه من أبرز كتّاب موقعٍ آخر، تعود ملكيته لإعلاميّ سعوديّ. ولطالما عبرتُ عن إعجابي بمقالات الرجل، من خلال تعليقاتٍ موشومة باسم امرأة أمريكية. آنذاك، لم يكن من عادة الكاتب الردّ على تعليقات القراء. ولكنه كان جمّ التهذيب والود، لما ردّ على ايميل أرسلته إليه يوماً. عقدٌ من الأعوام تقريباً، فصلني وقتئذٍ عن آخر مقال كنتُ قد قرأته له في الموقع المذكور. وهوَ ذا في منقلبه إلى قارئ، على أثر تسلمه بالبريد أوراقَ سيرتي المراكشية.
يتحتّم عليّ أن أذكر أيضاً، بأنه كان صدمة قاسية، ولا غرو، خبرُ وفاة صديقي " فرهاد " منتحراً. معرفتي للخبر عن طريق قراءة مقدمة مذكرات شقيقة الفقيد، يكشفُ مدى نأيي حتئذٍ عن كل ما كان يربطني بحياتي السالفة. فجأة، تجسّدت المدينةُ الحمراء على مرمى ذاكرتي ـ كما تنبثق لعينيّ عالمٍ أثريّ مدينةٌ مجهولة، قبعت دهراً في أعماق تلّ من التراب والأحجار. بطبيعة الحال، لم تكُ مراكش هيَ المجهولة بالنسبة لي، وإنما بعضُ ساكنيها ممن كنتُ أعدّهم قبلاً، قِبْلةَ روحي: " شيرين "، " فرهاد "، " غوستاف "، " الشريفة "، " المهدي "؛ هذه كانت أسماء ذلكم البعض، والتي تعيّن عليّ أن أخوضُ خِلَل مجاهل شخصياتها بحثاً عن حقيقتهم وحقيقتي سواءً بسواء

> مستهل الفصل الأول من رواية " كعبةُ العَماء " ..