أثر التطور الصناعي والتكنولوجي على البيئة:

ايات محمد سعود
2018 / 1 / 19

خلق الله الإنسان وأودع فيه عقلاً أمره باستخدام هذا العقل فيما يحقق الغاية الأسمى التي وجد من اجلها، وهي خلافة الله في أرضه (إني جاعلٌ في الأرض خليفة)، ومن اجل ذلك كله سخر له الكائنات (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه) وأمره بتعمير الأرض وتذليل صعابها- (قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ) وهيأ له البيئة المناسبة وجعل كل شيء في الوجود مقدراً وموزوناً (إنا كل شيء خلقنه بقدر) فكان كوكبنا الأرض متزناً وثابتاً ولم يكن توازنه عبثاً، فالأضداد الثنائية المختلفة- مثل النار والماء والليل والنهار والشروق والغروب هي سر من أسرار الحياة وكان التوازن البيئي بين الكائنات الحية والعناصر الطبيعية آية من آيات حكمته وتدبيره. فقد نظمت الشريعة الاسلامية العلاقة بين الانسان والبيئة والموارد الطبيعية ، كما رسخت القواعد حول حماية البيئة ، وموقف الشريعة الاسلامية من البيئة والموارد الطبيعية موقف ايجابي اذ لايقتصر على حماية البيئة ومنع الافساد فيها فحسب بل يتعداه الى الحث على البناء ، والتنمية والعمارة ويتجلى ذلك في فكرة احياء الموات وعمارة الارض لقوله تعالى "{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ }"3 ولقول النبي صلى الله عليه واله وسلم "من بنى بنيانا في غير ظلم ولااعتداء او غرس غرسا في غير ظلم ولا اعتداء كان له اجرا جاريا ماانتفع به من خلق الرحمن تبارك وتعالى".
ان قضية البيئة والمحافظة عليها هي قضية تخص الانسان ، لان الانسان هو موضوعها ، وهو غايتها ووسيلتها في الوقت نفسه وكما هو معلوم من قواعد الشريعة بصفة عامة ان كل مؤذ منهي عنه شرعا اذن اجتناب كل مايؤذي.2 ودور الانسان يتمثل في الحفاظ على صحته من الاخطار المحتملة والناجمة عن تلوث بيئته ليتمتع بالهناء والطمأنينة ، فالانسان اجتماعي بطبيعته يعيش مع الجماعة في البيئة التي يسكن فيها ، فيؤثر فيها ، ويتأثر بها .3
لقد تولد عن التفاعل الناتج بين الانسان وبيئته الكثير من المشاكل التي تفاقمت مع الزمن حتى اصبح هذا التفاعل في حد ذاته صراعا دائما حيث كان للتطور الصناعي والتكنولوجي آثاراً سلبية في البيئة، فانطلاق الأبخرة والغازات وإلقاء النفايات أدى الى التدهور البيئي مما جعلها تفقد مميزات التوازن البيئي وانعكس ذلك على الإنسان الذي أفسدت الصناعة بيئته وجعلتها في بعض الأحيان غير ملائمة لحياته فاضطر عديد كبير من الناس الى ترك مناطقهم غير الملائمة للعيش فظهر مصطلح جديد وهو لاجئي البيئة، حيث يقدر عددهم بــ 25مليون لاجيء وان اغلب اللاجئين هم الفلاحين والذين تركوا أرضهم بسبب تدهور التربة وندرة المياه .
وللنظم البيئية المائية علاقة مباشرة أو غير مباشرة بحياة الإنسان فالمياه عندما تتبخر تسقط في شكل أمطار ضرورية للحياة على اليابسة بسبب ما تحتويه من مادة حية تمثل مدخرات غذائية متكاملة للإنسانية وكذلك ثرواتها المعدنية.
أما تلوث المحيط الجوي فان مصادره عديدة ويمكن القول إنها تشمل المصانع ووسائل النقل والإنفجارات والفضلات المشعة وان مصادرها في ازدياد وإذا زادت نسبة الملوثات عن حد معين في الجو أصبحت لها تأثيرات واضحة على الإنسان وعلى موارد البيئة.
ويحدث تلوث التربة نتيجة استعمال المبيدات المتنوعة والأسمدة وإلقاء الفضلات الصناعية وانعكاسات ذلك على التربة وعلى كائناتها الحية وبالتالي على خصوبتها وعلى النبات والحيوان مما ينعكس في نهاية المطاف على حياة الإنسان.
ان الحق في الحياة يقتضي بالضرورة الحصول على بيئة سليمة تضمن استمرار شروط الحياة وان الحق في بيئة سليمة وان لم يتم النص عليه صراحة ومباشرة إلا انه واضح في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وقد نص على هذا الحق الدستور العراقي الجديد، بل جعل حماية البيئة والتنوع الاحيائي والحفاظ عليها من مسؤولية الدولة، فالبيئة الوعاء الذي يمارس فيها الإنسان حقوقه الأساسية والتي أهمها الحق في الحياة، فضلاً عن كون الإنسان مكوناً من مكونات البيئة وطريقة تفاعلية مع موطنه تساعده على تحديد الموطن وآثاره وعلى أفعاله( ) حيث يلعب التلوث البيئي دوراً كبيراً في تشكيل شخصيته من بدء تكوينه حيث يكون للشخص خصائص بيئية، كما ان له خصائص فردية سيكولوجية.
ان البيئة بعناصرها الثلاثة – المياه – الهواء- التربة هي عناصر الحياة الرئيسية للكائنات الحية في هذا الكون وقد تعرضت لأخطار عديدة من قبل الإنسان بالرغم من كونها بيت الإنسان وبدأت هذه الأخطار بالتزايد بعد الثورة الصناعية والزراعية وتسابق الدول على تحقيق اكبر وأسرع معدلات النمو الاقتصادي والاجتماعي على حساب البيئةوتتفاقم تلك الأخطار يوماً بعد يوم بسبب الاستغلال غير الرشيد للموارد الطبيعة للبيئة وتعرضها الى اشد واخطر المهددات ألا وهو التلوث( ) The Pollution ولذلك لابد من نشر الوعي البيئي ويتم ذلك من خلال التربية البيئية من حلال سن القوانيين والاتفاقيات الدولية البيئية وبالفعل اولى المجتمع الدولي اهتمامه الكبير بالبيئة منذ مؤتمر استكهولم العالمي لسنة 1972 الذي تكلل باقرار مجموعة من المبادئ والتوصيات الدولية التي ساهمت في تطوير القانون الدولي من جانب وحماية البيئة من جانب آخر.