ثنائية الحب والجنون (رزاق وعالم مخبول) ح10

عباس علي العلي
2018 / 1 / 18

رقية التي شعرت بأهمال غريب لها من قبل الشيخ وتجاهل لمشاعرها ووجودها وكأنها لم تك موجوده أصلا أستثارها أمر الأهتمام بصباح فترة وبتقية بالفترة الأخيره، إنها زوجته وحقها الشرعي أن تعامل كما تعامل ضرتيها، حتى صباح التي كانت سببا لزواجها من الشيخ لم تعد تلاقي منها ذات الأسلوب القديم التي تعودته سابقا، كونهما صديقتان أصلا قبل أن يكونا ضرائر لزوج واحد، فهي أما مشغوله بمشاريعها والخروج من الصباح ولا تعود إلا ساعات المساء منهمكة متعبة، أو أحيانا مسافرة للبصرة عند أهلها أو لألقاء محاضرات دينية أو في مهمات حزبية.
تقية ومنذ أن ذهبت لبيت أهلها وعادت والشيخ صب كل أهتمامه بها ولم يعد يفارق مجلسها حتى في الأيام التي تكون من حصة غيرها، أصبحت الأن تفرض أوامرها وشروطها وتهدد من لا يعجبه الأمر فالشيخ ليس بحاجة إلى من يصدع له رأسه، أشتكت أكثر من مره من تصرف تقية معها لكنها لم تجد كلاما صريحا أو واضحا يضع حد للمشاكل التي تثيرها تقية وأحيانا ولدها، خاصة بعد أن أصبح بيت الشيخ مزارا لأقربائها من النساء والرجال وهم يحملون ثقلهم معهم، طبخ وتنظيف وخدمة وأعداد كل مستلزمات الضيافة، وهي تجلس معهم كأنها أميرة ورقية خادمتها المطيعة التي عليها أن تقول نعم فقط.
يعلم الشيخ أن رقية ليس من السهل التفريط فيها أو حتى التغاضي عن مشاكل رقية، ولكنه يحاول تهدئة الأمور لحين حسم موقف الأنتخابات، لقد أسر لها أمرا في أحدى الليالي وأقسم لها وهو ما يجعلها تتحمل كل ذلك الأذى أنه سيفاجئها بموقف يسعدها ولن تتوقعه حال فوزه بالأنتخابات، مما سيجعلها الملكة المتوجة والباقي من نساءه ليس أكثر من خدم، كانت هي الأخرى قد ربطت كل أحلامها وأمالها بنتائج الأنتخابات، وتتمنى أن ترى حلمها قد تحول إلى حقيقة لا سيما وأنها غريبة وبدون أهل أو أقرباء.
ترتيب وضع البيت وأخماد الحرائق النسائية فيه ضرورة مهمة للشيخ حتى يجعله يفكر بهدوء مركزا على المشروع الأهم حاليا، صباح من جهتها تعلم أن فوز الشيخ سيكون نصرا لها كما وعدها بذلك، ستدخل الجامعة مرة أخرى للحصول على شهادة الدراسات العليا وستسكن معه في بغداد، هناك سيخلو لها الجو للتفرغ لتطوير نفسها وأيضا إدارة المكتب النسوي للجماعة كما وعده السيد، بمعنى أنها ستكون على رأس هرم التنظيم النسوي وسيكون لها صوت ومكانة مهمة تغنيها عن أشياء كثيرة، لذا فهي غير معنية في أمور البيت وتعد نفسها للقيادة الأتية مع فوز الشيخ عضوا في البرلمان.
وحدها تقية كانت تتصرف وكأنها (عجوز عرب) فهي لا تملك حظا ما من الثقافة العامة أو الدينية، وليس لها حضورا في المجالس النسوية سوى أنها زوجة شيخ عناد، فهي قروية تماما في كل شيء، حتى في طريقة لبسها أو نمط حياتها العادي أو كيفية ونوعية الطعام الذي تطبخه أو تختاره، مما جعلها محل سخرية صباح ورقية هنا في البيت، أكثر ما يجعلها أضحوكة أمام ضرتيها طريقة مكياجها أو أختيارها الملابس والألوان حين يحين موعد ليلتها، أو في طريفة أستخدام الحناء في صبغ يديها وقدميها وكأنها عروس بدو، حاولن معها كثيرا في أن تعتني جيدا في أختياراتها لكنها تميل دوما لما هو شائع أصلا في بيئتها وتقول أن الشيخ يحبها هكذا.
الشيخ أصلا لا يهتم كثيرا في تفاصيل ما تختاره النساء من ملابس أو مكياج أو حتى أختيار نوعيات الطعام، فهو عادة أما أن يكون قد أكل في المكتب أو في المطعم، أو أنه يتناول الرز مع المرق واللحم أو الدجاج أيا كان نوعه، المهم أنه يأكل فقط دون أن يطلب شيئا خاصا أو يختار أكلات متنوعة على سبيل كسر الروتين والتكرار، صباح تكثر من أكل السمك ورقية طعامها دائما له نكهة خاصة خفيف ومتنوع وأغلب الأحيان تأكل لوحدها، لأن تقية وأبنها لا يحبون أكلها ولا يطيقونه، أحيانا قليلة تشاركها صباح في الفطور عندما تكون على أهبة سفر أو في مهمة ما.
كلها تحلم بالأنتخابات والفوز وكلها تعمل لأجل ذلك، رقية التي لا تملك أي وسيلة للمساعدة كانت أكثرهن صدقا مع الشيخ فهي لم تفارق القرآن في ختمات متواليات له، وصيام يومين في الأسبوع نذرا قد نذرته على نفسها لو أن الشيخ تمكن من الفوز فلن تتركه طوال العمر، دعاء طويل وصادق في صلاة الليل يوميا طالما أنها متمكنه منه، مشغولة هي الأخرى وبصمت لتحقيق حلمها فيما ترى تقية تضحك منها في سرها وتقول، لو تعلم هذه المجنونة أن ما تفعله الآن ستندم عليه غدا، عندما تجد نفسها غريبة عن الشيخ وبيدها ورقة الطلاق كما وعدها وأقسم لها أمام أبو الفضل العباس.
صباح ركزت كل جهدها الآن على المستقبل الذي ينتظرها كزعيمة لنساء الحزب والمجموعة، وأخذت في أعداد نفسها على أنها كذلك منذ الآن، في محاضراتها التي تديرها أو في المجالس التي تحضرها لا تتخلى عن هذا الوضع الحلم، فهي تتكلم عن المرحلة القادمة التي ستجعل من حزبها ومجموعتها مثالا لدعم ونصرة للمرأة المؤمنة العاملة التي تقود المجتمع من بيتها بإيمانها وعملها، تتحدث وكأنها تقرأ كتابا مدونا في أحداث المستقبل فهي لا تتردد أن تطرح كل ذلك على أنه مسلمات حقيقية حدثت وعلى الناس تصديقها، حتى في البيت لم تعد تسأل كثيرا عن نوبتها مع الشيخ أو عن واجباتها المتفق عليها بينهن فهي لا تملك نفسها وقد نذرت عمرها وجهدها في سبيل نصرة الدين والمذهب، والجالس في البيت بلا عمل عليه أن يعوض عنها وله الأجر والثواب من الله، هكذا صار قانون صباح في البيت حاكما ومستحكما فهو القانون الثاني الواجب مراعاته بعد قانون تقية.
من العادات المألوفة عن الشيخ عناد عند عودته من المكتب أو من مهمة سفر أن يقضي وقتا قليلا مع الجميع ليذهب بعده مباشرة إلى صاحبة الحظ السعيد في نوبتها، مزاجه المتقلب دائما يفرض على كل منهن أن تحذر من تقلباته، فهو أحيانا وكأنه فارس فرسان الغرام وفتراه حتى خارج حدود المنطق، لا يتورع عن عمل أي شيء، وأحيانا ينام مجرد أن يضع رأسه على الوسادة لا يصحو إلا قبل موعد دوام المكتب بدقائق، القلق هي السمة الغالبة على تصرفاته فلا يعرف له قانون أو طبع محدد، يدعي أمام زواره أو في حديثه مع الأخرين أنه ذكرهم في الدعاء في صلاة الليل بالأسم، وسأل الله لهم كل الخير، وزوجاته يعلمن تماما أنه حتى صلاة الفجر لم يقيمها في وقتها أبدا.
أحيانا يشتاق لأيام زمان فيجلس ليغني ويندمج تماما مع أغانيه القديمة التي كان يرددها، يطرب وحتى يرقص أحيانا على صوت إيقاع بيده، يفعل ذلك مبررا أمام زوجاته أن الرجل يجب عليه أن يسعد زوجته كما أن الزوجة عليها أن تسعد زوجها، الإسلام يقول لهن ما لكم وعليهن ما عليكم (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، الأمر في غاية الحلية ولا حرمة بين الزوج وزوجته إلا ما جاء بنص، هذا ما سمعه من أساتذته ومتأكد من مشروعيته وشرعيته تماما، أنه لا يخالف شرع الله وهو يعلم كافة الحدود البينة بين الحلال والحرام.
حينما تزوج من رقية في سوريا بعد أن مرت بظروفها المرة كان يطلب منها أن لا تتذكر شيئا من حياة قضتها مع طليقها السابق، إن التخيلات تعتبر خيانة كبرى من الزوجة للرجل وقد تصل حد الزنا المعنوي، لكنه في الوقت عينه يشاهد القنوات الإباحية التي تعرض تلفزيونيا ويوميا، يبرر لها أن ما يراه نوعا من كسب المعرفة لتنعم الزوجة وزوجها بحياة جنسية جميلة ولا داعي للتلذلذ أو التخيل، إنه مجرد درس نتعلم منه ما ينفعنا في حياتنا، هكذا كانت تتقبل الأمر معه وتجلس لتشاهد ما يجري من دون الشعور أو الأحساس بوجود تحريم أو كراهية في الموضوع، وهي ترى الرجال ووتأمل مناظرهم وتتخيل ما يجري معهم.
لم تشاهد أي واحدة من زوجاته الثلاث أي مبلغ من المال موضوع داخل البيت، فهو أما يحمل ما يملك في جيب جبته، أو يضع ما يملك خارج البيت، فقط ما يحتاجه البيت من مصاريف تجده حاضرا أما ما يملك أو لا يملك فلا أحد منهن تعرف عنه شيئا، حتى أوراقه الرسمية ومستمسكاته فلا يعرفن أين يضعهن ولا عقود زواجهن ولا حتى جوازات السفر، الكل تحت يد الشيخ ولا يملكن من أنفسهن إلا أجسادهن وأسمائهن، حتى ظنن أنه متزوج برابعة يودع عندها كل شيء، لكن الرابعة تحتاج إلى وقت وهو أما بينهم أو في المكتب.
قالتها رقية بالمختصر المفيد أنا متزوجة رجل عبارة عن مجموعة أسرار متنقله، أما صباح فتقول أنها شخصية شديدة الحذر لكنه رجل لا يقاوم حين ينظر بعينية إلى المرأة فتذوب في بريقها، كأنها كأس شاي يكون لذيذا عندما يكون ساخنا، ولكنه حين يبرد يفقد كل شيء مميز فيه ما عدا أسمه، أما تقية حينما سألتها صباح ذات مرة عن شخصية الشيخ فقالت بلهجتها الريفية (شفج دواب ينطح ويبطح، وكحل العين لو كان ينصح)، كل منهن تنظر له من زاوية التجربة الخاصة، لكنه بالمجل رجل حساس يقظ يعرف أنه يسير عبر حقل ألغام غير مدروس ولا يمكن التنبوء بما سيحدث بين لحظة وأخرى.