الامبراطور عار

عبد الحسين شعبان
2018 / 1 / 18



لم يدر بخلد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن عبارته التي استخدمها لإرعاب الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون والمستمدّة من الإنجيل “نار وغضب”، ستكون عنواناً لكتاب قد يؤدي في نهاية المطاف إلى الإطاحة به. والمقصود بالكتاب هو ” نار وغضب- داخل بيت ترامب الأبيض” الذي قام بتأليفه مايكل وولف الصحافي المعروف في جريدة نيويورك تايمز .
وقد تمكّن وولف، بفعل حوارات حصرية زادت على 200 أجراها مع موظفين كبار في البيت الأبيض ومقرّبين من ترامب وعائلته أن يحلل شخصيته ويسلّط الضوء على خفاياه وخباياه منذ حملته الانتخابية ولغاية تربّعه على “عرش” البيت الأبيض، وأن يجمع معلومات شخصية ربما صادمة عنه وعن خططه، وهو الأمر الذي جعل الكتاب استثنائياً، ولذلك حظي باهتمام استثنائي في مختلف أرجاء العالم.
وقد قدّم الموقع الالكتروني “ساسة بوست” ملخّصاً موسعاً للكتاب ولأهم ما جاء فيه من تفاصيل مثيرة. لا شك أن عقلية التاجر مسيطرة على الرئيس، فحتى حين فكّر بالترّشح للرئاسة كان همّه هو الحصول على الربح، فالفوز مكسبٌ والخسارة كذلك، لأنه في الحالتين كان يبحث عن الشهرة، وقد قال لصديقه القديم روجير يوجين إيلز: إنه سيخرج من تلك الحملة بفرص (تجارية) لا توصف وشهرة واسعة لعلامته التجارية المميّزة، وكان ذلك أيضاً تفكير ابنته إيفانكا وزوجها جاريد واللذين يطلق عليهما “جيفانكا” فسيتحولان من ثريين مجهولين إلى مشهورين عالميين وسفيرين للصفقات التجارية الكبرى في العالم. ووسط المفاجأة غير المحسوبة اجتمع مساء يوم الفوز ترامب وإيلز وستيف بانون رئيس حملته الانتخابية ومستشاره لاحقاً، واتفقوا أن تكون أولى مهماتهم هي نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وحشد الدعم “الإسرائيلي” لسياسات ترامب. ويبدو أن رئيس الوزراء ” الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو والميلياردير ” الإسرائيلي” شيلدون أديلسون كانا يعملان بذات الاتجاه. وقد تعزّز هذا “التوجه” لاحقاً، لإخراج ترامب من تداعيات فضيحة التداخل الروسي بالانتخابات وعلاقة صهره كوشنير بهم ولإخراج نتنياهو من فضائحه العديدة، وذلك بالهروب إلى الأمام لإبعاد أزمات الداخل، بالتغطية عليها خارجياً. وحين عرف ترامب بصدور الكتاب لم يتمالك نفسه، فبعد سويعات ردّ بمجموعة “تغريدات” وصف فيها نفسه بالذكاء والعبقرية ورجاحة العقل. وإنه رجل أعمال ناجح جداً وأصبح نجماً تلفزيونياً لامعاً ثم رئيساً للولايات المتحدة (من المحاولة الأولى)، واعتبر ذلك ما يؤهل الإنسان لكي يكون ذكياً، بل عبقرياً. وجاءت تلك التغريدات من الاستراحة الرئاسية في كامب ديفيد حيث يلتقي ترامب قيادات الحزب الجمهوري في الكونغرس. وأشار في معرض انتقاده لمنتقديه من الحزب الديمقراطي إلى أنهم يستخدمون الأسلوب القديم ذاته الذي استخدموه ضد الرئيس دونالد ريغان، فلم يعد بالإمكان مواجهته إلاّ التشكيك بأهليته. وقد جدّد ترامب هجومه على مؤلف الكتاب وولف وعلى مستشاره السابق بانون الذي نقل عنه المؤلف معلومات وأخبار ملفّقة واعتبره فاشلاً تماماً وأن قصصه مختلقة، والهدف هو الترويج لهذا الكتاب المُمِل والكاذب، وأشار إلى أن بانون ظلّ يولول ويتوسل حين عرف بإقالته وتشبث كثيراً لبقائه في عمله واصفاً إيّاه بالقذر والكلب وبالغ السوء. أما مؤلف الكتاب فقد قال في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي ، إن خلاصات كتابه تنصبُّ على عدم ذكاء ترامب وعدم أهليته، وأن مثل هذا الرأي يلقى اليوم انتشاراً واسعاً، واصفاً الحالة بحكاية “الإمبراطور العاري” وإن الكل كان يتكتم على الأمر خوفاً من أن يظنّ الآخرون “أنهم حمقى وأغبياء”، مشيراً أن القصة هي أقرب إلى تصوير وضع الرئاسة الأمريكية ، حيث أن الرئيس لا يستطيع القيام بمهمته، الأمر الذي سيقول الجميع في لحظة مفاجئة: يا إلهي هذا صحيح…
إنه لا يرتدي شيئاً، إنه عارٍ تماماً، وهو الاعتقاد الذي يظنّ أن الجميع سيتوصلون إليه في اللحظة المفارِقة والحاسمة التي ستضع حداً لوجوده في البيت الأبيض. وأشار وولف إلى أنه كان قريباً من الحدث وأنه كان يتحدث إلى الرئيس مباشرة وقد يكون هذا الأخير لا يدرك إن تلك كانت مقابلة أم لا، فلم يطلب منه عدم نشرها. وكان محامي ترامب وممثلين عنه قالوا أنهم سيقاضون دار النشر التي أصدرت الكتاب ” هنري هولت أند كو” ويطلبون منه عدم نشره، علماً بأن الدار أصدرت الكتاب قبل ثلاثة أيام من موعد الإعلان عن إصداره وبدأت ببيعه مبكراً.
وسريعاً تصدّر الكتاب قائمة الكتب الأكثر مبيعاً، خصوصاً وهو يتعرّض للرئيس الأكثر إثارة في تاريخ البيت الأبيض، بما فيها من جوانب تتعلّق بحياته وعلاقاته النسائية وأصدقائه ومساعديه وعائلته وعلاقته الملتبسة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وعلاقته السيئة مع الإعلام وبالتحديد مع إمبراطور الإعلام مردوخ وتأثّره النفسي من سخرية الإعلام وصراع النفوذ والأعراق داخل أروقة الرئاسة بين “البانونيين” و”الجافانكيين” وعلاقته بصهره كوشنير وتأثيراته عليه إضافة إلى سياساته الشرق أوسطية.