أدباء ورهبان 2

دلور ميقري
2018 / 1 / 18


ميخائيل نعيمة ( 1889 ـ 1988 )، الأديب اللبناني المهجري، تمر هذا العام ذكراه الثلاثون. حياته، كانت على شيء من الفرادة لناحية تقلبها. ولنقل أولاً، أنه حصل على لقب " ناسك الخروب " بالنظر إلى انقطاعه عن المجتمع وايثاره عيشة العازب، وذلك كي يبقى متفرغاً لاهتماماته الأدبية. كذلك، يمكن ملاحظة مسار حياته منذ فترة الصبا وقد غلب عليها الترحال بين القارات والبلدان. إلا أنه، وعلى أثر وفاة رفيق عمره جبران خليل جبران عام 1932، عادَ إلى مسقط رأسه في لبنان دونما أن يفارقه إلى أن بلغ عتبة المائة من أعوام عمره.
على الرغم من مؤلفاته، التي قاربت عدد أعوام عمره المديد ( بعضها باللغتين الانكليزية والروسية )، إلا أن ميخائيل نعيمة لم يتبوأ في تاريخ الأدب نفس مرتبة صديقه جبران. هذا الأخير، كان قد حقق الشهرة والثروة معاً حدّ أنه راحَ في أواخر حياته يَعِدُ أصدقاءه المقربين بأنه لن ينساهم لدى كتابته وصية الإرث. نعيمة، وكان أحد أولئك الأصدقاء، لم يجد بالطبع اسمه بين المستفيدين من إرث رفيق حياته. بعيد رحيل جبران، وحينَ نشرَ نعيمة كتاباً عن سيرة حياته، فإن كثيرين أتهموه بالتحامل على صديقه وطعن ذكراه. من يطلع على الكتاب ( عنوانه: جبران خليل جبران )، لن يخالف آراء منتقديه حَسْب، بل وسيُدهش أيضاً من أسلوبه البديع والذي جعل تلك السيرة أشبه برواية. وهذا يمكن قوله عن السيرة الذاتية لميخائيل نعيمة، " سبعون "، وتُعتبر من بواكير هذا الفن الأدبي باللغة العربية.
لغة ميخائيل نعيمة، جذلة وسلسة وبليغة. هذا أنسحبَ على مؤلفاته الأدبية ومقالاته النقدية سواءً بسواء. من أهم كتبه، المجموعة القصصية " أبو بطة " وروايته القصيرة " مرداد "، وقد حظيت كلاهما بانتشار واسع في حينه، وبقيت تقرأ من لدُن الأجيال المتعاقبة. أشعاره، كتبها باللغتين العربية والانكليزية، غير أنها لم تكن بجودة شعر جبران. علاوة على سيرة حياة هذا الصديق، الموسومة آنفاً، فإن نعيمة ترجم لجبران عن الإنكليزية كتابه الأشهر " النبي ". بقيَ نعيمة ملازماً بلدته بسكنتا، الواقعة عند منحدرات جبل صنين الحالق، ثمة حيث تحيطه الطبيعة الساحرة وآثار الأقدمين. ربما أن إقامة نعيمة المديدة في تلك البقعة الأشبه بالفردوس، هيَ من أعطتنا الثمار الغزيرة لقريحته الأدبية. آنذاك، كان يعيش في رعاية ابنة أخيه والتي ظلت بجانبه إلى أن فارق دنيانا. وكم كانت لفتة مؤثرة، قيام الرئيس اللبناني أمين الجميّل بتأبين ميخائيل نعيمة في كلمة متلفزة موجهة لمواطنيه ومحبي أبداعه.