كعبةُ العَماء: كلمة لا بد منها 3

دلور ميقري
2018 / 1 / 17

في ايميل وصلني منها، كتبت " سوسن خانم " بعضَ الملاحظات بخصوص السيرتين الروائيتين، " تخلّ عن الأمل " و" الفردوس الخلفيّ "، اللتين تعهدتُ نشرهما على التوالي بين عاميّ 2016 ـ 17. حينَ قرأتُ اسمها على عنوان الإيميل، بدا لي مألوفاً مذ الوهلة الأولى. عندئذٍ عدتُ بذاكرتي عقداً من الأعوام على الأقل، آنَ كنتُ أنشر مقالاتٍ أدبية في موقع الكتروني يملكه إعلامي خليجي معروف. إذ كان ثمة امرأة تحمل اسماً غريباً، " سوزانا إدواردز "، وقد أعتادت آنذاك التعليقَ على بعض تلك المقالات.
لقد نوهتُ فيما سلفَ بموضوع الصدفة أدبياً، ولا أجدني في حاجة للعودة إليه فيما يتعلق بظروف صلتي بتلك السيدة السورية، الأمريكية الجنسية. أجل، علمتُ من " سوسن خانم " أنها هاجرت إلى الولايات المتحدة في أواخر تسعينات القرن المنصرم، وكان ذلك بُعيدَ مغادرتها المغرب. طبعها الكتوم، ظهر جلياً من امتناعها عن ذكر تفاصيل تخص حياتها في المغترب الجديد. ولو أنني التقطتُ بعضَ الإشارات، الدالة على كونها ما تنفك منتمية إلى فئة رجال الأعمال. في المقابل، كانت هذه المرأة العملية صريحةً عند حديثها عن الشقيقين الدمشقيين، المنكوديّ الحظ، اللذين سبقَ وعلمنا أنّ كلا منهما ترك مخطوطة عن سيرته في مراكش المغربية.
ربما حدسَ القارئ، مما سبقَ ذكره آنفاً، أن ذلك الإيميل تبعه لاحقاً تبادلُ الحديث هاتفياً.
قد يكون من المفارقة، من ناحية أخرى، وصفُ امرأة بأنها " كتومة الطبع "، فيما هيَ تحرص على نشر سيرة حياتها على الملأ.. بله أن تكون سيرة فضائحية، فوق ذلك، ومكتوبة بلغة مكشوفة؟
لقد فكّرتُ بالأمر، ولا شك، حينَ مراجعتي مسودةَ هذه المقدمة. وإنني أرى ذلك المسلك غير متناقض تماماً، طالما أنّ صاحبته هيَ امرأة على علاقة بالأدب إن كان نثراً أو شعراً. ويجب التفكّر كذلك بشأن إقامتها في الغرب الأمريكيّ، الذي يجوز أنه جعلها تقدّر ما منحه إياها من حظٍ سعيد للكتابة بحريّة.
قد يكون من المفيد، على رأيي، الإشارة بشكل عابر إلى أسلوب الكاتبة في هذه السيرة الجديدة. وبدءاً، أقول أنّ " كعبة العماء " هيَ بمثابة الصدى للسيرتين الروائيتين، المذكورتين آنفاً. إنّ الكاتبة، سواءً من خلال ايميلها أو محادثاتنا الهاتفية، كانت قد أكّدت بنفسها تلك الحقيقة حول سيرتها الروائية. إلا أن " سوسن خانم "، لم تسلوَ تذكيري بكونها قد لمّحت لصديقها " فرهاد " عن سيرة مراكشية كانت بصدد كتابتها. فعلت ذلك، بوساطة رسالة تسلمها صديقها حينَ كان ما يزال مقيماً في موسكو.
والآن، أعود إلى ملاحظاتي السريعة حول أسلوب الكاتبة. فإنني أنتبهتُ أولاً إلى فضاء السرد، المُعتمد من لدُن كاتبتنا. هنا، يمكن ملاحظة الآلية الخاصّة بأسلوبها. فإنّ ( الأنا ) لديها، كساردة لسيرتها الروائية، قد أنعكست في مرآة ( الآخر )؛ وأعني شخصيات سيرتها، ممن تعرفت هيَ عليهم هنالك في مراكش. هذه المدينة، بدا طغيانها واضحاً على مساحة السرد وبالأخص في الكتاب الثاني من السيرة، وعنوانه " شيرين وفرهاد ".
على أنّ صاحبة السيرة، على ما يبدو، كانت غير مهتمة بوظيفة السارد الإبداعية؛ والتي عرّفها الكاتب الروسي " ليو تولستوي "، بالقول: " إنّ الأدب لا يخرج عن كونه أداة تواصل بين الأفراد، حيث ينقل الأديب إلى الآخرين عواطفه بطريقة فنية ". أشدد على الأمر، بما أنّ " سوسن خانم " لم يكن من شيمتها إعتبار الأدب رسالةً تتواصل فيها مع الآخرين. فمن خلال قراءتنا لسيرتيّ الشقيقين الدمشقيين، المعلومتين، نعرف أن هذه السيدة كانت تقرض الشعر لغاية أخرى؛ كأن تجد فيه راحة نفسية أو مجال احتكاك بمن كانت تهواه. لم يكن بلا مغزى، أن تحتفظ " سوسن خانم " بمخطوطة مذكرات المسيو الفرنسيّ " غوستاف "، ومن ثمّ أن تعمد إلى إذابتها في بوتقة كتاب سيرتها الذاتية هذا. لأن المسيو، مثلما علمنا أيضاً، كان قد سبقَ له وهجرَ فضاء الشعر إلى فضاء الأعمال. فعلَ ذلك تيمناً بملهمه ومواطنه، الشاعر " أرثور رامبو ".
ولكن، ربما بقيَ هذا السؤال لدى القارئ: أليسَ من الإخبات، أن تعهد المؤلّفة بكتاب سيرتها إلى شخص آخر ( أي صاحب هذه السطور ) لكي يضع اسمه عليه بدلاً عن اسمها؟
إنه سؤالٌ مهم، ولا مِراء، وأتمنى لو أن الكاتبة قد تولت بنفسها اجابته عبْرَ كلمات سيرتها.

> يليه الكتاب الأول من الرواية، وهوَ بعنوان " ألفُ هُوْلة وهولة "..