الخط القصصي في -مريم البلقاء- علي السباعي

رائد الحواري
2018 / 1 / 16

الخط القصصي في
"مريم البلقاء"
علي السباعي
من المهم أن يكون للكاتب لغته، اسلوبه، طريقته الخاصة في الكتابة، أعتقد أن "علي السباعي" خط لنفسه طريقة وشكل ولغة تميزه في كتابة القصة القصيرة، فنجده يستحضر التراث أو التاريخ، إن كان من خلال الأحداث أو من خلال شخصيات منه، وهو يهتم بتقديم معارف معاصرة للقارئ، من خلال تناوله لأسماء أو من خلال أحداث مهمة ومؤثرة، ونجد الفانتازيا التي لا تفارق نهجه القصصي، ونجد المرأة حاضرة وفاعلة والتي لا تفارق ابطاله مطلقا، وإذا ما أضفنا الصور الأدبية التي ينثرها بين ثنايا الأحداث والتي تخفف من وطأة قسوتها على المتلقي، ونضيف اللغة القصصية التي يستخدمها، من هنا يمكننا القول: كل هذا يحسب "لعلي السباعي" الذي أخذ مكانته ككتاب قصة لا يقلد احداً ولا يشبهه أحد.
قصة "مريم البلقاء" تدور حول مقتل "مريم" حبيبة "سبعي" وبما أن الاحداث متعلقة بالقتل وما فيه من وحشية ودماء، فكان لا بد للقاص أن يخفف من وطأة الحدث على المتلقي، فاستخدم الصور الأدبية التي تعطي القارئ شيء من الجمال والراحة التي تهدئ وتخفف من وتيرة العنف، ونجده أستخدم الفانتازيا التي تجعل القارئ يبحر في عالم آخر غير عالم العنف والقسوة التي تجري في القصة.
من مشاهد الفانتازيا في القصة "هكذا اكتسبت عمتي بنود نظراتها في التدجين من خطة رضاعة حليب الأطفال وبإرادة عمي دجنت ابن أوى وجعلته يستأنس العيش داجنا قبالة دجاجاتها" بالحديث عن الرضاعة جعل القاص المشهد بمجمله مشهد فانتازيا، بعيد عن المنطق العقلي، ولا يمكن أن يركب في أي منطق بشري.
وعندما يذهب "سبعي" لزيارة المقبرة يسمع هناك "صوت مريم، ذهل الناس أمام هذا الصوت المنبعث عن كومة أحجار تشاهد قبرها حسبوا أنفاسهم كأن الناس جمعوا لأخر مرة ليسمعوا نداء الحشر، ثم وإذا بصرخة ثالثة نافذة الصبر هوت المقبرة بمن فيها" بهذا الطريقة يجعلنا "علي السباعي" نخرج من سواد الأحداث الواقعية إلى عالم آخر، حتى لو كان فيه السواد، فغرابة الحدث وتعديه للمنطق يجعل المتلقي مدهوشا، ويبحر في عالم من الخيال بعيدا عن مسارها العادي والمنطقي.
ولا يكتفي القاص بهذا المشهد بل يخلق لنا حوار بين "سبعي ومريم":
"ـ هلا جئتني ميتا يا سبعي؟
بوجهها الأبيض العريض وعينيها اللتين كانتا دائما: خائفتين، ومتشككتين قليلا، قلت وكانت مريم صامتة:
ربما كرهت يا مريم أنك مت هكذا ميتة؟
نظرت إلي وقالت:
يا سبعي، كانت ميتة مرعبة، لذا جئت إليك.
تطلعت إلي بعينيها الخائفتين المتشككتين وقالت:
أتوسل إليك أن تصنع لي جميلا؟ أتوسل إليك يا سبعي أن تأتي معي.
قلت بصوت اثقلته المفاجأة
أ إلى الموت؟
قالت:
نعم وبسرعة إلى الموت" يقدمنا القاص من كتاب "مسامرات الأموات" ل"لوقانيوس" لكن هنا الحوار يتم بين ميتة وحي، وهذا ما يجعل الحوار مدهش ويثر العقل والتفكير عند القارئ.
وهناك العديد من المشاهد الأخرى التي جاءت بشكل الفانتازيا، كل هذا يخفف من حدة السواد في القصة ويعطيها لمس من الخيال الذي يبعد القارئ من العالم الواقعي للأحداث إلى عالم أخر.
يعيدها القاص إلى طقوس موت الإله "تموزي" والندب الذي مارسه العراقي القديم منذ سومر إلى ندب الحسين اليوم، من خلال هذا المشهد: "نسوة بأعمار مختلفة يشاركنني الندب والبكاء... الشابات يشاركن بنات عمي اللطم، وما هي إلا هنيهات حتى راحت اجسادهن تتقافز رؤوسهن منفوشات الشعر تنطح الهواء الساكن، وتدافع مناكبهن بدأ واضحا مصحوبا بانصفاق أردافهن وارتداد اثدائهن المتدافرة كل زوجين يتلاكمن فوق لحمهن الحي الين الساخن برغوات زبدية ضوئية زعفرانية بحتة، تنسرب ظلالا سيالة بلالئ صهباوات ذائبة بفعل سخونة اللحم الأنثوي الطافح بعري يقظ ومرير" فهذا المشهد الطويل والذي من المفترض أن يكون سوداوي قدمه لنا "علي السباعي" بشكل مغاير، فجعلنا نهتم بالأجساد الرخوة والأثداء المهتزة بدل التركيز على حادث الندب، وهذا ما يجعلنا نقول أن القاص يعمل بأكثر من شكل وأكثر من طريقة ليخفف علينا قسوة الاحداث وابعادنا عن السواد والشدة التي يقدمها في قصصه.
من ميزات قصص "علي السباعي" تقديم معرفة للقارئ إن كانت تاريخ أم شخصيات مهمة معاصر أم تراثية، فهو يقربنا من أهم فنان عراقي إلا وهو "فائق حسن" والنحات البدع واضع أهم معلم فني في العراق إلا وهو "جود سليم" الذي صمم ونفذ "نصب الحرية" والذي يعد من أهم التحفة الفنية المعاصرة في بغداد، فالقاص يذكرنا "بخيول فائق حسن" في كل صفحة من صفحات "مريم البلقاء" وكأنه يريدنا أن تعرف أكثر على هاذين العظيمين، "فائق حسن وجود سليم" ونجد يذكرنا بحادثة الحلاج الذي قال " أقتلوني يا ثقاتي أن موتي حياتي" ويذكرنا بابن عربي وقوله "لا يهم لون القط ما دام يصطاد" ويذكرنا بعتر بن شداد من خلال تردد عبارة " أصح فقد ذبحت عبلتك وما زلت تحلم بها وأنت تمطي صهوة جوادك تضمها جوارك، أصح يا عنتر" ويذكرنا بأعياد الربيع والخصب العراقية القديمة، والتي تتماثل مع أعياد الربيع اليوم، فأعياد الخصب التي أقامها العراقي القديم احتفاء بعودة الإله "تموزي" من الموت تعتبر امتداد لأعياد نوروز اليوم، فمن خلال تناوله لأعياد "نوروز" والتي جاءت بهذا الشكل: "ارتدينا ملابسنا الجديدة، أخذنا معنا البيض الملون والشموع والحناء والخس، ... ذهبنا لزيارة مقام الخضر...زوار الخضر يسيرون بكثرة خلفنا وأمامنا" وكأنه بهذا يؤكد على التواصل بين ما أقامه العراقي القديم وما يقيمه العراقي اليوم من احتفاء بالربيع.
ونجد هناك العديد من الآيات القرآنية ينثرها القاص بين ثنايا أحداث القصة، والتي يحاول من خلالها أن يربط ذهن القارئ وبين مضمون الفكرة التي يسعى لتقديمها، "والعاديات ضبحا، فالموريات قدحا، فالمغيرات صبحا، فأثرنا به نقعا" فهذه الآيات تتحدث عن الخيل والقاص كما قلنا يريد أن يقربنا من "خيول فائق حسن" لهذا وجدنا "علي السباعي" يستخدم الآيات القرآنية التي تخدم فكلاته، وتقرب القارئ منها.
وعندما يحدثنا عن الغروب يقول: " السماء بدأت تكتسي مثل الأرض بالأحمر والقرنفلي الدموي، غطت دماءها القانية القرنفلية كل شيء ساعة الغروب فكان الغروب بلون الورد القرنفلي "فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان" وكأن القاص بهذا الاستحضار للآيات القرآنية يتعمد أن يقربنا من القرآن الكريم، وهذا يحسب له.
القصة موجود على هذا الرابط
https://www.intelligentsia.tn/مريم-البلقاء-قصّة-علي-السباعي