كعبةُ العَماء: كلمة لا بد منها 2

دلور ميقري
2018 / 1 / 15

في مقدمة رواية " تخلّ عن الأمل "، كنتُ قد نوّهت بالعبء الجسيم، المُلقى على عاتقي بوَصفي المالك الشرعيّ لمخطوطتها. إلا أنني آنذاك لم أتوقع البتة، أن تلك الرواية ستغدو من قبيل " دمية ماتريوشكا ". وهذا أحد مواطني الدمية الروسية، الناقد الكلاسيكي " باختين "، يكتب بأنّ الصدفة: " تلعب دوراً أساساً لكل الصلات التي تربط مصائر شخصيات الرواية، وهيَ من توجههم للإلتقاء بعضهم ببعض في الزمان والمكان، المطلوبين. إن كل ما هو مفاجئ وغير متوقع من وجهة النظر العادية، له حضوره في الرواية ".
للمفارقة، أن ثيمة الصدفة يمكن ملاحظتها أيضاً في الظروف المحيطة بكتابة الأجزاء الثلاثة المنشورة من خماسيتنا الروائية. أي أنها، الصدفة، وجدت لها مكاناً خارج متن العمل الروائي وليسَ فقط في داخله. بل بلغ الأمرُ بي، فيما يتعلق بهذه الثيمة، حدّ كتابة حاشية مطولة للجزء الأول من الخماسية، والمُعنون ب " تاجرُ موغادور ". ذلك كررته أيضاً في الجزء الثاني، " تخلّ عن الأمل "، وكان من حاشيتين؛ إحداهما في مقدمته والأخرى في خلفيته. كل ذلك كان يبدو نافلاً ( مع أنه ضروريّ حقاً )، بالنظر إلى كونه كتابة من خارج سياق السرد. أما لِمَ ذلك كان ضرورياً بزَعمي، فلأنه يخصّ رواية على شكل مذكرات؛ رواية، بقيت أوراق مخطوطتها أعواماً طوالاً طيّ الكتمان والنسيان. فإحدى تلك الصدف الموصوفة، كشفت لي آنئذٍ عن وجود مذكراتٍ مكتوبة من لدُن شقيق الراوية " شيرين ". هكذا صارَ بالوسع تفهّم أهمية الصدفة، المتأتية من خارج متن السرد، طالما أنها أدت لميلاد رواية جديدة بخط ذلك الشقيق؛ وأعني بها روايتنا المنشورة، " الفردوسُ الخلفيّ ".
وإذاً، كان على " ماتريوشكا " خماسيتنا أن تكون بمثابة الرحم لروايتين حتى الآن. إنّ " فرهاد "، شقيق الراوية، عليه كان أن يختتم مذكراته المعنونة ب " الفردوسُ الخلفيّ " بمفاجأة أكثر جدّة. وأعني، رسالة السيدة السورية الغنية، " سوسن خانم "، التي وصلته من مراكش وكان فيها تلميحاً عن شروعها بتسجيل مذكراتها. في رسالتها، سنعلمُ كذلك بكون هذه السيدة قد تمكنت من امتلاك مخطوطة مذكرات المسيو الفرنسيّ " غوستاف ". بغية إنعاش ذاكرة قارئ روايتنا الأخيرة، " الفردوسُ الخلفيّ "، فإنني أُعيده إلى ما ذكرته " سوسن خانم " حول تلك المخطوطة: لقد عرفنا منها، أن المخطوطة مترجمة للعربية من قبل مؤلفة رواية " تخلّ عن الأمل "، التي سبقَ أن كانت سكرتيرة للمسيو الفرنسيّ قبل أن تصبح زوجته.
ما سلفَ من حديث عن المصادفة، يضعنا في جوهر نظرية الخيال الأدبيّ من حيث ماهيتها كتوأم للحقيقة/ أو الواقع. فلا وجود للخيال خارج الواقع، والعكس صحيح أيضاً. القارئ النبيه، ومن خلال متابعته لمتن الرواية الجديدة هذه، لن يصعب عليه ملاحظة ما فيها من تعارض في بعض الوقائع مع ما سبقها من الروايتين السابقتين، الموسومتين. إلى ذلك، تمنحنا مؤلفة العمل الجديد فرصة ثمينة لرؤية تلك الوقائع من وجهة نظرها الشخصية وبوصفها من أبرز الشهود. من ناحيتي، فإنني إذ أبذل جهدي لتأكيد صلتي بالعمل الجديد كمنقح له حَسْب، فإنّ ذلك لن يمنعني من تحمّل جزءٍ من مسؤولية التأليف. لأنّ كل نصٍ أدبيّ، كما يقول رولان بارت، إنما هوَ في حقيقته نتاج عملية التنقيح.

للكلمة بقية ..