غدًا أُغرِّد مع عصافير شُرفتي

فاطمة ناعوت
2018 / 1 / 15




مثل كثيرين غيري في كلِّ بقاع الأرض، أهوى تربيةَ العصافير، خارج القفص. في الحقيقة، لا قفصَ هناك على الإطلاق. إنها عصافيرُ السماء واليماماتُ التي تُحلِّقُ في سماءِ الله حُرَّةً. فإذا ما تبعثر الشَّفَقُ في سماء الكون، يتلوه الغَسَقُ البرتقاليُّ الآسرُ، حَطَّتِ العصافيرُ على الأشجار، حتى تبيتَ ليلَها في أعشاشٍ لا يعلمُ أماكنَها إلا الله. وإذا ما الفجرُ شقشقَ من جديد، وابتسم النهارُ في وجه الشمس، خرجتِ العصافيرُ تطلبُ رزقها. وفي شُرفتي الجميلة، بعضٌ من رزقها الوفير المنثور في بقاع الأرض. على أغصان الشجيرات، أُعلِّق أراجيحَ صغيرةً مُلوّنةً؛ مُثبَّتٌ عليها قواريرُ زجاجيةٌ مقلوبة؛ أملأ بعضها بالماء، وبعضها بالحبوب والبذور مما يأكل الطيرُ. تزورني العصافيرُ في السابعة من نهار كلِّ يوم، تأكلُ وتشرب وتُصوّصو وتُغنّي. فإذا ما انشغلتُ يومًا عنها وتأخرتُ عن ملء الأراجيح بالخير والحُبِّ والحَبِّ، نقرتِ العصافيرُ على زجاج النوافذ في غرفة نومي وفي غرفة مكتبي حتى تُنبّهَني على تقصيري، فأصدعُ لها وأهِمُّ بالواجب المقدّس، وأنا أعتذر.
في إهداء ديواني الشعري التاسع: “شُرفتي مَحَطُّ العصافير"، كتبتُ الإهداءَ على هذا النحو: "إلى العصافيرِ التي تزورُ شُرفتي/ كلَّ صباح. بكامل الحرية تملأون بيتي زقزقةً وغناءً وصَدحًا…/ من دون قفصٍ…/ فأنا لا أقايضُ حريةً بماءٍ وقمح…/ فشكرًا على الموسيقى/ وشكرًا على الشَّدو.”
فإذا ما سافرتُ في عملٍ، أو أقعدني مرضٌ، تعلمُ العصافيرُ أن رزقَها في شُرفتي مَحمِيٌّ بقوى النظام الكونيّ الدقيق. فلا ماءٌ يجفُّ من قارورة، ولا حَبٌّ ينفدُ من صحنٍ، ولا حُبٌّ يخفُت في قلب. في سفري يقومُ رفيقُ الدرب "نبيل" بالمهمة النبيلة التي تضمنُ ألا ينقطعَ الشَّدوُ عن بيتي. من تونس الخضراء، أرسلتُ لعصافير شُرفتي الشهر الماضي هذه الرسالة: “لا تَخفْن يا عصافيرَ شُرفتي من غيابي في السفرْ. فبينما أنا فوق جبالِِِ البربرْ أجمعُ الزهرَ والرياحين لأجدِلَ بها ضفائرَ بلادي/ ثمّة بُلبلٌ فارسٌ يقطعُ الآن سهولَ الوديان ويحصدُ الحقولَ والسنابلَ/ ليجمعَ لكُنَّ في كفّيه حِفنةَ القمحِِ اليومية والشَّعير/ وإنّه على الِله رزقُكُن/ فالسماءُ لا تنسى عصافيرَها.”
في البدء، كانتِ العصافير تجفلُ وأنا أضعُ لها الطعام والماء في صحونها وقواريرها وأراجيحها. فتطير إذا ما دخلتُ الشرفةَ، وتظلُّ ترقُبُني من بعيد. فإذا ما مضيتُ إلى حال سبيلي، جاءت إلى طعامها وشرابها. ومع الوقت، حين تأكدتِ العصافيرُ أنني كائنٌ مسالم، لا أحمل لها الأذى كما يحملُ القُساة، بدأتْ تطمئنُ إلى وجودي بينها، وتلتقطُ الحَبَّ من كفّي. بل وسمحت لي أن ألتقط لها الصورَ وهي تشدو وتُرفرِفُ بجناحيها وتنادي على رفيقاتِها لتُخبرها أن ثمة طعامًا ها هنا وأن المأدبة قد طابت زينتُها. وصرتُ أنشر على صفحتي صور عصافيري الطليقة التي لا يحدُّ حريّتَها قفصٌ ولا تقطعُ المدى أمام عينيها قضبانٌ قاسية فتُشوّه صفحةَ السماء. والجميل حقًّا هو أن كثيرين من قرّائي بدأوا يفعلون ما أفعل. فمن لديه عصفورٌ في قفص، فتح له الباب وأطلق سراحه وظلّ يقدّم له الطعام والشرابَ حُرًّا خارج القفص. ومن لم يقتن عصافيرَ أو طيرًا، صنع لها أراجيج وقوارير ملأى بالخير والحبّ فامتلأ بيته بالشدو الحُرّ غير المرهون بسرقة الأعمار والحريات. فشدوُ الطيور لا يكون أجملَ إلا إن كان حُرًّا. حقيقةٌ علمية لا جدال فيها. كما الإنسان، لا يُغنّي إلا إن كان حُرًّا.
وغدًّا الثلاثاء 16 يناير، في السابعة مساءً، يُنظّم لي "أتيلييه القاهرة" العريق أول أمسيةً شعرية لقراءة بعض من قصائد ديواني الجديد الذي يصدر مع معرض القاهرة الدولي للكتاب عن دار “روافد”. وحين نُشر الخبر، وجدت أحد أصدقاء صفحتي: الكاتب "خالد جعفر"، قد كتب ما يلي على صفحته: “غدًا تُغرِّدُ الشاعرةُ مع عصافير شُرفتها في أتيلييه القاهرة". فأعجبتني التغريدة وقررتُ سرقتها ووضعها في عنوان هذا المقال الذي تقرأونه الآن.
"لا شيءَ يُطعِمُ العصافيرَ/ سوى حباتِِّ الشَّعير/ التي تتدفأُ في صدورِ البنات…/ لهذا
يخبئُ الفلاحون نهودَ الصبايا/ داخلَ مِخلاتٍ يحملونها على ظهورهم/ ويمضون.”