زيدان وسعد الدين إبراهيم، ما الطبيعي في التطبيع!

حاتم الجوهري
2018 / 1 / 15

تزامنت مؤخرا الأطروحة النظرية لـ د.يوسف زيدان عن تفكيك "رفض التطبيع" مع دولة الاحتلال "إسرائيل"، انطلاقا من وجهة نظره تجاه قضية الصراع العربي الصهيوني القائلة بان التطبيع هو النظر للأمور على طبيعتها (بمعنى أنه يقصد إما قبول الأمر الواقع والهيمنة الصهيونية والغربية، أو يقصد تبرير الهزيمة وتقديم المبررات العقلية والمعرفية لها ليقبل العربي بانسحاقه وانهزامه أمام الصهيونية كامر عادي وطبيعي).
وتزامنت هذه الأطروحة النظرية لـ زيدان مؤخرا، مع التطبيق العملى لها عندما زار د.سعد الدين إبراهيم دولة الاحتلال "إسرائيل"، وقال ان ذلك أمرا طبيعيا استجابة لدعوة وصلته عبر أحد أصدقائه من المستوطنين الصهاينة من الجامعة العبرية! وهنا يجب الرد على الرجلين..

الصهيونية بين الطبيعي في الواقع والطبيعي في الفهم
الصهيونية ودولتها هما عدوان في الواقع المتجسد على الأرض، وعدوان في الفهم العقلي النظري لمعرفة الأمور وإدراكها.. في الواقع المتجسد الصهيونية احتلت الأرض ومارست الإرهاب والاضطهاد والتفرقة العنصرية ضد عرب فلسطين، وتآمرت وقامت باحتلال الأراضي العربية في حرب 1967، وما تزال تسيطر على أماكن في سوريا ولبنان، ناهيك عن احتلالها لأرض مصرية على البحر الحمر وإقامة عليها ميناء يسمي "إيلات"، ووقائع جرائم الحرب تجاه الأسرى المصريين مثبتة بالدليل وباعترافات الجنود الصهاينة التي جري فيما بعد.
وفي الفهم النظري والعقلي لمعرفة الإمور وإدراكها، يحول زيدان أن يقدم مسارا تاريخيا ودينيا وسياسيا لينفي حقيقة المشروع الصهيوني العنصرية الاستعمارية، ويحاول ان يلبسه ثوب البريء الضحية! وكأن العرب هم الذين احتلوا القدس وطردوا يهود الصهيونية منها، ويريدون هدم مقدساتهم، ويمارسون عليهم التفرقة العنصرية. يحاول زيدان على مستوي الفهم النظري والعقلي تطبيع وجود الصهيونية ويقدم النظريات المختلقة والقراءات المفتعلة التي تبرر ذلك، ولكن كل نظرياته الضعيفة والتي تقتطع من التاريخ وتنتقي على هواها وتشوه الوقائع، تتحطم على صخرة العلم المجرد النظري والوثائق والمستندات التاريخية، وتتكسر تماما على المستوي الواقعي بوصف الصهيونية هي حركة للهيمنة وكبح جماع الذات العربية ومشروع نهضتها.

البديل الصهيوني الأمريكي لـ "الجامعة الإسلامية"!
فعلى سبيل المثال كل ما أثير عن "تطبيع" ودمج "إسرائيل" في المنطقة منذ التسعينيات، لم يكن سوى محاولة لفرض سيادتها وتغيير هوية المنطقة العربية لتصبح خادما في المخططات الأمريكية السياسية والجغرافية، ومحو مركزية العرب في بلادهم نفسها، عن طريق تمديد المنطقة لتركيا وإيران وباكستان وتحويل دولة الاحتلال إلى مركز قيادة وسيطرة اقتصادية وسياسية، فيما عرف بمشروع "الشرق الأوسط الكبير" الذي روجت له أمريكا في حينه.
وحتى في ظل الضعف العربي بالتسعينيات، بعد تفكيك العراق ولبنان والصومال واستمالة إريتريا بعيدا عن هويتها العربية (التي لولاها لتحول البحر الحمر لبحيرة عربية)، رفضت الصهيونية العنصرية المخطط الأمريكي، وتم اغتيال إسحاق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي شريك أمريكا، لتقود الصهيونية ودولتها أمريكا نحو جولة اخري من المواجهة وخلق التناقضات بدأت بضرب برجين التجارة في أمريكا في مطلع الألفية الجديدة.
لكن الشاهد هنا أن الغرب وأمريكا والصهيونية تتعامل مع المنطقة من منطق فرض السيطرة، ولم ينس الغرب البنية السياسية والهوية التاريخية القديمة للمنطقة، فحاول استخدام دولة الاحتلال كرأس حربة لخلق مشروع سياسي يحتوي الدولى الإسلامية الكبري ويهيمن عليها، تحت اسم "الشرق الأوسط الكبير" كبديل لمشروع الدولة الإسلامية الكبري (المعروف تاريخيا بدولة "الخلافة")

ما الطبيعي في الصراع العربي الصهيوني؟
يُجَمّل الواقع من يقول بوجود نزاع فلسطيني-إسرائيلي محدود على الأرض، لو كان الأمر كذلك لماذا إذن لم تقبل دولة الاحتلال في التسعينيات مشروع الشرق الأوسط الكبير والسلام مع الفلسطينيين في مقابل الأرض! لو أن الأمر مجرد نزاع على الأرض لاعتبرنا الصراع مجرد بنية فرعية في مشروع الوجود العربي، لا تعطله و لا تخلق له الأزمات التي يكون رد فعل سياسي لها باستمرار. لكن منذ خروج الدول العربية من مرحلة الاستعمار والتمدد الأوربي، وتظل الصهيونية هي "الثقب الزمني" لتثبيت وابتلاع مشروع الوجود العربي عند النقطة صفر، والحفاظ عليه في أزمة دائمة تخدم النفوذ الغربي والهيمنة.. وتمنع إرهاصات مشاريع النهضة واستعادة الذات بعيدا عن تناقضاتها المسبقة.

أثر التطبيع على موقف العالم
لذا فالطبيعي أن ينظر العرب للصهيونية ودولتها المقامة على الأرض المحتلة في فلسطين كعدو، ولكي يدرك الناس أهمية تطبيع العلاقة مع دولة الاحتلال، يجب أن القول أن الصراع حتي ما قبل معاهدة السلام مع "إسرائيل" أواخر السبعينيات، كان يسمي في العديد من المحافل العلمية الدولية بالصراع العربي الصهيوني، ولم تعترف دول العالم وتقيم علاقات طبيعية وديبلوماسية مع دولة الاحتلال، إلا بعد الخطوة المصرية. ثم انطلاقا منذ ذلك التاريخ تحول اسم القضية في المحافل الدولية إلى "المسألة الفلسطينية"، أي ان المشكلة انتقلت من العلاقة مع الصهيونية ومصيرها، إلى مصير الفلسطينيين ومستقبلهم بعد قبول مصر بدولة الاحتلال وخيارات الرئيس الراحل أنور السادات.

ما تفرضه السياسة وما يفرضه الواقع
ثم يتحجج د.زيدان ود.سعد الدين إبراهيم والكلام بنص حوارتهم التليفزيونية الأخيرة بحجة المساواة بينهم وبين رجال المفاوضات وأهل السياسة كمبرر ليروجوا للتطبيع وقبول الهزيمة وهيمنة دولة الاحتلال على المستوى الشعبي؛ فيقول زيدان: "إن رئيس الجمهورية ووزير الخارجية والهيئات الدبلوماسية رايحين جايين ومحدش بيتكلم"، ويقول سعد الدين إبراهيم: "ما نتهم الرئيس السادات بالخيانة، ما نتهم وزير الخارجية سامح شكري بالخيانة، هوا السادات وسامح شكري أكثر وطنية مني"..
والحقيقة أن تلك مزايدة مفتعلة وحجة رخيصة منهما، في كل العصور والحروب والنزاعات هناك ما يقومون بمهمة المراسلة والمفاوضات، وليس معني وجود من يقوم بمهمة المفاوضات والمراسلة في فترة تاريخية ما سابقة أو حالية، بأن يكون ذلك مبررا ليدعو البعض الناس للقيام بالتعامل مع الأعداء وقبولهم، مبررا موقفه بأن يتصرف كما يتصرف المفوضون بالمراسلة والتفاوض في أوقات الحرب والسلام!

كذبة العلمية وخداع الناس بالباطل
في واقع الأمر سعد الدين إبراهيم ويوسف زيدان، ينسلخان عن هويتهما التاريخية العربية، بحجة أن بها من القصور الكثير، ويقدمان الحل لذلك القصور في مشروع الذات العربية وتاريخها بالانسحاق والذوبان في الآخر المستعمر الصهيوني والغربي، دون أن يكونا بالأمانة والجدية العلمية ليشرحا للناس السياق التاريخي الذي أنتج القصور المعاصر في مشروع الذات العربية وكبح نهضتها.
إن دورة الضعف الحضاري الحالية التي تمر بها الذات العربية حاليا، تعود لفترة التمدد الأوربي الاستعماري معرفيا وواقعيا (نظريا وتطبيقا)، وكل التناقضات الفكرية والسياسية الراهنة في طبقات المشهد العربي، ليست سوي رد فعل لفترة النهضة الأوربية والمشروع الصهيوني. ليبقي الحل في الوعي بضرورة تجاوز هذه المنطقة برمتها، وخروج مشروع حضاري عربي متجذور في أرضه ومتسق مع ذاته ليس رد فعل للحالة الاوربية وتناقضاتها.

يبقى ذلك هو السبيل الوحيد الحقيقي للانتصار على الصهيونية والمخططات الغربية، ويظل الصمود وكشف طبيعة الأمور للناس واستشراف المستقبل، هو السبيل وجل ما يمكن أن نقدمه حتى ذلك الحين. فعلى أمل وصمود دائمين، وضد دعاة الاستلاب وتبرير الهزيمة وتطبيع وجودهما في الوعي العربي، وسرقة مقدرات العرب الكامنة في حاضرهم ومستقبلهم.