أفق كمونة باريس : الثورتان البلشفيّة و الصينيّة كإمتداد و تعميق لها – مقتطف من - الديمقراطية : أكثر من أيّ زمن مضى بوسعنا و يجب علينا إنجاز أفضل من ذلك - تأليف بوب أفاكيان

شادي الشماوي
2018 / 1 / 15


أفق كمونة باريس : الثورتان البلشفيّة و الصينيّة كإمتداد و تعميق لها – مقتطف من " الديمقراطية :
أكثر من أيّ زمن مضى بوسعنا و يجب علينا إنجاز أفضل من ذلك " تأليف بوب أفاكيان

ماتت الشيوعية الزائفة ...

عاشت الشيوعية الحقيقية !

تأليف بوب أفاكيان
[ لتنزيل الكتاب بأكمله نسخة بى دى أف : مكتبة الحوار المتمدّن ]
https://www.4shared.com/office/TAHEVgGAca/__-______.html
الماويّة : نظريّة و ممارسة
عدد 28 / جويلية 2017
شادي الشماوي

( ملاحظة : هذه الترجمة ليست رسميّة /This is not an official translation )
مقدّمة المترجم للكتاب 28 :
عنوان كتاب بوب أفاكيان الذى ترجمنا إلى العربيّة وننشر هنا هو" ماتت الشيوعيّة الزائفة...عاشت الشيوعيّة الحقيقيّة !" وهو ذات عنوان بيان شهير للحركة الأمميّة الثوريّة بصدد ما جدّ في أواخر ثمانينات القرن العشرين و بدايات تسعيناته في الإتّحاد السوفياتي و البلدان التي كانت تمثّل كتلته من تفكّك و تداعى و إنهيار . و الحركة الأمميّة الثوريّة وليدة الصراع بين الخطّين صلب الحركة الشيوعيّة العالميّة الذى خاضه ورثة ما سمّي بداية " فكر ماو تسى تونغ " و تاليا الماويّة ضد كلّ من التحريفيّة المعاصرة السوفياتيّة و التحريفيّة الصينيّة و التحريفيّة الألبانيّة أو الخوجيّة ، تنظيم عالمي لمجموعة كبيرة من الأحزاب و المنظّمات الماويّة أو الماركسيّة – اللينينيّة – الماويّة نشأ على أساس بيان الحركة الأممية الثوريّة لسنة 1984 الذى أردف لاحقا ، سنة 1993 ، ببيان " لتحي الماركسية - اللينينيّة - الماويّة " . و ظلّ هذا التنظيم العالميّ ينشط موحّدا إلى 2006 حيث حصل داخله إنشقاق أساسيّ كبير لعدّة أسباب أبرزها الإنحراف اليمينيّ ، التحريفيّ الإصلاحيّ للحزب الشيوعيّ النيبالي ( الماوي ) الذى أوقف حرب الشعب الماوية التي قادها لسنوات عشر و بدلا من إنجاز الثورة الديمقراطية الجديدة و تعبيد الطريق للثورة الإشتراكية بقيادة البروليتاريا و بالتالى تحطيم الدولة القائمة للطبقات الرجعيّة ، إنخرط في العمل في إطار الدولة الرجعيّة لإصلاحها . و قد سبق لنا و أن وثّقنا هذا الصراع داخل الحركة الأممية الثوريّة في كتابين تجدونهما بمكتبة الحوار المتمدّن و هما " الثورة الماويّة في النيبال و صراع الخطّين صلب الحركة الأمميّة الثوريّة " و " الماويّة تنقسم إلى إثنين ".
و بوب أفاكيان هو رئيس الحزب الشيوعي الثوري ، الولايات المتّحدة الذى كان من أهمّ الفاعلين في تشكيل الحركة الأمميّة الثوريّة و في قيادتها لذلك لم يكن مفاجأ أن يحمل بيان تلك الحركة نفس عنوان كتاب أفاكيان كما لم يكن مفاجأ أن تروّج أحزاب و منظّمات تلك الحركة لهذا الكتاب عبر العالم قاطبة و كذلك لم يكن مفاجأ عدم نشر الجزء الثاني المعدّ في الأصل لهذا الكتاب مع الجزء الأوّل منه بل صدر في مجلّة الحركة الأمميّة الثوريّة ، " عالم نربحه " عدد 17 سنة 1992 ورابطه على الأنترنت هو : http://www.bannedthought.net/International/RIM/AWTW/1992-17/index.htm. و قد إنصبّ إهتمام المؤلّف في الجزء الذى نشر بالمجلّة إيّاها على نقد إنحراف يمينيّ ديمقراطيّ برجوازي ظهر صلب قيادة حزب من الأحزاب المنتمية إلى الحركة الأمميّة الثوريّة ونقصد الحزب الشيوعي الهندي ( الماركسي – اللينيني) لجنة إعادة التنظيم. و بعد بضعة سنوات ، في طبعة ثانية للكتاب ، وقع ضمّ الجزء المنشور بالمجلّة إلى بقيّة الكتاب . لذلك لم نترجم الكتاب كما صدر في طبعته الأولى فحسب بل أضفنا إليه النصّ الذى نشر في " عالم نربحه ".
و لئن إنكبّ بوب أفاكيان في الجزء المنشور في مجلّة الحركة الأمميّة الثوريّة بتسليط سياط النقد على ذلك التوجّه التحرفيّ الإصلاحي فإنّه في الجزء الذى صدر من البداية ككتاب قد إعتنى بالردّ على الهجوم الإيديولوجيّ على الشيوعيّة الحقيقيّة ، الشيوعيّة الثوريّة من قبل الممثّلين السياسيّين و الأدبيّين للبرجوازيّة الإمبرياليّة و بالأخصّ ما صرّح به جورج بوش و برجنسكي المستشار السامي في إدارته .
و ليست هذه هي المرّة الأولى التي ينبرى فيها بوب أفاكيان و حزبه للتصدّى للدفاع المستميت عن علم الشيوعية و التجارب الإشتراكيّة للبروليتاريا العالمية وتعرية التيّارات التحريفيّة و الإصلاحيّة فقد رأينا بوب أفاكيان يقارع التحريفيّة الصينيّة التي إستولت على السلطة في الصين إثر إنقلاب 1976 و حوّلت الصين الماويّة الإشتراكيّة إلى صين رأسماليّة ، في كتاب " المساهامات الخالدة لماو تسى تونغ " و رأينا الحزب الشيوعي الثوري ، الولايات المتّحدة الأمريكيّة ، ينقد بصلابة الخوجيّة و يرفع راية الماويّة في كتابنا ، " الماويّة تدحض الخوجيّة و منذ 1979 " ، و رأينا هذا الحزب بقيادة بوب أفاكيان ، يفضح تحريفيّة و إصلاحيّة الحزب الشيوعي النيبالي ( الماوي ) في كتابنا " الثورة الماويّة في النيبال وصراع الخطّين صلب الحركة الأمميّة الثوريّة " ) و ألفيناه أيضا يواجه دغمائيّة بعض الأحزاب و المنظّمات التي كانت منتمية إلى الحركة الأممية الثورية من أفغانستان و الهند و إيطاليا و غيرها و معارضتها التعاطى مع الشيوعيّة كعلم و تطوير الماويّة تطويرا ثوريّا في كتابينا " الماويّة تنقسم إلى إثنين " و " آجيث صورة لبقايا الماضى " . و لتكوين فكرة عن الخلاصة الجديدة للشيوعيّة أو الشيوعيّة الجديدة التي يعتبر بوب أفاكيان مهندسها و التي يمكن أن تعدّ مزيجا من الدفاع عن المبادئ الشيوعيّة الصحيحة و مكاسب التجارب الإشتراكية من ناحية و نقد لبعض الإنحرافات و الأخطاء و تطويرثوريّ للماويّة أو الماركسيّة – اللينينيّة – الماويّة لجعلها أرسخ علميّا و أقدر على قيادة المرحلة أو الموجة الجديدة للثورة الشيوعية العالميّة من ناحية ثانية ، نقترح على القرّاء الغوص في كتابنا – المتوفّر هو و بقيّة الكتب الآنف ذكرها بمكتبة الحوار المتمدّن – " عن بوب أفاكيان و أهمّية الخلاصة الجديدة للشيوعية – تحدّث قادة من الحزب الشيوعيّ الثوريّ ، الولايات المتّحدة الأمريكيّة ".
و قد ينبرى أحدهم ليثير سؤال : ما علاقة كتاب " ماتت الشيوعيّة الزائفة ... عاشت الشيوعيّة الحقيقيّة ! " بمجريات أحداث الصراع الطبقيّ و الصراع الإيديولوجي تحديدا الآن و هنا ، بعد ما يناهز الثلاثة عقود من صدور ذلك الكتاب ؟ و الجواب في غاية البساطة : المسائل المطروحة و المناقشة مسائل ما إنفكّت تطرح على بساط البحث إلى اليوم في صفوف فرق اليسار عربيّا فضلا عن كون الهجوم الإيديولوجيّ على الشيوعيّة الحقيقيّة ، الشيوعيّة الثوريّة ما لقي تصدّيا كما يجب كمّا و نوعا من الشيوعيّين و الشيوعيّات في البلدان العربيّة و ما زلنا إلى اليوم نعانى أيّة معاناة من تبعات ذلك . و حتّى عالميّا ، لا تزال أفكار هذا الكتاب ليس صالحة و حسب بل تنبض حياة و على سبيل المثال سيتفطّن دارس الخطّ التحريفيّ الإصلاحيّ للحزب الشيوعي النيبالي ( الماوي) منذ 2006 و دارس نقد أفاكيان للحزب الهنديّ في الجزء الثاني من هذا الكتاب تقاطعا إلى درجة كبيرة بين أطروحات الحزبين المنحرفين و بالتالى بالإمكان إستغلال حجج أفاكيان في هذا المصنّف للردّ عليهما معا و حتّى على أشباههما ممّن صاروا من أنصار الديمقراطيّة البرجوازيّة المغلّفة بغلاف شيوعيّ في الكثير من بلدان العالم و على النطاق العربيّ أيضا .
و وحده من يسلك سياسة النعامة و يدفن رأسه في الرمل بوسعه إنكار ضرورة الفرز اليوم بين الشيوعيّة الزائفة أي التحريفيّة و الإصلاحيّة السائدتين داخل الحركة الشيوعيّة العربيّة من جهة و الشيوعيّة الحقيقيّة ، الشيوعيّة الثوريّة من الجهة الأخرى سيما و انّ التحريفيّة و الإصلاحيّة قد نخرا و لا يزالان أجسام حتّى القلّة القليلة الباقية من المنظّمات الشيوعيّة الثوريّة أو التي تدّعى ذلك ، و قد سمّما أفكار الشيوعيّات و الشيوعيّين و حوّلا تلك المنظّمات و أولئك الأشخاص إلى ديمقراطيّين برجوازيّين أو قوميّين شوفينيّين لا غير .
و من هنا يندرج عملنا هذا ضمن توضيح و مزيد توضيح خطوط التمايز بين علم الشيوعيّة كسلاح جبّار من أجل الثورة الشيوعيّة العالميّة من ناحية و الصورة المحرّفة و المشوّهة له التي يقدّمها التحريفيّون و الإصلاحيّون من الناحية الأخرى. غاية عملنا إذن هي مساهمة أخرى تنضاف إلى مساهماتنا السابقة في ممارسة الماركسيّة و نبذ التحريفيّة كما أوصانا ماو تسى تونغ . و يكفى إلقاء نظرة على مضامين هذا الكتاب الذى نضع بين أيديكم للتأكّد من مدى أهمّية و صحّة هذا و لا ظلّ للشكّ في أنّ دراسة القضايا المناقشة في هذا الكتاب ستساعف على كشف حقائق في منتهى الأهميّة و الدلالة و رفع الوعي الشيوعيّ الحقيقيّ و نشره في مجابهة أعداء الشيوعيّة و مزيّفيها . و بطبيعة الحال ، ينبغي عدم نسيان إعمال سلاح النقد و قراءة الكتاب قراءة نقديّة في علاقة بواقع أيّام كتابته و أيّامنا هذه و لما لا صياغة ملاحظات نقديّة تفيد في الجدالات و الصراعات في سبيل تطوير فهم علم الثورة البروليتاريّة العالميّة و تطبيقه من أجل تغيير العالم تغييرا شيوعيّا ثوريّا و تحرير الإنسانيّة من كافة أنواع الإستغلال و الإضطهاد.
و محتويات العدد 28 من " الماويّة : نظريّة و ممارسة " ، فضلا عن مقدّمة المترجم :
ماتت الشيوعية الزائفة ... عاشت الشيوعية الحقيقية !

مقدمة الناشر :
تمهيد :
موت الشيوعيّة و مستقبل الشيوعيّة
القمم الثلاث
1 / ماركس :
أ- المادية التاريخية هي الجانب الجوهريّ فى الماركسية :
ب- السرّ القذر للإستغلال الرأسمالي :
2 / لينين :
أ - الإقتصاد السياسي للإمبريالية :
ب- الحزب البروليتاري الطليعي :
ت- تطوّر الثورة البروليتاريّة العالميّة كسيرورة ثوريّة عالميّة :
3 / ماو تسى تونغ :
أ- نظرية و إسترتيجيا ثورة الديمقراطيّة الجديدة :
ب- مواصلة الثورة فى ظلّ دكتاتوريّة البروليتاريا :
4/ الماركسية - اللينينية - الماوية : توليف كلّي القدرة لأنّه صحيح

الجزء الأوّل
الهجوم الراهن ضد الماركسيّة : المراوغات و الردود
1/ أسطورة الأسواق الحرّة فى مقابل الإشتراكية الحقيقية :
2/ بصدد البرجوازية و " الطبيعة الإنسانية " و الدين : الردّ الماركسي :

3/ مرّة أخرى حول الإقتصاد البرجوازيّ و خلط البرجوازيّة للأمور:

4/ من يدافع حقا عن التحرر الوطنيّ و ما هو مفهوم الأمميّة :

5/ دكتاتورية البروليتاريا : ألف مرّة أكثر ديمقراطيّة ... بالنسبة للجماهير :

6/ الشيوعيّة ليست " طغيانا طوباويّا " بل هدفا قابلا للتحقيق و هدفا تحرّريا :

7/ " الماديّة التاريخيّة " الميكانيكيّة و الماديّة التاريخيّة الجدليّة :
الجزء الثاني
مرّة أخرى حول التجربة التاريخيّة للثورة البروليتاريّة – مرّة أخرى حول كسب العالم

1/ مسألة قوى الإنتاج :

2/ تقدّم الثورة العالميّة و تعزيزها :

3/ الثورة البروليتاريّة و الأمميّة : القاعدة الإجتماعيّة :

القيام بالثورة و دفع الإنتاج
1/ تحويل العلاقات بين الناس و تحويل الملكيّة :

2/ المساواة و الوفرة العامة فى ظلّ الإشتراكيّة :

3/ ماذا يعنى أن تكون الجماهير سيّدة المجتمع ؟

4/ البناء الإشتراكيّ فى الإطار العالميّ :

خاتمة
1/ المواجهة الإيديولوجيّة :

2/ نظرتان إلى العالم ، رؤيتان متناقضتان للحرّية :

3/ أبعد من الحقّ البرجوازيّ :

4/ التكنولوجيا و الإيديولوجيا :

5/ تغيير المجتمع و تغيير " طبيعة الإنسان " :

6/ الماديّة التاريخيّة و تقدّم التاريخ :

-------------------------------------------------------------------------------------
الديمقراطية :
أكثر من أيّ زمن مضى بوسعنا و يجب علينا إنجاز أفضل من ذلك
مقدّمة :
1 / بصدد الأحداث الأخيرة بالكتلة السوفياتية السابقة و بالصين

2/ أفق كمونة باريس : الثورتان البلشفيّة و الصينيّة كإمتداد و تعميق لها :

3 / ممارسة السلطة فى المجتمع الإشتراكيّ : القيادة و الجماهير و دكتاتوريّة البروليتاريا :

4/ الصراع الطبقيّ فى ظلّ الإشتراكيّة و أشكال الحكم الجماهيريّ :

5 / مشكلة البيروقراطيّة و دور الحزب و هياكل الدولة فى ظلّ الإشتراكيّة :

6/ تصفية التحليل الطبقيّ بإسم معارضة " الإختزاليّة الطبقيّة " :

7 / تقييم التجربة التاريخيّة :

8/ المركزيّة و اللامركزيّة و إضمحلال الدولة :

9/ إن لم تكن الطليعة هي التى تقود فمن سيقود ؟

10/ أيّ نوع من الحزب ، أيّ نوع من الثورة ؟

11 / النموذج الإنتخابيّ البرجوازيّ مقابل قيادة الجماهير لإعادة صياغة العالم :

12 / المركزيّة الديمقراطيّة و صراع الخطّين و الحفاظ على الطليعة على الطريق الثوريّ :

خاتمة : رفع التحدّى أم التنكّر للثورة ؟
ملحق " الديمقراطية :
أكثر من أيّ زمن مضى بوسعنا و يجب علينا إنجاز أفضل من ذلك "
حول الديمقراطة البروليتارية

( اللجنة المركزية لإعادة تنظيم الحزب الشيوعي الهندي ( الماركسيّ – اللينينيّ) )
1 / المقدّمة :

2/ دكتاتوريّة البروليتاريا :

3- ماركس و كمونة باريس :

4/ لينين و سلطة الدولة البروليتارية :

5 / السوفياتات و ممارسة دكتاتورية البروليتاريا :

6/ نقد وجّهته روزا لكسمبورغ :

7/ ماو و الدولة الديمقراطيّة الجديدة و الثورة الثقافيّة :

8/ الخطأ الأساسيّ :

9/ الدكتاتوريّة البرجوازيّة و الديمقراطيّة البروليتاريّة :

10/ الحاجة إلى توجّه جديد:

11 / دور الحزب الشيوعيّ و عمله :

12 / حلّ لغز الحزب الشيوعيّ :

13 / بعض المسائل الإضافيّة :

14 / الخاتمة :

---------------------------------------------------------------------------------------
ملحق الكتاب
فهارس كتب شادي الشماوي
++++++++++++++++++++++++++++++


2/ أفق كمونة باريس : الثورتان البلشفيّة و الصينيّة كإمتداد و تعميق لها :

بعد هذا ، لنعد إلى نظرة وثيقة اللجنة لما لخّصه ماركس بخصوص كمونة باريس فى مؤلّفه العظيم " الحرب الأهلية فى فرنسا " و خاصة فى ما يتعلّق بإلغاء الجيش القائم و تعويضه بالشعب المسلّح و أنّ كلّ موظّفى الكمونة قد وقع إنتخابهم و كان يمكن إقالتهم بأصوات الشعب ، عبر الإقتراع السريّ العام . و هذه الأجزاء من وثيقة اللجنة تذكّر كذلك بكيف أنّ لينين دافع عن تلك الدروس الأساسيّة فى " الدولة و الثورة " ( و بعض الكتابات الأخرى فى الفترة السابقة بالضبط لثورة أكتوبر و فى الفترة اللاحقة لها ) ، لكن بعد ذلك ، حتّى فى ظلّ لينين ، تحاجج وثيقة اللجنة بدأ الإبتعاد الأساسيّ عن هذا الطريق ( الفقرات 2-1و 6-6 ) .
أوّلا ، لا بدّ من " نظرة تاريخيّة عامة " . و هنا علينا أن ننبّه مرّة أخرى إلى أنّ فى تجربة الإتّحاد السوفياتيّ ( و تجربة الإشتراكيّة عموما إلى الآن ) ، لم تستطع فعليّا أن تطبّق تماما السياسات التى إنتهجتها كمونة باريس ( و لدرجة كبيرة ، فى البدايات الأولى من الجمهوريّة السوفياتيّة ) وهي سياسات أولاها ماركس الأهمّية الحاسمة . بالتركيز على مظهر مفتاح من هذا ، نرى أنّه لم يكن من الممكن إلغاء الجيش القائم كمؤسّسة و تعويضه بالجماهير المسلّحة . و هذا يرتبط إلى درجة كبيرة بما قد تحدّثنا عنه آنفا : إنّ الثروات التى أدّت إلى الإشتراكيّة لم تحدث فى البلدان الرأسماليّة المتطوّرة صناعيّا حيث البروليتاريا تمثّل غالبيّة السكّان ( أو على الأقلّ أوسع طبقة ) كما توقّع ماركس و إنجلز ، بل حدثت فى البلدان المتخلّفة تكنولوجيّا و ذات سكّان فلاّحين كثيفي العدد و حيث تمثّل البروليتاريا أقلّية صغيرة ، و لم تحصل تلك الثورات فى عدد من البلدان فى آن ، و إنّما تقريبا فى بلد واحد كلّ مرّة ( بغضّ النظر عن تجربة بلدان أوروبا الشرقيّة نتيجة الحرب العالميّة الثانية ، حيث وجدت بعض التحويلات فى مظاهر العلاقات الإجتماعيّة لكن لم يُوجد قط تحويل إشتراكيّ حقيقيّ للمجتمع ) : و عاشت البلدان الإشتراكيّة فى عالم لا تزال تهيمن عليه الإمبريالية .

أمّا بالنسبة لسبب عدم قدرة البلدان الإشتراكيّة إلى حدّ الآن ( وهو من المحتمل من غير الممكن لبعض الوقت فى المستقبل) على أن تلغي الجيش القائم و أن تعوّضه بالجماهير المسلّحة ككلّ ، فإنّنا نستطيع تلخيصه فى الآتي : سيتطلّب القيام بذلك تقدّما فى تحويل علاقات الإنتاج (و العلاقات الإجتماعيّة عموما ) و كذلك تقدّما فى تطوّر قوى الإنتاج إلى درجة يصير معها بإمكان الجماهير جميعها ، و ليس فقط جزء صغير منها ، أن تتنظّم و تتمرّس على الشؤون العسكريّة على مستوى يكون كافيا حقّا للتعاطى ليس مع المعادين للثورة " المحليّين " فحسب و إنّما ، أبعد من ذلك ، للتعاطى مع القوى العسكريّة للقوى الإمبرياليّة المتبقّية و الدول الرجعيّة الأخرى . عندما يتمّ بلوغ هذه الدرجة ، لن توجد بعد فعليّا حاجة إلى قطاع من الجماهير ( جسم خاص من الشعب المسلّح ) يتخصّص فى و يسخّر نشاطه الأساسيّ للشؤون العسكريّة و حينذاك يمكن للجيش القائم أن يُلغي و يُعوّض بالجماهير المسلّحة ، غير أنّه مرّة أخرى ، ما من دولة إشتراكيّة من الدول التى قد وُجدت إلى الآن قد توصّلت أو حتّى إقتربت ، فى أيّ مكان ، من هذه النقطة .

فى كتاباته بصدد كمونة باريس ، لم تكن لماركس ( و لينين عندما كتب " الدولة و الثورة " قبل ثورة أكتوبر ) تلك التجربة ليلخّصاها . و إلى درجة هامة ، بينما من الواجب الدفاع عن التوجّه الجوهريّ فى تلك المؤلّفات فى ما يتّصل بدكتاتوريّة البروليتاريا ، فإنّ عديد المظاهر الخصوصيّة لتحاليلها تعكس فهما غير كافى للنضال الشرس و المعقّد و المديد من أجل تحقيق التحويل الشيوعيّ للمجتمع ( و العالم ) بعد تركيز دكتاتوريّة البروليتاريا فى بلد واحد أو فى عدّة بلدان . و مع ذلك ، فإنّ كمونة باريس دامت شهرين لا غير و فقط فى أجزاء من فرنسا ( و لو أنّها أجزاء هامّة جدّا ) و ليس فى البلاد بأسرها .
و لصب ّ الإنتباه بصفة إستفزازية نوعا ما ، على الحدود التاريخية لكمونة باريس ، من المفيد إعادة ما صغته فى كتاب
" الديمقراطية : أليس بوسعنا أن ننجز أفضل من ذلك؟ " :

" بهذا المضمار، جديرة بالذكر هي الحجّة التى يقدّمها جيمس ميلار فى ما يتعلّق بنظرة ماركس لكمونة باريس فى1871: متمرّدو 1871 كانوا يشبهون بصفة لافتة للنظر المتمرّدين الباريسيّين فى 1792 و 1830 و1848 : حرفيّين و عمّال مياومين و صنّاع و منتجين خواص و محترفين و فقط بعض العاملين بالصناعة المعمليّة الجديدة . و مع أنّه يمكن النظر إلى كمونة باريس كتطوّر أخير للثقافة الشعبيّة الفرنسيّة المبنيّة على سياسات ساعد روسو فى تحديدها ، قبل ثلاثة أجيال ، فإنّه من العسير جدّا ، و خاصة على ضوء التاريخ المعاصر ، أن نجد فيها رائدا لثورة بروليتاريّة عالميّة . "

( ميلار ، " روسو " ، صفحة 260-261) .

" بينما تعدّ ملاحظات ميلار وحيدة الجانب و جملته الأخيرة بالخصوص خاطئة ( إنحياز ميلار البرجوازيّ هو الذى جعل من الصعب عليه أن يجد فى كمونة باريس 1871 " رائدا لثورة بروليتاريّة عالميّة " ) لكن تعليقاته ليست دون أيّة صلوحيّة إذ هي تعكس أنّ حتّى كمونة باريس هذه تجسّد كلاّ من العناصر القديمة ، الثورة البرجوازيّة و كذلك العناصر الجديدة ، الثورة البروليتاريّة و أنّه لم يكن بإمكانها ، فى حدّ ذاتها ، أن تستخدم كنموذج تام التطوّر لدولة بروليتاريّة ( خاصة نموذجا للمراحل الأولى من الثورة البروليتاريّة العالميّة و تحاصره دول برجوازيّة قويّة ". ( أفاكيان ، " الديمقراطية ..."، صفحات 38-39 ، الهامش 63 ) .

لا يمكننا أن نعقد مقارنة مثاليّة و ميتافيزيقيّة و نؤكد على أنّ على الواقع أن ينحني ليتطابق مع ما تصوّره ماركس ( ولينين، قبل ثورة أكتوبر بوجه خاص ) على ضوء تجربة كمونة باريس الهامة جدّا و لكن أيضا المحدودة جدّا . إذا فعلنا ذلك ، يمكن أيضا أن نشدّد على أن تقفز البروليتاريا فى الحال من الرأسماليّة إلى الشيوعيّة التامة و بالتالى تجنّب كلّ التناقضات المتضمّنة فى المرحلة الإنتقاليّة الإشتراكيّة و دكتاتوريّة البروليتاريا ! ما علينا أن نشدّد عليه هو تقييم الخطّ و الممارسة الرائدين للدول التى حصلت فيها مثل تلك الثورات لنرى ما إذا كانت فعلا متناغمة مع التوجّه الجوهريّ الذى سطّره ماركس من خلال تلخيصه لكمونة باريس و ما إذا كانت الخطوط و السياسات و المؤسّسات و الأفكار التى ميّزت تلك المجتمعات قد قادت بصفة شاملة إلى إتّجاه تحويل المجتمع نحو إلغاء الطبقات و معها الدولة ( و الحزب ) . و إنطلاقا من هذه المقاييس ، ينبغى لنا من جديد أن نعيد تأكيد " الفهم الماركسيّ- اللينينيّ التقليديّ "بأنّ الإتحّاد السوفياتي ، فى ظلّ قيادة لينين و ستالين ، و الصين ، فى ظلّ قيادة ماو ، قد مثّلا مواصلة لكمونة باريس.

نقطة أخرى يتعيّن تفحّصها هنا وهي طريقة أخرى فيها توقّعات لينين فى ما يخّص طابع الثورة البروليتاريّة لم يتمّ تأكيدها كلّيا . ففى السنة الأولى بعد ثورة أكتوبر ، كتب لينين :

" مصيبة الثورات الماضية أنّ الحماسة الثوريّة عند الجماهير ، هذه الحماسة التى كانت تدعم توتّرها و تبعث فيها القوّة لقمع عناصر التفسخ بلا رحمة ، إنّما كانت لا تدوم طويلا . و السبب الإجتماعيّ ، أي السبب الطبقيّ لهذه الرخاوة فى الحماسة الثوريّة عند الجماهير ، إنّما كان ضعف البروليتاريا ، القادرة وحدها ( إذا كانت بما يكفى من العدد و الوعي و الطاعة [ الأفضل فى الترجمة يكون الإنضباط ، حسب رأينا - المرتجم ] ) على حشد أغلبيّة الشغيلة و المستثمَرين ( أغلبيّة الفقراء ، إذا تكلّمنا بلغة أبسط و أكثر شعبيّة ) و الإحتفاظ بالسلطة زمنا طويلا كافيا لكي تقمع نهائيا جميع المستثمِرِين و جميع عناصر التفسّخ على حدّ سواء .

إنّ هذه التجربة التاريخيّة التى كدّستها جميع الثورات ، إنّ هذه العبرة – الإقتصاديّة و السياسيّة – التى يعطيها التاريخ العالميّ هي التى لخّصها ماركس فى صيغة وجيزة ، قاطعة ، دقيقة ، ناصعة : دكتاتورية البروليتاريا ."

( لينين ، " المهام الحالية أمام الحكومة السوفياتية "،" المختارات " في ثلاثة مجلّدات ، مجلد2 ، جزء 2 ، صفحة 277 ، التشديد فى النص الأصليّ ، دار التقدّم ، موسكو ، الطبعة العربية ) .

هنا كان لينين يقارن ثورة تقودها البروليتاريا و ثورات سابقة فيها لم تكن البروليتاريا قادرة على كسب قيادة النضال إلى حدود الإطاحة بالرأسماليّة و خوضه . لكن فى بعض المظاهر الهامة ، ما يقوله لينين هنا ، بشأن صعوبة الحفاظ على الحماس الثوريّ للجماهير ، قد بيّن أنّه ينطبق على الثورة البروليتاريّة عينها .

وهذا مرتبط بما مثّل السيرورة الفعليّة للثورة البروليتاريّة فى العالم حتّى الآن ( كما نوقشت أعلاه ) و ما يتّصل بها من أنّه تبيّن أنّ الإنتقال من الرأسماليّة إلى الشيوعيّة سيرورة طويلة الأمد و معقّدة و متعرّجة أكثر بكثير ممّا كان قد توقّعه سابقا ليس ماركس و إنجلز فحسب ، بل كذلك لينين ذاته قبل ثورة أكتوبر و فى الفترة الموالية لها بالضبط ( فى بداية العشرينات و فى السنوات الأخيرة من حياته ، واجه لينين بصورة شاملة أكثر مسألة أنّ من المحتمل جدّا أنّه سيكون على الثورة السوفياتيّة أن " تمضى لوحدها " لفترة من الزمن ) .

و بدوره ، كلّ هذا وثيق الإرتباط بكون هنالك طابع يشبه الموجة للصراع الطبقيّ فى ظلّ الإشتراكيّة و بوجه خاص طابع يشبه الموجة للإنتفاضات الجماهيريّة دفاعا عن دكتاتوريّة البروليتاريا و دفعا للثورة إلى الأمام فى ظلّ هذه الدكتاتوريّة . و بالعودة إلى موقف لينين حول الحفاظ على الطاقة و الحماس الجماهيريّين ، يمكن وضع المسألة على هذا النحو : كما إنتهى إليه الأمر ، مع المرحلة الإنتقاليّة الإشتراكيّة و دكتاتورية البروليتاريا الدائمة أكثر ممّا تمّ التوقّع و مع الثورات الإشتراكيّة الأولى التى لم تتّبع بثورات أخرى فى المجتمعات الأكثر تقدّما تقنيّا و مع تواصل وجود الدول الإشتراكيّة فى وضع محاصرة إمبرياليّة ، مع كلّ هذه العوامل التى ناقشنا ، من غير الواقعيّ توقّع ، و لم يكن الحال أنّ إستطاعت الجماهير أن تحافظ على درجة عالية و حادة من الحماس و الطاقة الثوريّين على قاعدة مستمرّة . فى الواقع ، توقّع أنّ تستطيع ذلك متناقض ليس مع التجربة فحسب بل أيضا متناقض مع مبادئ الجدليّة .
نظرا لكافة طبيعة سيرورة الإنتقال المتناقضة من الرأسماليّة إلى الشيوعيّة عالميّا و كجزء من هذه الطبيعة المتناقضة ، فإنّ دور الجماهير كحاكمة للمجتمع و كمالكة لوسائل الإنتاج فى ظلّ الإشتراكيّة أمر واقعيّ لكنّه غير مطلق ( إنّه نسبيّ و متناقض بحدّة ) و فى آن تُعبّر عنه مباشرة مساهمتها الخاصة فى كلّ مجالات المجتمع و بصفة غير مباشرة تُعبّر عنه وسائل عدّة ، و فى المصاف الأوّل الدولة و الحزب الطليعيّ .

مرّة أخرى ، ليس بوسع أيّة مقاربة شكلانيّة ( أيّ تأكيد على الديمقراطيّة الشكليّة كجوهر المسألة ) حتّى أن تعالج بجديّة هذا التناقض ، ناهيك عن حلّه . و التشديد على مثل هذه المقاربة هو فعلا عمل يتّفق مع مبادئ الديمقراطيّة البرجوازية و مع مصالح البرجوازية فى مهاجمة دكتاتورية البروليتاريا و تقويضها تحديدا على ذلك الأساس ذلك أنّه لا يتماشى ، فى جميع النواحي الهامة ، و مبادئ الديمقراطيّة الشكليّة و أنّه بالتالى ، يمثّل نقضا للديمقراطيّة ، حتّى بالنسبة للذين تمارس بإسمهم .

و لنسلّط الضوء على مزيد النقاط الخاصة بهذا الموضوع .

تقول الوثيقة : " هذا البرنامج العام لإفتكاك السلطة أنجزه مندوبو المؤتمر الثاني لسوفياتات عمّال و جنود عموم روسيا المنعقد فى 25-26 أكتوبر 1917 " ( فقرة 5-2) .

بيد أنّه من المهمّ ملاحظة أنّ البلاشفة لم يترقّبوا هذا المؤتمر ليفتكّوا السلطة فقد شرعوا فى الإنتفاضة المسلّحة قبل هذا المؤتمر . و مثلما يُسرد فى " تاريخ الحزب الشيوعي للإتحاد السوفياتي ( البلشفي) "، فإنّ مؤتمر سوفيتات عموم روسيا إفتُتح " حين كانت بعدُ إنتفاضة بتروغراد فى تدفّق تام للإنتصار و قد صارت السلطة فى العاصمة فعليّا بأيدى سوفيات بتروغراد " ( " تاريخ الحزب الشيوعي للإتحاد السوفياتي ( البلشفي ) " ، الباب السابع ، الجزء 6 ، باريس 1971 ، نشر نورمان بيتون ) . و قد عارض تروتسكى و آخرون ذلك واقفين على المسألة الشكليّة أنّه ينبغى على الإنتفاضة المسلّحة أن يعلنها مؤتمر سوفياتات عموم روسيا . و يرتبط كلّ هذا بالنقطة التى عرضنا آنفا ( فى ملخّص الإستنتاجات العامة ) حول كيف أن التشديد على الديمقراطيّة الشكليّة الذى يُميّز وثيقة اللجنة سيؤدى منطقيّا إلى إعلان أنّ الإنتفاضة المسلّحة التى قادها البلاشفة خرق للديمقراطيّة و إخفاق فى التعويل على الجماهير ، من خلال مؤسّساتها الممثّلة ، فى القيام بإفتكاك السلطة . و يلتقى هذا بصورة كبيرة مع الحجج التى قدّمها تروتسكي آنذاك ، و لئن تمّ الإستماع إلى تلك الحجج ، كان من المحتمل جدّا أن تجهض الإنتفاضة المسلّحة و عندئذ لم تكن لتوجد قط ثورة أكتوبر نتجادل بشأنها .

تعتقد وثيقة اللجنة أنّ القرار البلشفيّ الخاص بالإنسحاب من المجلس التأسيسيّ " كان ذلك مبرّرا بمعنى أنّ سلطة السوفيات التى إنبثقت عن الثورة كانت تمثّل حقيقة الإرادة السياسيّة للغالبيّة العظمى من الشعب ". و تقول كان من المبرّر حينذاك حلّ المجلس التأسيسيّ بقرار من اللجنة المركزيّة لسوفياتات عموم روسيا وهو قرار إتّخذ بمبادرة من البلاشفة "( فقرة 5-4 ) .
لا حظوا جيّدا : " كانت تمثّل حقيقة الإرادة السياسيّة للغالبيّة العظمى من الشعب " ( هذا صحيح و كما جرى التشديد عليه سابقا ، فإنّ هذا ينطبق كذلك على تنفيذ الإنتفاضة المسلّحة ، حتّى و إن لم يكن ذلك قد أُنجز بصرامة بقرار مؤتمر سوفياتات عموم روسيا أو بالموافقة الشكليّة لغالبيّة الجماهير ، من خلال أجهزتها المنتخبة . و بالفعل هذا هو المقياس :أن يكون الأمر أو لا يكون متطابقا مع المصالح الجوهريّة و أيضا مع " الإدارة السياسيّة " لجماهير الشعب هو لبّ المسألة وهو إلى حدّ بعيد حاسم أكثر من مسائل الديمقراطيّة الشكليّة . لكن هذا المقياس تحديدا الذى " تنساه " الوثيقة ( وتتخلّى عنه و تعوّضه بمقياس الديمقراطيّة الشكليّة ) فى " إعادة فحصها " للتجربة التاريخيّة لدكتاتوريّة البروليتاريا ( و الشيء ذاته ، فى ما يخصّ " تاريخ الحركة الشيوعيّة بأسره و المفاهيم الأساسيّة التى رفعنا عاليا إلى الآن ".

ثم تقول الوثيقة: " إلاّ أن ما كان يتطوّر كنظام سياسيّ جديد كان ينزلق تدريجيّا تحت تحكم الحزب الشيوعيّ "( فقرة 5-7).

هنا تبدأ الحجّة حول " دكتاتوريّة الحزب " فى التحوّل أكثر إلى أوج التفتّح . و تستمّر الوثيقة لتؤكد " أعلن لينين بصراحة أنّ دور الحزب بإختصار " إثر سنتين و نصف السنة من السلطة السوفياتيّة ، برزنا بالأمميّة الشيوعيّة و قلنا للعالم إنّ دكتاتوريّة البروليتاريا لن تعمل سوى من خلال الحزب الشيوعيّ ." ( الأعمال الكاملة ، مجلد 32 ، صفحة 208، الطبعة الفرنسية ) . الآن إكتملت الدائرة . إنتهى البرنامج العمليّ لتركيز دكتاتورية البروليتاريا الذى إبتدأ بشعار جذاب " كلّ السلطة للسوفيات " ، إنتهى إلى واقع أنّ دكتاتوريّة البروليتاريا تمارس من خلال الحزب الشيوعيّ حيث صارت السوفياتات مجرّد دواليب فى الآلة . و حتّى إن كان نقد كاوتسكى نابع من زاوية نظر البرلمانيّة البرجوازيّة ، فى الواقع ، تبقى المسألة أنّ في الوضع العالميّ وقتذاك لم يظهر نظام سياسيّ جديد نوعيّا تُصوّر فى دكتاتوريّة بروليتاريا حقيقيّة ، لم يظهر كواقع تاريخيّ إذ ليست الطبقة و إنّما حزبها هو الذى يحكم فعلا ." ( فقرة 5-8) .

و بالفعل ، بعض المزاعم و التشويهات المقدّمة هنا متعلّقة بالمسائل الأساسيّة لذا من الضروريّ بحثها بشيء من العمق .

أوّلا ، لا يمكننا أن ندع يمرّ التعبير الذى يبدو بريئا ألا وهو "حتّى و إن كان نقد كاوتسكى نابعا من زاوية نظر البرلمانيّة البرجوازيّة ". فى الحقيقة "حتّى و إن " هذه هي بالضبط النقطة هنا فمعارضة كاوتسكى لدكتاتوريّة البروليتاريا كما مورست فى ظلّ قيادة البلاشفة ، منذ زمن لينين فصاعدا ، كانت متّصلة كلّيا ب " البرلمانيّة البرجوازيّة " فقد كان بالذات موقف مثل هذه " البرلمانيّة " هو الذى أدّى بكاوتسكى إلى تحريف ما كانت عليه دكتاتوريّة البروليتاريا هذه و إلى معارضتها . و فى الجوهر ، هو نفس الموقف الذى يشى ( أو يشوّه ) بتحريف كافة التجربة التاريخيّة لدكتاتوريّة البروليتاريا فى هذه الوثيقة . و حقّا تتميّز هذه الوثيقة بمنطق كاوتسكى من ألفها إلى يائها " حتّى و إن " كانت لا تعانق كاوتسكى بشكل مفتوح و تام .

و ينعكس هذا فى الإستعمال المحرّف و المشوّه لإستشهادات بلينين و ستالين فى هذا القسم من وثيقة اللجنة . فى الأوّل ، لننظر فى معالجة هذه الوثيقة لمواقف لينين حول المسألة الأساسيّة أنّ دكتاتوريّة البروليتاريا مثلما صرّح لينين بجلاء ، لن تنجح دون الدور القيادي للحزب الشيوعي .

فى نفس عمل لينين بالذات ( و على نفس الصفحة عينها ) الذى منه إقتطفت وثيقة اللجنة ، يوضّح لينين أنّ هذا لا يعنى أنّ الحزب يمارس الدكتاتوريّة عوضا عن البروليتريا أو أنّ الحزب منفصل بطريقة ما عن البروليتاريا فى ممارسته لهذه الدكتاتوريّة . و يوضح أنّ البروليتاريا هي التى تمارس الدكتاتوريّة غير أنّها لا تستطيع القيام بذلك دون قيادة الحزب . مرّة أخرى ، على نفس الصفحة المستشهد بها و عبر هذا العمل ( خطابات لينين فى المؤتمر العاشر للحزب ، فى مارس 1921) ، يشدّد لينين على انّها لنزعة فوضويّة و نقابوّية تلك التى لا تقدر على رؤية وحدة قيادة الحزب و ممارسة الجماهير البروليتاريّة للدكتاتوريّة و أنّ تُهما حول دكتاتوريّة الحزب تظهر فى إطار و إلى درجة معتبرة بسبب تأثير جوّ الإنحلال البرجوازيّ الصغير و من هنا وُجدت فى الجمهوريّة السوفياتيّة كنتيجة للحرب الأهليّة الطويلة و الإنخلاعات الضخمة و الإفلاس الإقتصادي الذى أفرزته تلك الحرب و فى إثرها ( لقد كان موقف عديد العمال و نظرتهم يضعفان تدريجيا فى تلك الظروف و كانت جماهير الفلاحين تفلس و لم تتم بعدُ إعادة تركيز العلاقات الإقتصادية بين العمّال و الفلاّحين و المدينة و الريف و لم تُعد صياغتها على قاعدة خطوط جديدة ) . ردّ لينين هذا على نقّاده حينذاك ينسحب بصفة جيّدة جدّا كردّ على مؤلّفى وثيقة اللجنة ، بعد سبعين سنة تقريبا .

أمّا فى ما يتّصل بموقف " صارت السوفياتات مجرّد أجهزة لنقل الحركة " فإنّه يبدو أنّ مؤلّفى الوثيقة يعتقدون أنّهم سجّلوا نقطة عميقة بإضافة " مجرّد " هنا . لكن كما شرح ذلك لينين ، لا وجود لأيّ شيء " مجرّد " حول ذلك . فقد اوضح، من جهة ، أنّ " الحزب يستوعب ، إذا جاز القول ، طليعة البروليتاريا ، و هذه الطليعة تطبّق دكتاتوريّة البروليتاريا " ( لينين : " عن النقابات " (مجموعة من المقالات و الخطب ) دار التقدم ، موسكو ، صفحة 405 ، ضمن خطاب "عن النقابات ، و عن الوضع الراهن ، و عن أخطاء الرفيق تروتسكي " ).

و يستشهد مؤلّفو هذه الوثيقة فعلا بهذا الموقف لدي لينين بيد أنّهم لا يدركون مغزاه إذ يبدو أنّهم جانبوا الأمر كثيرا بسبب إستعمال تشبيه " دواليب " بحيث أنّ بالنسبة لهم قليل الأهمّية أن يقول لينين أنّ السوفياتات تضطلع بوظائف الحكومة و أنّ هذه السوفياتات " مؤسّسات خاصة " وهي من " نوع جديد " ( لاحظوا ليست نفس المؤسّسات القديمة للمجتمع البرجوازيّ و إنّما تمثّل شكلا جديدا راديكاليّا من سلطة الدولة وهي تضطلع بوظائف الحكومة ) كيف و بأيّة نظرة يمكن حذف المغزى التاريخيّ لهذا؟

نعم ، يناقش لينين بصراحة مسألة أنّ : " البروليتاريا ، لا عندنا فقط ، فى بلد من أشدّ البلدان الرأسماليّة تخلّفا ، بل أيضا فى جميع البلدان الرأسماليّة الأخرى ، لا تزال متفرّقة ، و مهانة و مرشوّة هنا و هناك ( من قبل الإمبرياليّة على وجه الضبط فى مختلف البلدان ) إلى حدّ أنّه يستحيل على التنظيم الشامل الكليّ للبروليتاريا أن يحقّق الدكتاتوريّة مباشرة . فلا يمكن أن يحقّق الدكتاتوريّة غير الطليعة التى إستوعبت الطاقة الثوريّة للطبقة ( نفس المصدر السابق ، صفحة 406) .

ثم يستطرد لينين ليصوغ الموقف الجالب لسوء السمعة بأنّ " الحاصل أشبه بعدد من العجلات المسنّنة " و " يستحيل تحقيق الدكتاتوريّة بدون بضعة " أجهزة لنقل الحركة " من الطليعة إلى جمهور الطبقة الطليعيّة ومنها إلى جمهور الشغّيلة."
( نفس المصدر السابق ، صفحة 407).

هنا ليس بإستطاعة المرء سوى أن يتساءل : ما الخطأ فى هذا ؟ أين ، فى أيّ جزء من هذا ، يوجد فهم أنّ الحزب يمارس دكتاتوريّة البروليتاريا و وظائف الحكومة عوضا عن الجماهير ؟ الإعتراض الوحيد الذى يمكن إثارته و الذى أثارته فعلا وثيقة اللجنة هو أنّ لينين يشدّد على الدور القياديّ للحزب . بوسعكم أن تعارضوا هذا إذا أردتم ذلك ( و من المؤكّد أنّ البرجوازيّة و عديد المناشفة و الإشتراكيّين الديمقراطيّين و هلمجرا ، منذ زمن لينين فصاعدا ، قد عارضوا ذلك بعنف ) لكن أيّ إنسان يدّعى أنّه شيوعيّ و أنّه يدافع عن دكتاتوريّة البروليتاريا ينبغى عليه مبدئيّا أن يبيّن كيف يمكن بالفعل للجماهير أن تمارس دكتاتوريّة البروليتاريا و تحول دون إعادة تركيز الرأسمالية دون الدور القياديّ للحزب ، أي ، دون الدور القياديّ المؤسّساتي للحزب . الواحد هو نفسه الآخر : الإعتراف بالدور القياديّ قولا بينما يقع التأكيد على ألاّ يكون دورا قياديّا مؤسّساتيّا مفاده فى الواقع ، نفس الشيء شأنه شأن إنكار الدور القياديّ ككلّ . و سوف نرى كيف أنّ وثيقة اللجنة تهدف بالذات إلى أنّ من الأفضل بكثير أن تبقى الجماهير دون الدور القياديّ ( المؤسّساتي ) للحزب فى ظلّ الإشتراكيّة و كيف تخفق الوثيقة ببؤس – كما عليها أن تخفق – فى تبيان ذلك .

كي توضع هذه المسألة برمّتها الخاصة بدور السوفياتات ( و تنظيمات جماهيريّة أخرى ) فى علاقة بالحزب الشيوعي فى أفق أرحب و تاريخيّ أشمل ، من الضروريّ أن " نميط اللثام " عن كلّ هذا الشيء قليلا . و فى المصاف الأوّل ، و لو انّ السوفياتات ، بمعنى حقيقيّ و عميق ، كانت من إبداع الجماهير ، فإنّها لم تكن بحال مسألة إبداع جماهيريّ " نقيّ " أو " عفويّ " بنقاوة . كانت السوفياتات إفرازا للصراع الطبقيّ فيه كانت الجماهير متأثّرة بعدد من القوى السياسيّة المختلفة و منها البلاشفة و كذلك المناشفة و عدد من الآخرين . و فى صفوف السوفياتات ، منذ بدايتها ، وُجد صراع مستمرّ و عادة ضار بين ممثّلي مختلف التيّارات ممثّلة ، فى النهاية ، مصالحا طبقيّة مختلفة .

تعبير له دلالة بالغة عن هذا الصراع كان مسألة ما هو ، برغم كلّ شيء ، الدور السياسيّ للسوفياتات و أيّة سيرورة ستكون هذه السوفيتات رافدا من روافدها . لنطرح ذلك على نحو بسيط ، رأى البلاشفة فى السوفياتات وسيلة تنظيم الجماهير للإطاحة بالنظام القديم و تحطيم آلة الدولة القديمة و ممارسة دكتاتوريّة البروليتاريا بينما رفض المناشفة و الآخرون هذا و قاوموه ( رؤيتهم للسوفياتات ناجمة عن نظرتهم البرجوازيّة الصغيرة ) و حين قادوا أو أثّروا فى السوفياتات و إلى درجة قيامهم بذلك ، تمّ ذلك فى إتّجاه تحويلها إلى تنظيمات جماهيريّة موجّهة نحو الإشتراكيّة الديمقراطيّة و/ أو نحو برامج فوضويّة ، فى تعارض مع إفتكاك البروليتاريا سلطة الدولة و ممارستها لها . و قد إستمرّ الصراع حول هذه الإختلافات الجوهريّة داخل السوفياتات قبل و غلى حدّ بعيد إلى إنتفاضة أكتوبر و قد تواصل باشكال متنوّعة بعد إفتكاك السلطة .

صحيح أنّ لينين أقرّ ، إثر إفتكاك السلطة ، بالحاجة إلى تعديل فى دور السوفياتات و علاقة الحزب بها الشيء الذى إنعكس فى مواقف لينين التى تستشهد بها الوثيقة . بيد أنّ هذا ينبغى أن يُفهم فى إطار الأحداث الملموسة وقتذاك و كذلك أن يفهم بأفق تاريخيّ أشمل . مثلما سبق و أن لاحظنا ، كانت تلك وضعيّة حرب أهليّة غير باعثة على كثير من الأمل و بالتالى حتّى بالإنتصار فى تلك الحرب ، فهو وضع تمزّقات و إنخلاعات و تفكّكات ضخمة إقتصاديّا و سياسيّا . و فى هذه الظروف ، تطوّعت جملة من العناصر الأكثر تقدّما فى صفوف السوفياتات لتصير قادة و مفوّضين فى الجيش الأحمر الذى كان يتعيّن خلقه كلّيا تقريبا ، بين عشيّة و ضحاها و إندفعت فى معركة حاسمة ، فى مهام حلّ العقد حيث برزت أزمات متنوّعة و للمساهمة فى سحق المعادين للثورة و لمساعدة هيئات توزيع الغذاء و إدارة المصانع إلخ و للإلتحاق بالحزب و بنائه.

المسألة هي أنّ ، مع نهاية الحرب الأهليّة ، كانت لعشرات الآلاف من العمّال و الجنود و البحارة مواقع مسؤوليّة إداريّة ( و سياسة إستيعاب الجماهير المتقدّمة هذه إلى الجهاز الحاكم ستتواصل مع طرق التنظيم وفقا لمبادئ " الجماعيّة " و التصنيع فى ظلّ قيادة ستالين . لكن كان ذلك كذلك الواقع و كنتيجة لكلّ ذلك ، أنّ عديد أفضل القادة و أبعدهم نظرا ضمن البروليتاريا كانوا مجنّدين ليس بالسوفياتات بل فى مؤسّسات أخرى . و إلى جانب هذا ، وُجد تحوّل فى الوزن النسبيّ للسوفياتات بالمقارنة مع المؤسّسات الأخرى و منها بالخصوص الحزب ، فى الإدارة الفعليّة للمجتمع و الممارسة الشاملة لدكتاتوريّة البروليتاريا .

هذا ما يتحدّث عنه لينين فى مقارنته المعابة جدّا حول " الدواليب " و الأحزمة الناقلة للحركة و ما إلى ذلك و موقفه العام أكثر بصدد الدور القياديّ للحزب فى ممارسة دكتاتوريّة البروليتاريا .

إعتمادا على التجربة الواقعيّة لتلك الفترة ، يلخّص لينين أنّه من غير الممكن ممارسة هذه الدكتاتوريّة ببساطة من خلال السوفياتات دون قيادة حزبيّة ( مؤسّساتيّة ) متماسكة . غير أنّه لا يقول إنّ السوفياتات لن تلعب دورا حيويّا إذ هو يوضّح أنّه سيتواصل التعويل عليها لتضطلع بوظائف الحكومة . إنّه لا يقول إنّ بإمكان الحزب أن يعوّض السوفياتات ( أو تلك المؤسّسات الأخرى و التنظيمات الجماهيريّة ) فى ممارسة دكتاتوريّة البروليتاريا .(4)

هنا يبدو من الهام الحديث عن ممارسة أخرى من كمونة باريس شخّصها ماركس كمسألة ذات أهمّية حاسمة : " إستبدال " أو " إمكانية سحب الثقة " من القادة . مرّة أخرى ، أثبتت التجربة التاريخيّة لدكتاتوريّة البروليتاريا أنّه لم يكن من الممكن تطبيق هذا المبدأ بمعناه الصارم الذى تحدّث عنه ماركس كإستنتاج من كمونة باريس حيث كان الموظّفون تنتخبهم الجماهير و كانوا يخضعون إلى الإقالة من طرفها فى أيّ وقت .

ينبغى أن نقول توّا إنّ الأمر لا يذهب إلى لبّ الأشياء إذ كان للجماهير الحقّ الشكليّ فى تعويض القادة عندما تكون الظروف ( التناقضات ) الإجتماعيّة على نحو فيه بعض الناس أقلّ " تعويضيّة " من آخرين . و لنضرب مثالا على ذلك . إذا كان للجماهير فى الصين الإشتراكية حقّ التصويت لإقالة ماو تسى تونغ و إذا مارست ذلك الحقّ على نحو أحمق و صوّتت بإبعاده ، لواجهت المسألة الصارخة وهي أنّه لن يوجد ماو تسى تونغ آخر ليشغل مكانه . فى الواقع ، سيجدون أنفسهم فى وضع حيث على إنسان ما أن ينهض بدور ، من الناحية الشكليّة ، سيكون نفس دور ماو ، أي ، سيحتلّ إنسان ما المواقع القياديّة مثل تلك و التقسيم الإجتماعيّ للعمل ( و بالخصوص العمل الفكريّ و العمل اليدويّ ) سيعنى أنّ قطاعا صغيرا فقط من الشعب سيكون إذا ، قادرا على لعب مثل هذا الدور . و التصويت بإبعاد ماو كان سيعنى حصرا أنّ إمرء أقلّ مؤهلات ( أو حتّى أسوء من ذلك ، إمرء يمثّل البرجوازيّة عوضا عن البروليتاريا ) سينهض بالدور القياديّ . لا يمكنهم تجنّب هذا و الإنخراط فى هياكل الديمقراطيّة الشكليّة لن يعين فى شيء البتّة . (5)

طبعا ، لا يفيد هذا أنّه يتعيّن جعل تقسيم العمل بين الجماهير و القادة شيئا مطلقا ، عوضا عن تقليصه و فى النهاية تجاوزه و لا يفيد حتّى أقلّ أنّ القادة و ليست الجماهير هم الذين ينبغى أن يعتبروا السادة الحقيقيّين للمجتمع الإشتراكي . فى الصين الثوريّة ، تمّ التأكيد بقوّة على دور الجماهير فى نقد و بمعنى شامل فى نقد القادة . و قد وجد هذا تعبيره على مستوى جديد كلّيا أثناء الثورة الثقافيّة التى كانت ، كما شدّد على ذلك ماو ، تمثّل شيئا جديدا راديكاليا : " شكلا ، طريقة يسمح بإستنهاض الجماهير الواسعة فى جميع الميادين و إنطلاقا من القاعدة الحزبيّة بهدف أن تفضح جانبنا المظلم ".( ماو ذكره " تقرير المؤتمر الوطني التاسع للحزب الشيوعي الصيني " ملحق بكتاب ليوتشاوتشى : " كيف تكون شيوعيا جيدا " ، الصفحة 201 ، نشر 10/18 باريس ، 1970 ).

لكن بالرغم من الأهمّية و الرياديّة الذين مثّلهما ذلك ، فالأمر يبقى أنّ طوال المرحلة الإنتقاليّة الإشتراكيّة ، لن توجد حاجة إلى قادة ( و تناقض موضوعيّ بين القادة و المقودين ) فحسب و إنّما ستوجد أيضا إمكانيّة أن يقع تحويل تلك العلاقات إلى علاقات إستغلال نظرا للتناقضات التى تميّز الإنتقال من الرأسماليّة إلى الشيوعيّة ،عالميّا ، إذا لم يضطلع الحزب بالدور القياديّ الملقى على عاتقه داخل الدولة البروليتاريّة ـ لأنّ مجموعات منظّمة أخرى ( زمر برجوازيّة ) ستقوم بذلك و سرعان ما تكفّ الدولة عن أن تكون بروليتاريّة لتصبح دولة برجوازيّة . لا بدّ من قول ذلك صراحة . من وجهة نظر البروليتاريا ، المشكل مع الأحزاب الحاكمة فى البلدان التحريفيّة ليس مشكل أنّها كانت "تحتكر" السلطة السياسيّة و إنّما المشكل أنّها مارست تلك السلطة السياسيّة لإعادة تركيز الرأسماليّة و الحفاظ عليها . المشكل هو أنّها ليست ثورية ، ليست شيوعيّة فعليّا و لذا لا تعوّل على الجماهير و لا تعبئها لممارسة دكتاتوريّة البروليتاريا و لمواصلة الثورة فى ظلّ هذه الدكتاتوريّة .
و مثلما تحدّثنا عن ذلك آنفا ، أثناء الثورة الثقافيّة فى الصين ، تمّ تطوير وسائل و طرق جديدة للهجوم على الإختلافات و عدم المساواة الموروثة من المجتمع القديم وهي وسائل و طرق تحديد الحقّ البرجوازيّ إلى أكبر درجة ممكنة فى أيّ زمن معيّن فى تناسب مع الظروف الماديّة و الإيديولوجيّة . غير أنّ تناقضا جوهريّا سيظلّ قائما خلال المرحلة الإنتقاليّة الإشتراكيّة و وجود هذه الإختلافات و اللامساواة الأساسيّة و تعبيرها فى الحقّ البرجوازي تمثّل القاعدة الماديّة للطبقات و الصراع الطبقيّ و لخطر إعادة تركيز الرأسماليّة . و هذا مشكل لا يمكن حتّى معالجته جوهرياّ فما بالك بحلّه عن طريق مقاربة شكلانيّة . لذا يتوجّب أن يعالج من خلال خوض الصراع الطبقيّ فى ظلّ قيادة الشيوعيّين الثوريّين ( جاعلين ذلك العلاقة المفتاح ) و لن يتمّ ذلك بأيّة وسيلة أخرى . و بالضبط على هذا النحو جرى تناول المشكل بقيادة ماو .

وخاصة فى ما يتعلّق بتوزيع المداخيل ، إتّبع أثناء الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى توجّه أساسيّ و إنطلاقا منه ، طبّقت سياسات ملموسة للتقليص التدريجيّ من الإختلافات فى الأجور فى تناسب مع تطوّر الوفرة العموميّة و بالأساس بترفيع المستويات الدنيا نحو المستويات العليا . كجزء هام من هذا ، وُجد توجّه للإبقاء على الإختلاف فى الأجر بين موظّفى الحكومة و العمّال العاديّين على أقلّ درجة ممكنة ( تمّ بهذا الصدد إعلان الروح الجوهريّة لكمونة باريس و تمّ الدفاع عنها فى الممارسة ) رغم انّ مثل هذه الإختلافات فى الأجور ما زالت قائمة و كان يُنظر إليها كشيء من اللازم تحديده أكثر . لكن ، مرّة أخرى ، مهما كانت أهمّية تطبيق مثل هذه المبادئ ، فى تناسب مع الظروف الواقعيّة فى كلّ زمن معيّن ، فإنّ هذا لم يستطع أن يغيّر المسألة الجوهريّة ألا وهي أنّه ، لفترة تاريخيّة طويلة ، ستستمرّ الإختلافات و اللامساواة فى المجتمع الإشتراكي وهي تنطوى على إحتمال تطوّرها إلى تناحرات طبقيّة إذا لم يكن خطّ التعاطي معها خطّا بروليتاريّا .
---------------------------------------------------------------------------------------------