ما هو الطريق لدولة مدنية حضارية؟

عباس علي العلي
2018 / 1 / 14


لعل من المفيد التذكير دوما بقاعدة أجتماعية مهمة تنبع من كونية الإنسان وطريقة فهمه للوجود وهي أن الإنسان مدني بالطبع، بمعنى أنه خلق ليكون كائنا معرفيا يسترشد بكل عناوين المعرفة ويسخرها لمنفعة وجوده الخاص والعام، ومنها أن يكون ضمن مجتمع تربطه أواصر العمل البيني والتعارف والمشاركة وبناء مجتمع يتكفل ببناء قوانينه وقيمه على ضوء التجربة التأريخية له، ومن كل مصادر المعرفة الممكنة إدراكها أو فهمها منها الحسية أو الفكرية التأملية أو من خلاصة إرثه الوجودي، وهذا ما يسمى بحالة التمدن البشري لأنه يسعى من أجل ذلك وبكل ذلك ليكون جزء منه، لا يهم أن تكون مصادر المعرفة وضعية أو سماوية ذاتية أو منقوله المهم أن تكون حاضرة للفعل وأداء الوظيفة، العيب حينما نجعل الحياة مرتبطة بمصدر واحد ونتخلى عن العقل ومنطقه وطبيعة الإنسان وقدرته على الفهم على أنها هي المحور الأساسي الذي يجب أن يسود في بناء المجتمع.
من هذه الإشكالية ننطلق في فهمنا للطريقة الطبيعية لبناء مجتمع ثم بناء الدولة التي هي إنعكاس حقيقي لطريقة تفكير المجتمع ورؤيته للواقع، فمهما تعددت طرق المعرفة وتنوعت فإنها بالأخير ستساهم بشكل أو بأخر في صياغة هذه الرؤية، ومن الطبيعي أن هناك عوامل ومحفزات وأسس تعمل على المساهمة في تكوين هذه الرؤية بالقوة التي تبسطها على الفكر والتفكير الأجتماعي، البيئة الجغرافية والثقافة المنتجة متأثرة بالعوامل السابقة وحتى طريقة البناء الأقتصادي تساهم في أنضاج فكرة الرؤية وحدودها، وأيضا لا ننسى أن الجانب الأخلاقي والروح للمجتمع هو الأثر تأثرا وتأثيرا في تأسيس جوهر الرؤية وفلسفتها بما فيها العامل الديني والمعتقدات والأعراف السائدة، ولا ننكر أيضا أن ليس كل المجتمعات على خط واحد من التطور والتشكيل لأختلاف التجربة وتباين قوى الفعل والحوامل التي تحمل هذا الأس أو تلك الفكرة، فلكل مجتمع خصائصه ومميزاته وفعله الحضاري وهذا ما يفسر أختلاف النظرية الأجتماعية المؤسسة لكل مجتمع على حده.
يقينا أيضا أن الإنسان وإن خضع بالقوة المنطقية أو للواقع وتفاعلاته سيمر بفترة من التسليم لها ويمارس ما يفرض عليه ليجرب ويستكشف ثم يستنتج ويختار قراره بالأخر معتمدا على حصيلة التجربة ونتائجها، فهو ولكونه كائن معرفي لا يمكنه أن يرفض أي واقع أو نظرية دون أن يحاول فهمها وتجربتها على الأرض وبالطريقة التي يفهمها ويدركها، ولدينا أمثله حقيقية على ذلك وقريبة من واقعنا، التجربة الماركسية عندما أنتشرت وأخذت طريقها للتطبيق الواقعي لم تنتج صورة واحدة عمليا ولم تؤسس لتجربة موحدة أو واحدة بالرغم من أنها تنطلق من معين واحد، هذا الأمر ليس أفتراضيا ولكنه واقع أستحكمت في بناءه وأنتاجه جملة من الأسباب والعوامل والتأثيرات الخاصة بالمجتمع ممثلا بالنخبة ومستجيبة لطريقة الفهم والإدراك لها، حتى قيل أن الماركسية مثل المدرسة التي أنتجت طلابا على مستويات مختلفة من التخصص والتنوع والفهم وبالتالي فكلهم ماركسيون ولكن بخصائص فردية.
إذا مفهوم مدنية المجتمع مفهوم طبيعي ملتصق به لأن نواة المجتمع وهو الإنسان مجبول على الحس المدني، وصعودا إلى منظومة الدولة لا بد أن يكون طابعها مطابقا لطابع المجتمع ومتلائم مع أفكاره ورؤيته التي تعتمد التنوع والحركة والتطور، ولا تخضع للقوالب الثابتة والرؤية الواحدة، من هنا فحقيقة المجتمع وحتى التي ترزح تحت سطوة النظم الدينية أو العسكرية لا تختفي فيه النظاهر المدنية ولم ولن يتلاشى الحس المدني في أركان كثيرة من حياتها، أما المظهر المفروض خارجا والذي يمنحها الهوية الشخصية فهو يعبر عن مرحلة طارئة مخالفة ومتخالفة مع الطبع الأجتماعي الأصيل فيها، لذا وعلى مر التأريخ نرى أن النظم والمجتمعات والدول التي تأخذ بأحادية الرؤية تتفكك نتيجة تعاظم الفعل المدني فيها ومن ثم تتحول للنقيض النوعي.
هذه الحتمية المؤكدة والتي أفرزتها التجربة التأريخية البشرية تتعاظم اليوم ولم تعد تحتاج إلى ذات الوقت التي تحللت فيه النظم والدول الغير مدنية، أولا لتغير الوعي الإنساني وأتساع رقعة التجربة المدنية المقابلة وما أفرزته من نتائج على الواقع، أكدت فلاح ونجاح الطبع البشري في أن يتوائم مع حاجات الإنسان وقضاياه ومع حركة الزمن في فعلها التغيري التطويري، لذا فإن إشكاليات ومشاكل الدول ذات الأنظمة الأحادية التوجه تكمن في عدم قدرتها على الحفاظ على هوية النظام وتجذير رؤيتها الخاصة فيه، هذا يؤكد مرة أخرى للمنادين بدولة الله أو دولة الدين إن التشبث بالمقولة التقليدية التي حرفوا قصدياتها وأهدافها الغائية (إن الحكم إلا لله) ليسوا بمنجى من التلاشي والأندثار، لأن حكم الله هو حكم ما فرضه على الطبيعة والفطرة البشرية وهي حالة التمدن، وليس وفق رؤى وأفكار أعتباطية سخرت بأسم الدين لغرض أستبداد فئة على فئة وأخراجها من الطبع الطبيعي لتتحول إلى مملكة عبيد وسادة.
نعود لعنوان المقالة والذي يتعلق بالسؤال عن الكيفية التي يمكن من خلالها بناء دولة مدنية حقيقية توافق الطبع البشري وتتماشى مع طبيعية الأشياء وسيرورتها المستمرة في الوجود، ولأجل الأجابة المختصرة والتي تمثل جوهر النظرية الأجتماعية هي (أن تدع كل ما هو طبيعي أن يسري وفق تكوينه الذاتي وتكيفه الموضوعي دون أن تقحم ما هو خلاف الطبع ليضبط الواقع بعنوان القوة أو المصلحة أو التجريب)، وما على أن يتدخل الإنسان فقط إلا في النواحي التنظيمة ومنها صياغة المفاهيم ومحاولة بناء الرؤية من خلال أعتماد مفهوم الفلسفة الأجتماعية الطبيعية، لأنشاء مجتمع متماهي مع الإنسان كفاعل وهدف وغاية وبين الواقع بيئة وطبيعة ونظام، إن هذا المزج بين طبيعية الأشياء وتقنينها وتنظيمها لا يمثل تعدي على مفهوم المدنية الطبيعية، بقدر ما يؤدي إلى الحفاظ على المعايير والمقياس الفعلي المعتمد لوصف ما هو مدني وما هو ضده.
هذا الطرح برغم بساطته وعدم تعقيد الفكرة يمثل مفهوم التيسير والتسهيل الذي يراد منه أن يحيا الإنسان في مجتمعه وهو لا يشعر بالغربة أو الأغتراب عن واقعه، ولا يجعله في موقع التناقض والتضاد مع مجتمع ودولة لا تؤمن بحقه في أن يكون طبيعيا وحرا في حدود ما تمنحه الطبيعة له من حدود للحرية، بمعنى أن الأستجابة الواقعية للرؤية الأجتماعية لطبيعة علاقة الإنسان بالواقع أو التي تصيغ مفاهيم المجتمع والدولة، يجب أن تكون مبنية على كل ما هو متناسب ومتماهي مع التلقائية التي تحررالإنسان من التسلط والأستعباد والألجاء القسري سواء أكان العنوان مثلا المصلحة الأجتماعية، أو الضرورات المسماة بالحتمية، الإنسان مدني بالطبع ومدني في البقاء والأستمرار ولا بد أن تأخذ الرؤية الكلية لأي مجتمع هذا المفهوم وتبني فلسفته عليه، وإلا سنكون أمام أنهيار حتمي لاحق لها مع خسارة مضاعفة للتأريخ البشري حين نعتمد اللا طبيعي واللا مستجيب له مع ميل الإنسان لنوازعه الفطرية الطبيعية.