الذكرى السابعة للكابوس العربي

سعود سالم
2018 / 1 / 14

١ - إن تغيير الأسماء بأسماء أخرى وتغيير الوجوه القديمة بوجوه جديدة وتغيير الخطاب بخطاب آخر هو أمر تعودنا عليه وليس بجديد تحت الشمس. تجارب العديد من الشعوب التي سبقتنا في الثورة على جلاديها، علمتنا أن التغيير الحقيقي لا يكون بتغيير هذه الطبقات الطفيلية المحترفة في تسيير أمور غيرهم، واستبدالها بطبقة جديدة أكثر شراسة وأكثر نهما وأكثر شهية للعق دماء الفقراء وعرقهم. إن تغيير المجتمع تغييرا جذريا لا يتم بدون تغيير الأسس والقواعد المادية والإيديولوجية التي مكنت هؤلاء الطغاة والأباطرة وشيوخ القبائل ورجال الأعمال من التحكم في حياة المواطن. والثورة التي تفجرت في تونس وليبيا ومصر وسوريا واليمن وفي مناطق أخرى، أثبتت بما لا يدع مجالا للشك بأن الثورة يفجرها دائما الفقراء والمهمشون ويموتون من أجلها، ثم يقودها الثوار والمناضلون ويموتون بدورهم، ويجني ثمارها في النهاية المتسلقون والإنتهازيون والسماسرة الذين يركبون قطار الثورة في المحطة الأخيرة. وهؤلاء ليس من مصلحتهم أن تتغير الأسس القديمة ولا أن تكتمل الثورة أو تسير إلى نهايتها وتحقق الهدف الذي قامت من أجله.
٢ - في كل المجتمعات التي يحكمها الله وبدون إستثناء، تعشش في عقول المواطنين والمواطنات فكرة ثابثة وملحة وغير قابلة للتغيير.. وهي وجود سلطة عليا وسماوية مسؤولة مسؤولية مباشرة عما يحدث في هذا العالم، من العواصف والزلازل والكوارث الطبيعية التي تجتاح الكرة الأرضية من حين لآخر، إلى مرض الزكام الذي أصاب الوزير الياباني الأسبوع الماضي ومنعه من حضور إجتماعه الأسبوعي. وهذه السلطة العليا والميتافيزيقية، تساندها قوة أخرى، أرضية هذه المرة، وهي المسؤولة عن كل ما يحدث وما يمكن أن يحدث وعن ما لا يحدث في بلدنا وفي مدينتنا وفي حينا وفي شارعنا، من جمع القمامة والأوساخ من أمام المنازل وتنظيف الشوارع إلى نشر الثقافة وتشجيع الشعر وتطوير اللغات الأقلية وتفجير الطاقات الإبداعية لدى الشباب، إلى أسعار الخبز وثمن البترول والدولار في البورصة العالمية. هذه السلطة السحرية، تسمى في هذه المجتمعات ب "الدولة"، والتي لها هيبتها وقدسيتها كمعبد من معابد السلطة الروحية والمادية معا. وأحيانا تنتقل هذه السلطة إلى الوزارة المعنية: ماذا تفعل وزارة الصحة فيما يتعلق بالمعاقين؟ ماذا تفعل وزارة الثقافة لتشجيع الرواية والمسرح والفنون التشكيلية؟ أو ماذا تفعل وزارة التعليم أو وزارة التشغيل .. إلخ وتتشخص أحيانا في الوزير ذاته ليصبح المسؤول المباشر عن إنقطاع الكهرباء أو المياه أو عن تردي مستوى التعليم في المدارس، ونطالب برأسه كلما سائت الأمور.
٣ - " توكل على الله " تترجم حرفيا في مجتمعاتنا المتخلفة بـ " توكل على الدولة "، الله والدولة أصبحا يشكلان وحدة مقدسة وميتافيزيقية يسند أحدهما الآخر. وننسى أو نتناسى بأن الدولة لها مصالحها وبرامجها الخاصة، وليس لها الوقت الكافي للإهتمام بمشاكلنا اليومية المزرية. فوزارة الثقافة، على سبيل المثال، لا يهمها بأي حال من الأحوال الوضع الثقافي في البلاد ولا الإهتمام بالشعر أو الرواية أو المسرح أو الفنون التشكيلية، الذي يهم الوزارة في المجال الأول هو الحفاظ على مصالح الدولة ونشر فكر الحزب الممارس للسلطة والذي مكن الوزير المعني ليكون وزيرا، والإشتراك في أكبر عدد ممكن من المعارض والإحتفالات والمناسبات العربية والدولية بدون أي إهتمام حقيقي بحتوى هذه الأحداث. القصة في غاية البساطة ولا تحتاج لكثير من الذكاء، لا أحد يعرف مصالح الناس أكثر من الناس أنفسهم، ولكن الناس في أغلب الأحيان يسكنون خارج قصور السلطة.
٤ - ثقافة التوكل .. ليست جديدة وليست ظاهرة فريدة تتعلق بالمجتمعات العربية والإسلامية المتخلفة، إنها ظاهرة عامة وترتبط إرتباطا وثيقا بالديموقراطية البرلمانية، حيث تتمكن مجموعة من الأعيان والأغنياء من السلطة ولا يتركونها لأولادهم إلا بعد إنتقالهم إلى المقبرة. إنها ثقافة التوكيل، حيث نعين أحد الأعيان ليدافع عنا وعن مصالحنا اليومية، ولا نطلب منه في المقابل أية ضمانات، له الحرية المطلقة في الدفاع عمن يشاء ولا أحد يحاسبه، متحصنا بشرعية مقدسة هي شرعية الإقتراع.
فبعد أن تمت سرقة الثورات الشعبية في تونس ومصر وليبيا وتم تشكيل حكومات موالية للرأسمالية السماوية، تتلقى أوامرها من الله ومن البنك الدولي مباشرة، وتشكلت هوة عميقة بينها وبين هموم المواطن العادي، بدأ الناس يشتكون من غياب الدولة ومن عدم قدرتها على ضمان الأمن أو العمل أو العدالة أو حتى تنظيم حركة المرور. وبدلا من إقتناص هذه الفرصة التاريخية - غياب الدولة ـ والبدأ في عملية النتظيم الذاتي لأمورهم البسيطة، وبداية التفكير في كيفية إيجاد الحلول المناسبة لمشاكل التخلف والفقر والبطالة، فإنهم بدأوا يطالبون هذه الحكومات الوهمية بإيجاد الحلول الأمنية والإجتماعية والإقتصادية وغيرها، المطالبة بإنشاء أجهزة للشرطة وبناء جيش قوي، تعيين أو إقالة بعض الوزراء أو مطالبة أمازيغ ليبيا على سبيل المثال للحكومة القائمة بدسترة اللغة والحقوق الأمازيغية، مطالبين بذلك تدجين الثقافة الأمازيغية وتحويلها من ثقافة الرفض والنضال الشعبي إلى ثقافة حكومية رسمية تابعة وخاضعة للدولة وللقوانين التي لن تكون في صالحها في أي يوم من الأيام . وعندما نقول "إنهم"، فنحن لا نعني الشعب عامة، وإنما نعني هذه الطبقات والمجموعات الطفيلية التي تتكلم باسم الشعب، من الأحزاب السياسية والصحفيين والمثقفين والجامعيين والخبراء والنقابيين ورجال الأعمال وغيرهم من المتخصصين في حل الأزمات الشعبية.
٥ - نحن هنا بطبيعة الحال نقول هذا الكلام للتنبيه فقط، حتى لا يفجأ المواطن ويشتكي فيما بعد من الخدعة، الحكومة لا تخدع أحدا، وظيفتها الأساسية هي خدمة مصالح الأغنياء والأعيان، لأنها حكومة الأغنياء والأعيان ـ لا يوجد في أي برلمان في العالم المتقدم أو المتخلف عامل واحد أو فلاح واحد أو مواطن فقير واحد - إن الذي نريد قوله وقد قلناه مرارا هو أن نظام إدارة أي مجتمع وتنظيم أمور حياته هو مسؤولية مباشرة لمواطني هذا المجتمع، لكل المواطنين وليس لطبقة معينة منه، الأمر لا يختلف كثيرا بين شرعية الوراثة القبلية وشرعية القوة والسلاح أو شرعية الإقتراع، لأن هذه الشرعيات كلها تمنع المواطن البسيط من ممارسة حقه الطبيعي في إدارة حياته بنفسه دون أية سلطة تتجاوزه وتتعالى عليه.
٦ - الثورة الشعبية ما تزال ممكنة وما تزال ضرورية، وربما ستنطلق هذه المرة أيضا من تونس، فأحلام البوعزيزي لم تتحقق بعد.