الجيشُ العراقيُّ يُكملُ النوتةَ الموسيقية

فاطمة ناعوت
2018 / 1 / 14





"إن أنتَ بليْلٍ/ أوغلتَ بـ"موصِلَ" حتى النبعْ/ و زرفتَ الخبزَ الجافَ على الأطيارْ/ ومددتَ الحزنَ الكامنَ في الأعماقِ وفي بابلَ/ لانشقَّ البحرُ عن الحوتِ/ ولجاءتْ مريمُ والأحبارُ وجلجامش/ ولجاءَ الخضْرُ وعشتارْ/ ولزحفتْ مملكةُ النملِ بركبِ الملك سليمانْ/ إن أنتَ بليْلٍ/ أفرغتَ القلبَ من الأوجاعْ/ ونظرتَ هنالك صوبَ النهرِ الشاهدِ مذبحة الأمسْ/ وقبضتَ بقبضتِكَ المشروخةِ/ حفنةَ رملٍٍ ملتاعة/ فتعالَ ورفقتُكَ/ لأقرئُكم سِفرَ الأنباءِ/ وأريكمْ أنَّ الحزنَ سيكمنُ طولَ العمرِ بأجيالٍ/ غفلتْ عن طعنِ الظهرِ من الأعداء/ وراحتْ تبحثُ عن موتٍ لا يشبه موتَ الكهفيين/ بل موتُ الحرفِ على الشفتين/ أو موتُ القلمِ على الورقِ."
مقطعٌ من قصيدة حزينة عنوانها “نصفُ نوتة". كتبتُها في ربيع 2003. إذْ تخيّلتُ الموسيقار العراقيّ "د. نصير شمّة" جالسًا إلى النوتة الموسيقية يُدوزِن عودَه ويعزفُ، في انتظار أصدقائه الشعراء: "أبو نواس"، "النِِفَّري"، "إبراهيم ناجي"، "الأبنودي". وفجأة اختفتِ العلاماتُ الموسيقية من النوتة. فعرف أن بغداد قد سقطت في تلك اللحظة، وأن النغمات أعلنت صمتَها حزنًا. كذلك احتجب الشعراءُ ولم يأتوا احتجاجًا على الغزو الأمريكي لأرض العراق.
وفي يونيو 2014، سقطت مدينة "الموصل" في قبضة داعش السوداء. لكن ماء الشِّعر لم يَجُد بما يغسل القلبَ من الحزن، إنما ماء الدمع الحارق. صمتَ اللسانُ وصمتَ القلبُ، إلا من أملٍ في بسالة الجيش العراقيّ وجيوش العرب أن تنتفض انتفاضة أسدٍ جريح، وتستعيد ما سرقته كائنات داعش المدنسة بالإثم. ثم كان الفرحُ وكان النصر بعد سنواتٍ ثلاث حين طردت الموصلُ العريقةُ عناكبَ داعش إلى غير رجعة. ورقصتُ رقصتين.
رقصةً حين كتبتُ يوم 29 يونيو 2017، على صفحتي الرسمية: “الشمسُ أجملُ في بلادي والظلام/ حتى الظلامُ هناك أجملُ/ فهو يحتضن العراق. مبروك للسيّاب تحرّر  الموصل من الدنس الداعشي. تحية للعراق. والمجد لشهداء العراق النبلاء.” وأما الرقصةُ الثانية فكانت الأسبوع الماضي في حديقة السفارة العراقية بالقاهرة، يوم احتفالها بتحرر الموصول وبالعيد 97 لتأسيس الجيش العراقي الباسل. رقصت قلوبنا فرحًا على أغان عراقية فولكلورية ونحن نحملُ أعلام العراق. وكانت كلمةٌ من رئيس الوزراء العراقي "حيدر العبادي"، عبر بثٍّ تليفزيوني، وكلمةٌ مباشرة من السفير العراقي بالقاهرة "حبيب الصدر" مندوب العراق الدائم بجامعة الدول العربية. وكانت التحايا للشيخ السيستاني، الذي أطلق فتوى مثقفة، توجبُ على كل مواطن من شعب العراق، بكامل طوائفه ومذاهبه وأحزابه، أن يتّحدوا ويصطّفوا مع الجيش العراقي في معركة جهاد مقدس من أجل تحرير العراق من الدنس الداعشي والتكفيريري. وهو ما أُطلق عليه "الجهاد الكفائي" الذي انتهى بتحرر "الموصل"؛ فكان الفرحُ وكان رقصُ القلب وتغريدُ الشفاه.
كانت كلمةُ السفير العراقي للشِّعر أقرب. مدهشٌ أن يكون السياسيُّ شاعرًا، أو أن يكون الشاعرُ سياسيًّا. لكنني لم أندهش، لأن المواطنَ العراقي، حفيدُ المتنبي، سيد شعراء العرب وشاعر التاريخ والدهور. مجبولٌ على الشعر، وكأن الشعرَ جزءٌ من التركيبة النفسية للإنسان العراقي. وصدق محمود درويش حين قال: “كُنْ عراقيًّا، تكن شاعرًا.”
أعتزُّ كلَّ الاعتزاز بأرض العراق، صاحبة الحضارة الضاربة في عمق التاريخ. وأعتزُّ بتحررها وأفخر. وأشعرُ بالفرح لزيارتي الوشيكة لدولة العراق الشهر القادم ومشاركتي في مهرجان "المربد" الشعري العريق؛ الذي أوشك أن يُكمل النصفَ قرن من السنوات. أتيهُ خُيلاءً أنني سأطأ أرضَ "سوق الِمرْبِد" المثقفة التي وطأها من قبلي فرائدُ شعراء التاريخ وأدبائه ونُحاتِه: الجاحظ، سيبويه، الأصمعي، أبو نواس، بشّار بن برد، جرير، الفرزدق، الفراهيدي، وغيرهم!
أيها العراقيُّ، على أرض العراق أو على أية بقعة من بقاع العالم، تِه فخرًا ومجدًا، فأنت أهلٌ لذاك. أنت ابنُ "بابل" المباركة، أرض "نجمة الصبح" عشتار، وأرض "أورك" التي حفرت ملحمة "جلجامش" الخالدة. أيها العراقيون الذين استعدتم أرضكم من أنيباب القبح، سُرَّ مَن رآكم. وشكرًا لجيش العراق الباسل، وشكرًا لدماء الشهداء الأطهار، الذين حرّروا بلادهم، فأكملوا "نصف النوتة الموسيقية" الناقصة.