رسالةُ زهرة اللوتس ل كاتدرائية ميلاد المسيح

فاطمة ناعوت
2018 / 1 / 14

هذا الصرحُ الهائل ليس صرحًا تشييديًّا بنائيًّا من خرسانةٍ وأحجار وزجاج وزخارف وأخشابٍ يتيهُ به المعماريون خُيلاءً، وتفخر بتصميمه الهيئةُ الهندسية بالقوات المسلحة المصرية، كما يفخرُ بوجودها على أرض مصرَ كلُّ مصريٌّ شريف. إنما هو صرحٌ حضاريٌّ تحضُّريٌّ، ورسالةٌ أخلاقية إنسانية، من مصر إلى العالم. زهراتُ اللوتس العظيمة التي تحتضنُ قبابَ الكاتدرائية، تتكلم. تحكي. تقول للعالم بلسانٍ مصري: "إن مصرَ بلدٌ تعدديٌّ لا يقبلُ القسمةَ ولا الإقصاء، ولا محلَّ بأرضها لمتطرفٍ ولا إرهابي ولا حاقد.” هذا الصرحُ المعماري الهائل الذي أقفُ أمامه الآن مزهوةً ببلادي، هو صفعةٌ مُدوّيةٌ على وجه الإرهاب والتطرف، وعلى وجه كلّ أعداء مصر من عصابة الشرّ داخلها وخارجها. كلُّ سنتيمتر من العشرة آلاف متر مربع في كاتدرائية "ميلاد المسيح" بالعاصمة الإدارية الجديدة، يحمل فكرةً، ويحمل عهدًا، ويحملُ قولاً ناصعَ الوضوح عظيمَ البيان. بدايةً بالاسم الذكي الذي اختاره مبدعٌ لذلك الصرح: "ميلاد المسيح"، مرورًا بالتصميم المعماريّ الفريد: "على شكل صليب"، وليس انتهاءً بتوقيت القرار والتشييد وتوقيت الافتتاح: “عيد الميلاد المجيد”.
اسم "ميلاد المسيح"؛ قد يشير إلى أن توقيت قرار رئاسة بإنشاء الكاتدرائية، وتوقيت افتتاحها والصلاة فيها، قد تزامنا مع ذكرى عيد الميلاد المجيد عاميْ: 2017- 2018 على التوالي. ففي قداس الميلاد العام الماضي، وعد وتعهّد السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بإنشاء أكبر كاتدرائية في مصر والشرق الأوسط، ووضع أول قرش في بنائها من جيبه الخاص، ويوم الجمعة الماضي 6 يناير، تم افتتاحها وإقامة قداس الميلاد المجيد هذا العام 2018. لكن الفكرة وراء اختيار ذلك الاسم الذكيّ، أبعدُ من هذا وأعمق. وهذا ما شرحه لنا قداسة البابا تواضروس في الحفل قائلا: إن كلمة "كريسماس"، التي يقولها العالم أجمع؛ كلمةٌ مصرية فرعونية قديمة. فكلمة "ماس" mas تعني "ميلاد" باللغة المصرية القديمة. وكلمة "كريست" Christ تعني السيد المسيح، عليه وعلى أمّه البتول السلام. فتكون Christ-mas "ميلاد المسيح"، كلمةً مصرية قديمة؛ ينطقها العالمُ أجمعُ بلغتنا الأمّ.
لكن الكاتدرائية لم يكتملُ بناؤها بعد. مازال العملُ فيها قائمًا. وفي هذا رسالةٌ أخرى رائعة. حتى عدمُ اكتمال بنيان الكاتدرائية، وافتتاحها بالأمس وإقامة القداس الإلهي بها قبل الانتهاء من تشطيبها، يحمل دلالة ورسالة وقولا وحكاية. في نُقصانِها تمامٌ، وفي عدم اكتمالها كمالٌ. تمامًا كما قال السيدُ المسيح: “قوتي بالضعفِ تَكمُل”. كأنما نُقصانُها يقولُ: "إن العملَ فيها مستمرٌ لا يتوقف”. فالرسالات العميقةُ طويلةُ الأمد مستمرةٌ. وكأنما نقولُ للعالم: "إن أياديَ مصريةً كثيرةً مازالت كلَّ نهارٍ تذهبُ لكي تضعَ حجرًا في الكاتدرائية. أيادٍ مصريةٌ مسلمةٌ ومسيحيةٌ تذهب إلى كاتدرائية "ميلاد المسيح" مع كل فجرٍ لتُكمل حجرًا ناقصًا، أو تُعلي منارةً، أو تُركّب جرسًا، أو تُضئُ صليبًا، أو ترسم زُخرفةً على لوح زجاج. فشكرًا لكل يدٍ مصرية شيدت هذا الهرم الحضاري الباهر.
هذا الصرحُ العظيم ليس ترضيةً لأقباط مصر الرائعين الذين دفعوا الفاتورةَ الأكبر من أجل استقرار مصر ونجاح ثورة 30 يونيو. هذا الصرحُ الهائل ليس مواساةً لأقباط مصر الوطنيين الذين جادوا بدماء شهدائهم على مذابح الإرهاب الأشِر، برضا وصبر مُدهشٍ مُلغزٍ، فأثبتوا، كما شأنهم دائمًا منذ قرون طوال، عمقَ وطنيتهم وحبَّهم العجيب لمصر. هذا الصرحُ العظيم ليس هديةً لأقباط مصر الحزانى على دماء أبنائهم التي سالت في أعيادهم وصلواتهم وهم صائمون يُصلّون. إنما هو هديةٌ لكل مصريّ مسلم شريف، حتى يُحاججَ به أعداءَ الحياة خصوم الفرح؛ وكأنني وكلُّ مصريٍّ نقول: “أنا مصريٌّ متحضر، أُشيّد بيدي كنيسةً على أرض مصرَ لأبناءِ مصرَ؛ ليرفعوا فيها اسم الله العليّ. وكلّما فجّرتم كنيسةً، ٍسأُشيّدُ بيدي كنيسةً أكبرَ وأجمل. اذهبوا بعيدًا عن أرضنا، فنحن أبناءُ أرضٍ لا تعرفُ الإقصاءَ ولا التطرف ولا البغضاء. أرضُنا أرصُ السلام، احتضنت رسولَ السلام في طفولته عليه السلام، لا ترحبُ بأعداء السلام.” كلُّ عامٍ ومصرُ هي مصرُ أرضُ السلام، وميري كريسماس لك يا مصر من كنيسة ميلاد المسيح عليه السلام.