حوار مع السفسطائي المطلق 1

أيمن عبد الخالق
2018 / 1 / 13

حوار مع السفسطائي المطلق
"مصيبة أن تدرس بلا تفكير، ومصيبة أكبر أن تفكر بلا دراسة"
افلاطون
o السفسطائي: بعد الكثير من التأمل والتفكير، توصلت إلى هذه النتيجة، وهي أنه لايمكن لنا أن نعرف أي شيء عن الواقع، وكل مالدينا من معلومات ومعارف، ليست إلا مجرد خيالات وأوهام، لا علاقة لها بالواقع، فأنا لا أؤمن لابالعلم ولا بالفلسفة.
• الفيلسوف: هذا كلام غريب، ولايمكن أن يصدر من إنسان عاقل، يعي مايقول، أتدري ماهي لوازم كلامك هذا؟
o السفسطائي: على أي حال هذا هو رأيي بكل صراحة، رأيي الذي أؤمن به، وأدافع عنه.
• الفيلسوف: أول مايلزم عن كلامك ياصديقي، انسداد باب التعليم والتعلم، وثانيا بطلان جميع النظريات الفلسفية والعلمية، ثالثا بطلان جميع الأديان والمذاهب السماوية، ورابعا سقوط جميع القيم والمبادئ الأخلاقية والاجتماعية!، يعني بكلمة واحدة ضياع الإنسانية.
o السفسطائي: أنا لاأبالي بأي شيء من كل ماذكرته، فليكن مايكون، وأنا مازلت أصر على رأيي، وقناعاتي، ولايهمني مايترتب على كلامي من كل هذه النتائج.
• الفيلسوف: دعني أولا أسألك ...ماهو الأمر الذي دعاك إلى تبني مثل هذا الرأي الشاذ والغريب؟!
o السفسطائي: أنا لم اتبن هذا الرأي من باب حب الظهور، أو الرغبة في الشذوذ والتميز عن الاخرين، بل بناء على شواهد قطعية دعتني لتبني هذا الرأي والتمسك به.
• الفيلسوف: وماهي تلك الشواهد القطعية التي دفعتك نحو التشكيك بأصول المعرفة الإنسانية؟
o السفسطائي: ماتسموه أنتم أيها الفلاسفة بأصول المعرفة الإنسانية، على أي شيء قد ابتنى في الأساس من وجهة نظركم؟
• الفيلسوف: ابتنى أساساً على الحس والعقل كأداتين معرفيتين، ومنهما ظهرت سائر المناهج المعرفية التجريبية والاستقرائية، والعقلية التحليلية، والوجدانية والنقلية.
o السفسطائي: فإذا تبين لك أنّ الحس والعقل، مجرد أداتين معرفتين خداعتين، لايمكن الوثوق بهما، ألا يتسبب ذلك في انهيار أصول المعرفة الإنسانية من وجهة نظرك؟
• الفيلسوف: بلا شك....إذا ثبت ذلك عندي، ولكن ماهي أدلتك التي دعتك للتشكيك في صلاحيتهما العلمية؟
o السفسطائي: دعنا نبدأ أول بالحس، كنافذة أولى نطل من خلالها على العالم الذي يحيط بنا، لنتأمل هل يعكس لنا الحس الأشياء كما هي بأمانة وصدق، أم أنه يحرّفها ويزيّفها؟
• الفيلسوف: لاشك أنّ الحس يعكس لنا الواقع الخارجي بكل امانة وصدق
o السفسطائي: إذا كان الحس صادقا، فكيف يرينا الشمس في حجم صغير جدا، مع كونها أكبر من 300ألف ضعف حجم الأرض، وكيف يرينا العصا المستقيمة منكسرة في الماء، ونشاهد الأشياء الثابتة تتحرك من حولنا ونحن جالسين في القطار....وغيرها من الشواهد الكثيرة جدا، حتى أنه تم إحصاء أكثر من ثماني مئة خطأ، وكلها تكشف عن عدم مصداقيته، واستحالة الاعتماد عليه في كشف الواقع، وبما أنه هو النافذة الأولى لنا على العالم، والذي تتدفق من خلاله المعلومات إلى أذهاننا، فكل مايبتني على هذه المعلومات الحسية الزائفة مزيف مثلها.
• الفيلسوف: هذا هو رأيك في التشكيك في الحس، فماذا عن العقل؟
o السفسطائي: أخطاء العقل لاتعد ولاتحصى في شتى العلوم والمعارف، وهذا لايمكن لأحد أن ينكره، أو يتجاهله، وتبدل آراء العلماء بين الفينة والأخرى، وحصول الاختلافات الكثيرة بينهم، مع كونهم يدّعون أنهم من أهل العلم والمعرفة.....فأين هي المعرفة الواقعية المزعومة؟!
• الفيلسوف: لاأحد ينكر هذه الأخطاء العقلية، ولكن ماهو سبب وقوعها من وجهة نظرك؟
o السفسطائي : السبب واضح، وهو عجز العقل عن كشف الواقع، لعدم وجود قواعد علمية موضوعية دقيقة تكشف لنا هذا الواقع بطريقة سليمة وصافية، فكل أحكامنا العقلية متأثرة بأمزجتنا الشخصية، وأعرافنا وثقافتنا الاجتماعية، ومذاهبنا الدينية، والفكرية التي ورثناها من المجتمع الذي عشنا وترعرعنا فيه، وكلها يمثل مانعا حقيقيا أمام التفكير المجرد والنزيه، فكل مايتمخض عنا من آراء وأفكار وعقائد هي مجرد معارف نسبية وهمية لاتعكس الواقع على الاطلاق.
• الفيلسوف: الان فهمت هذه الشبهات التي أوقعتك في الشك والسفسطة، وهذه نهاية طبيعية لكل من أراد أن يفكر بنحو عشوائي غير منضبط بالقواعد العقلية للتفكير، فيكون حاله كحال من أراد أن يسبح وسط الأمواج المتلاطمة دون أن يتعلم أصول السباحة، وضوابطها، فيكون مآله الغرق لامحالة، كما غرقت انت الان في بحر الشك والسفسطة.
o السفسطائي: أنا طرحت عليك إشكالات واقعية، وبيّنت لكم أن الأدوات المعرفية التي يعتمد عليها مايسمون أنفسهم بالعلماء والفلاسفة، هي أدوات خدّاعة وغير أمينة، فأين هي تلك القواعد المنطقية المزعومة؟!....فإذا أمكنك أن تدفع هذه الإشكالات، رجعت عن رأيي، وسلمت لك، وإلا فينبغي عليك أن تسلم لما أقول.
• الفيلسوف: لابأس...أنا أردت فقط أن تكون جلستنا الأولى لمجرد الاستماع إلى آرائك واستدلالاتك، ثم أشرع بعد ذلك في الجلسات اللاحقة في الإجابة عليها، ولكن قبل أن أتركك، أريد أن أنبهك على شيء واحد فقط لكي تتأمل فيه إلى الجلسة القادمة.
• السفسطائي: ماهو هذا الشيء...تفضل.
o الفيلسوف: أنت عندما اتهمت الحس والعقل بأنهما يخطئان في أحكامهما، كيف عرفت ذلك؟
• السفسطائي: لاأحد ينكر أخطاء الحس المذكورة، وأنت نفسك لم تنكر أخطاء العقل.
o الفيلسوف: صحيح أنا لاأنكر ذلك، ولكن قصدي هو شيء اخر، وهو أنك كيف عرفت أنّ هذه الأحكام الحسية أو العقلية خاطئة، مع أنّ معرفة الخطأ فرع معرفة الصواب، لأّن الخطأ هو عدم الصواب، فإذا حكمنا بأن 2x 2=5 خطأ، فذلك لسبق معرفتنا أن الصواب هو 2x2=4 ، فمن لم يعرف الصواب، لا يمكنه أن يعرف الخطأ، وأنت تدّعي ألا سبيل لمعرفة الصواب في الواقع
• السفسطائي: أممممم...هذا أمر يحتاج إلى شيء من التفكير، وسأسعى للإجابة عليه في جلستنا القادمة
o الفيلسوف: خذ وقتك من التفكير والتأمل، فمن هنا ينبغي أن تنطلق المعرفة الإنسانية، من نقطة الصفر، نقطة الشك المطلق.