الفرق ديوان -وعد- اسماعيل حاج محمد

رائد الحواري
2018 / 1 / 13

الفرق ديوان
"وعد"
اسماعيل حاج محمد
عندما أقرأ عملين متتابعين لشاعر، يمكنني أن أجد افرق بينهما، إن كان في الأسلوب أو اللغة أو الصور، استطيع أن نحدد الأفضلية بينهما، والدخول إلى الظرف الذي لازمه/أثر عليه أثناء الكتابة، ومن حسن الحظ أنني بدأت قراءة ديوان "سيدة الأرض" والذي من خلاله أخذت فكرة عامة عن طبيعة الشاعر وأثر الواقع عليه وعلى ما يكتبه من شعر، وطبعا هذا الأمر ينطبق على أي ديوان/عمل أدبي، لكن عندما تكون الجمالية في العمل الثاني بالتأكيد يمكننا استنتاج بعض الأمور، والتي يمكن أن تكون ابتعاد الشاعر عن سخونة الأحداث، والتي تمنحه مساحة من التأمل أكثر، والكتابة بموضوعية وجمالية بعيدا عن المباشرة أو النبرة العالية، كما أنه يمنحه المقدرة على استخدام لغة والفاظ وأسلوب أكثر جمالية، وهنا نقع في معضلة كتابة القصيدة، والتي تعني أتن القصيدة هي من تكتب الشاعر، وليس هو من يكتبها، فكيف له أن يأسر تلك الحالة من اشراقة/ملكية الكتابة ويخضعها لما يريده؟.
بالتـأكيد عندما تأتي الاشراقية لا بد من البد بالكتابة، وإلا أصبحت الكتابة نوع من النظم أو الصناعة الميكانيكية أكثر منها عملية ابداعية، وهنا يأتي دور الشاعر في التوحد بين ما يشعر/يحس به والطريقة/الشكل الذي يخرج به العمال الشعري/الأدبي، اعتقد أن الشاعر "اسماعيل حج محمد" في ديوان "وعد" تجاوز ذاته وقدم ما هو أكثر جمالية مما سبق، فيمكننا أن نجد قصائد شبه مطلقة اكما هو الحال في قصيدة "معين الشذا"، والتي ونجدها فيها الانسجام بين المفكرة البيضاء والألفاظ الناعمة والهادئة، إذا ما استثنينا هذا البيت من القصيدة:
" وأنا المفدى والذبيح بصابر والدم يجري في العروق رواها" ص11،
وهذا الأمر يشير إلى أن الشاعر استطاع أن يتحرر من وقع الحال عليه وأن يتوحد مع قصيدته فكتب لنا قصيدة جميلة وناعمة.
وهناك قصيدة "مسافر .. مسافر" هي أقرب إلى النشيد الغنائي والتي جاءت بشكل ممتع وسلس:
"برغم الألم
برغم الدماء
برغم الدموع
برغم المجازر
وعين المقاتل
ستبقى الشموع
سيبقى الشراع ويبقى اليراع
تثور الجموع
سيبقى النشيد
وقلبي حديد
بأرض اليسوع
باسم القيامة
ودمع اليتامى
للق
س نمضي
لا للرجوع
حملنا الحساما
وخضنا الغماما
رفضنا الركوع
وسرنا بدرب
هتفنا جميعا: لا للخضوع
أقمنا السدود
رفعنا البنودا
مشينا الورود
مشينا الطريق
ودرب الرفيق
جيفارا الشهيد
عزفنا النشيد
نشيد العهود" ص36و37، هذا النشيد جميل ومتمرد ويرفع المعنوية وقدم بشكل رائع ومنسجم مع الهدف الذي كتب لأجله، وهو يلامس شيء من النشيد الوطني الفلسطيني "فدائي" بحيث استخدم الشاعر المقاطع القصيرة واللغة السهلة، التي ترفع الهمم وتقدم فكرة ضرورة التحرر والخلاص من المحتل، فالشاعر بهذه السهولة قرب المتلقي من النشيد.
الأثر الديني المسيحي في الديوان كان واضحا، وهذا الأثر يحسب للشاعر، فليس من السهولة أن يتقن شاعر/كاتب استخدام عقيدة دينية غير عقيدته بطريقة جميلة ومتألقة، وليس هذا فحسب بل نجد للمسيحية في أكثر من موضع في الديوان، وكأن "اسماعيل حج محمد" يريد أن يؤكد على الوحدة الفلسطينية أكبر وأبعد من الدين، فهناك قصيدة "معمدان الشمس" والتي يقول فيها:
"إنجيل عيسى رتلي أملا لتلك المعجزات
هذا أنا والنيل يسري في دمي والذكريات
وأنا تعمد أحرفي تلك الغيوم النازفات
فيها الأمان جميعه وبها جميع الأمنيات" ص46، الفكرة المسيحية جاءت بأكثر من لفظ "إنجيل، عيسى، رتلي، أملاً، المعجزات، دمي، تعمد، النازفات، الأمان، جميعه، الأمنيات" كل هذا الألفاظ تستخدم وبكثرة في المسيحية، وهذا ما جعل الفكرة والألفاظ منسجمة فيما بينها وتخدم الفكرة التي أراد الشاعر تقديمها.
ويجمع الشاعر بين العقيدة المسيحية والإسلامية في قصيدة "شهيد القدس":
" نجوم الليل تعرفني
أنا الإنجيل قرآنا
عيون الشمس فاتحة
وأرض القدس إيمانا" ص15، وهذا التوازن يشير إلى أن المجتمع الفلسطيني مجتمع واحد لا فرق فيه بين ملة وأخرى.
وهنا صورة شعرية في غاية الروعة جاءت في قصيدة "إلا أنت" يقول فيها:
"أرى وجها به الآيات تتلى
صبورا شامخا فيه الصمود
ويرسم يومنا الآتي دموعا
فنهر بلادنا جار ودود" ص18، فالشاعر يختزل ما حدث للسيد المسيح من صلب وتعذيب وصمود وانتشار فكرته إلى العالم، وما يلفت النظر فكرة النهر " جار ودود" النهر المقدس الذي تعمد به المسيح، والذي يطهر الإنسان وبه يبدأ الحياة الجديدة.
ومن جماليات هذا الديوان أن "اسماعيل حاج محمد" ينهي بعض قصائده بالأمل كما هو الحال في قصيدة "هذي القصائد الثائرة"
"...
والجموع يضمد نجمه
وسماؤنا أبدا تظل الماطرة" ص24،
ويقول في خاتمة قصيدة "سجلت اسمك في الدفتر":
وجعلت عيونك أغنيتي، لكني أبدا لن أكسر
ستظل القدس بأعيننا، قوافي الشعر بها تفخر" ص40، الاستمرار في كتابة القصائد للقدس بالتأكيد ينعى بقاء وجودنا فيها، لهذا نحن مستمرون في الغناء لها.
ونجد في قصيدة "الأرض لي" أثر "لمحمود درويش" فيه الشاعر:
"هي الأرض لي
كل الأرض لي
كل التراب المر لي
النهر وابحر لي" ص63، فهذه المقاطع تحمل عين الفكرة التي جاءت في قصيدة "درويش "أنا لست لي" ، والتي يقول فيها:
"هذا البحر لي
هذا الهواء الرٌطْب لي
هذا الرصيف وما عليْهِ
من خطاي وسائلي المنويٌ" لي
ومحطٌة الباصِ القديمة لي . ولي"
اعتقد بان التطابق بين النصين يحسب على "اسماعيل حج محمد" وليس له، فكان يمكن ان يقدم عين الفكرة بكلمات وطريقة مغايرة لما جاء به "درويش"
ونجد بعض القوافي كانت تقيد الشاعر وتجعله أسير لها، ففي قصيدة "نجم ما افل" يقول:
"لمعت نجوم في الفضا صفراء يحرسها هبل" ص48، وكلنا يعلم أن هبل إله وثني عبد عند العرب وهو رمز سلبي تماما، كما أنه في هذا السياق خارج النص، ولا يخدم الفكرة، والدليل على ذلك عندما استخدم الشاعر "هبل" في قصيدة "قم وابتعد" قدمه بشكل سلبي:
"دقوا طبول الحرب باركها هبل" ص62، وقد قلنا سابقا أن تحرر الشاعر من القافية تمنحه فضاء أوسع لاستخدام ما يريد من الكلمات، وتجعل قصائده أقرب إلى السلاسة، ولا تجعل القارئ يشعر أن الشاعر (أخفق) في اختيار الكلمة المناسبة، أو انه اجبر عليها ـ مكرها ـ .
اعتقد ـ وأرجو أن اكون مخطئا ـ ان هناك قصيدة "نزف الغيوم" كانت مقحمة في الديوان، وقد بدى لنا وكأن الشاعر لم يرد أن "يحين عليها" فكانت في غير موضعها، وهي من أضعف القصائد إن كان على مستوى الفكرة أم اللغة وتكاد أن تكون دخيلة على الديوان.
الديوان من منشورات بيت الشعر، رام الله، فلسطين، الطبعة الأولى 2015