صقيع

يحيى علوان
2018 / 1 / 13

في الصباحِ الباكرِ هيَّأَ فطورَ صغيرته للمدرسةِ...
تناولَ فطوره البسيط ، أعدَّ قهوةً بالحليب ، وخرجَ إلى الشُرفة يمارسُ طقسه الأثير صباحاً ،
قهوة مع سيجارة.. قبلَ أنْ يَشرَعَ بتقليبِ بريده.. وما خَمّرَه تحت اللحاف من أحلامٍ لايحكيها لأحدٍ،
ولا يكتبها مخافَةَ إنكشافها مثلَ "مؤامرةٍ"...!
أَحلامٌ إستولَدَها من أَرَقٍ مُتكبِّرٍ ، إعتاشَ على رغيفِ السهر !
* * *
نهارٌ باهرٌ،
سماءٌ صافية إلاّ من شَتيتِ غيومٍ بيضاءَ، تتجمّع ببطءٍ،
لتُنازِعَ الشمسَ على "شقفَةٍ"من جسدِ السماء، تشبه منظرَ البحرِ من الطائرة،
أتكونُ السماءُ بحراً مقلوباً ..؟! هكذا تتقافزُ الصورُ في رأسه...
رأى سحابةَ بُخارٍ من أنفاسه إرتدَّتْ إلى وجهه ، قبلَ أنْ يُشعِلَ سيجارته ...
"إذنْ الطقسُ باردٌ جداً هذا الصباح ..."، فكَّرَ.
في الحديقةِ بقعةٌ من ماءٍ ، فاضَ عن المزريبِ النازلِ من فوق ، تَجلَّدَتْ ،
ولما حاول غُرابٌ إلتقاطَ شيءٍ، تزحلَقَ فوقها، فأطلَقَ صرخته المميزة،
قاسيةً جارحة.. مذعوراً طارَ إلى أعلى شجرة الكستناء،
ظَلَّ يُحدِّقُ في البقعةَ، حيث تَزَحلق ... !
عاريةً تنتصبُ الشجرةُ، مثل غجريٍّ حائرٍ ، يتسوَّلُ لحناً أضاعه في ضجيجِ "الكونْ"...
شجَرةٌ تختضُّ حنيناً لندىً يَبُلُّ أوراقاً كانت ترتديها...
الأغصان العاريةُ أمتلأتْ بقطراتٍ فاجأَها الإنجمادُ قبلَ أنْ تسقطَ على الأرض ..
فأضحتْ مثل كراتٍ زجاجية في أشجار الزينة،
إذن ، ليسَ برداً فقط ، بل صقيع ...
...........................
صباحٌ يتأوّهُ صقيعاً !
أحكمَ سَدادَ القمصلة وأشعلَ سيجارته ... دفَنَ يمناه في جيبه ،
هدوءٌ ، له رنين في الأذن ، يُهيمن على المكان ،
الناسُ نيامٌ ،
قناديلُ ناعسةٌ عند شبابيك العمارة المقابلة...
صقيعٌ على جدران الوحشة في الغربة ،
.. في الحديقة ، في الشرفةِ ، تحتَ الجلد ، له صليلٌ يدقُ العظام ...
صقيعٌ .. يُلَوِّنُ الركودَ ، الذي يَسِمُ أيامه،
فكَّرَ: عسى الصقيع يُفتِّتُ السأمَ في حياته ، فقد شَرِبَ كفايةً من كاسات المَلَلِ ..!
لكنه، سرعانَ ما تذكّرَ أنَّ صديقاً له عاتبه نهايةَ العام المنصرمِ ، توَّاً، لغيابِ الفرَحِ في بضعةِ
نصوصٍ كان قد بعثها له قبل ذلك...
تأمَّلَ ورنينُ عتاب الصديق يُنَقّرُ في رأسه :" سأحاولُ اليومَ أن أكتبَ عن شيءٍ مُبهجٍ ...
عن شروق الشمس ، وأتركُ لغيري يكتب عن مغيبها !!" قالَها مع نفسه.
لكنْ أُسقطَ في يده !! فالسماءَ تَلَبَّدَت بالغيوم...
قالَ سأذهبُ إلى برج التلفزيون وسط برلين ، فهو أعلى من برج إيفل بحوالي خمسينَ متراً ...
ولابُدَّ أن يكون فوق السحاب حيث يمكنني مراقبة الشروق ...
......................
وفيما كان يُجهِّزُ نفسه للخروج إلى وسط برلينَ ، تذكَّرَ أنَّ ما بحوزته لايزيدُ على 10 يورو، والشهرُ في أَوّله ..
بطاقة الدخول للبرج 18 يورو، ناهيكَ عن الأسعار "الفلكية" للمطعم الدوّار في أعلى البرج ..!
.....................
ثمَّ تذكَّرَ أنَّ البُرجَ لايفتحُ أبوابه للزوار إلاّ الساعة العاشرة قبل الظهر...
آنذاك تكونُ الشمس قد بدأت رحلتها في قبّة السماء...!
وهكذا قرَّرَ البقاءَ في البيتِ ، يحاول .. عساه يفلحُ هذه المرة!
إنتبه إلى أصيصٍ يحتضن نبتة الأوركيد، عندَ الشباك ، تماماً جنب طاولة شغله...
لاحظَ أنها أطلقَتْ غصنين جديدين ، فيهما حُبيبات براعمَ ستُزهرُ أورادَ أوركيدَ حمراءَ وأُخرى برتقالية
بهيّة، تُعلنُ حلولَ الربيع ، رغمَ أنف الصقيع ...!!

أحسَّ بتعبٍ لذيذٍ ، أطفأ حاسوبه ، وذهبَ إلى الفِراش ...