لعنة التاريخ: ترقيع بكارة الثورات!!

سامي عبد العال
2018 / 1 / 12

بعد تساقط أوراق الربيع العربي، واستمرار الأحوال البائسة على مجتمعاته، رُوِّج لمقولة أنَّ: جلب الثورات على وزن جلب العار.. وأحياناً جلب الماء.. ومؤخراً على وزن جلب الخراب!! في محاولة لدفع احتمالات التغيير عن إطلال مجتمعات العرب وعن الأنظمة الشمولية التي نبتت مجدداً وأصبحت أكثر شراسةً من سابقاتها. ولم يعد أمامها إلاَّ تحطيم الأدمغة حتى لا تفكر. إنَّ مجرد التفكير في المستقبل يقلق سلطات ما بعد الثورة ويقض مضجع القابعين على جثث الأبرياء والشهداء. وبات متيقناً أنها أنظمة جاءت لتأديب الشعوب، فما كان ينبغي للمقهورين إعلان التمرد. تأديبها على طريقة مشايخ الكتاتيب ورعاة الإبل والأغنام.

يُقال " جلبت فلانة العار ".. حين تأتي فعلاً فاضحاً، فيجري الوصف بكونها مصدراً لإلصاق الأذى بحالها. من تلطيخ سمعتها ونشر أفعالها مؤطرةً اجتماعياً. وتدريجياً يحل الوصف كبديل، لأنَّ المجتمع العربي يغتال الإنسان بظروف مزرية لا فكاك منها. ومن ثمَّ كان على صاحبة الفضيحة التخفي إزاء أي حديث كمن يهرب من ظله. وجلب الماء يدل على العطش تطلعاً إلى الارتواء أكثر من الإتيان بالماء. لأنَّ الماء يرتبط بالحياة والنماء. وهو لدى الفلاسفة كهيراقليطس رمز التغير: إنك لا تستطيع أنْ تزل النهر مرتين!

المعنيان يحومان حول فعل الثورة في الثقافة العربية. فالثورة حدٌ أخلاقي لا يتجاوزه الشعب إلاَّ وقد تجاوز حد الصوت. وحد الصوت يمثل التقاليد البالية التي تعفنت فيها الذهنيات وتحللت. ولا يخفي علينا أن الثقافة المشار إليها صوتية بالمقام الأول. بدءً من أصوات( طنين) الوحي والإيحاء ومروراً بصوت الحاكم والسلطان والمعلم وشيخ القرية وخطيب المسجد وانتهاءً بأصوات الباعة الجائلين والمدَّاحين والقدَّاحين.

أما جلب الخراب كضلع ثالث، فهي نغمة تعالت عقب ضياع آمال الثورة وتطلعاتها التي كانت تنشدها الشعوب العربية. ومازالت تلك المقولة غالبة ولاسيما في دولة أو أخرى استقر نظامها على أنفاس الناس بلا طائل. وتمَّ إخراج رموز الفساد السابقين واللاحقين كما تخرج الشعرة من العجين. وأصبح جلب الخراب فزاعة يترنم بها إعلاميون متسلقون لشوارب السلطة. وفي هذا حولت المزايدات الخراب إلى اتهام مباشر لمن ينتقد الأوضاع السيئة وآثار السياسات والإفقار وتدمير العقول وإفساد بقايا الديمقراطية.

هذه الأشياء جميعها تنويعات على " نوتة صوتية" واحدة لها مقامها الأعلى في المجتمعات العربية. وبرغم تباعد الشقة قرباً أو انفصالاً، إلاَّ أنَّها تؤكد بعضها البعض وتستدعي المضامين عن نأيٍّ. فصوت عسكري المخفر له ذات المكانة مثل صوت الوحي وصوت النائحة يعزز أصوات الخطباء الذين ينغمون ويلحنون لجذب الأتباع. وذلك في سياق ثقافي يعتبر تغيير الأوضاع ضرباً من الجنون وكفيلاً بتحقيق الضرر بكياننا المطلق.

ولذلك يعدُّ لفظ الثورة لفظاً ممجوجاً كانت الفضائيات سبّاقة في دفعه عن دولها. بدأت اللعبة بتحذيرات الرؤساء من الثورات كمن يوجه أطفالاً: إياكم واللعب بالنار. لأن لعباً بالنيران سيحرق الأصابع كما تقول الجدات: ستجعل الأطفال يتبولون على أنفسهم ليلاً وهم نيام! وبدت الثورات ظواهر غامضة ممنوع الاقتراب منها ولا لمسها ولا فتح صندوقها الأسود. لأنَّ ذلك سيجر مشكلات نحن في غنى عنها. كان كل رئيس يعتقد أنَّ الثورة طالما حدثت على رئيس سابق في بلد مجاور، فذلك لن ينطبق على حال شعبه المخنث. وأنَّ الناس لديه عقلاء بما يكفي، حتى أنَّهم لم يعودوا ليلعبوا تلك التمثيلية السخيفة في إسقاط الأنظمة.

بل ما معنى الهتاف الخائب: الشعب يريد إسقاط النظام؟! إنَّه جاء لدى الحاكم كنداء يجب الكف عنه. أما فعل الثورة فهو كالموت إذ يعد سردية باردة ثقيلة الدم. ويمكن توقعها لأي مجتمع ولأي حاكم إلاَّ مجتمعاتنا، وإلاّ أنا كرئيس مؤيد من السماء أو هكذا يردد الحاكم!! وأن من سيخرج علينا باسم الحرية والديمقراطية والعدالة لن ينالها جميعاً. فقد شق عصا الطاعة وأتى بالبلاء ولا يستحق سوى القتال. والحاكم السابق واللاحق يظن أنَّ الثائرين لم يخرجوا على النظام بل خرجوا عن السماء التي تؤيدهم.

إنَّ التعامل الأخلاقي اللاهوتي كان أصلاً في المسألة الثورية من الأساس. حتى اعتبره البعض محكاً لاختبار المجتمع كله. لأن الذي وضع هذا الرئيس أو ذلك في تلك المكانة هو الله. ومازالت الأنظمة العربية تؤسس لمعانيها في سراديب الإعلام وكهوف المؤسسات وبرامج التعبئة والتربية الحزبية وعبر دوائر العملاء والجهلة ومرتزقة المثقفين ودراويش السلطة.

لكن القضية أنَّ النظام الذي يدفع الثورة - حتى لو كانت هاجساً أو خاطراً - بعيداً عنه إنما هو نظام مشبع بالغباء. لأنَّ تخلصاً من الثورة هو في النهاية جلب لها. السياسة دون غيرها من فعاليات الإنسان إذ تتردد أصداؤها في أخص شؤون الحياة. فلقد يكون الخطاب العام منفصلاً عن الجانب السياسي إلاَّ أنَّه يؤسس لما ينبغي فهمه في بنية الدولة وقراراتها. وقد يستند إلى رواسب ثقافية هي الأساس لمفاهيم كبرى حول الأخلاق والعالم والإنسان. وبالتالي سيكون المجتمع في حاجة ماسة للتعامل مع القضية مباشرة وهو المسئول عن طرح أسئلتها وما إذا كان لها إجابات في الواقع أم لا.

وبهذا المعنى سيتساءل الناسُ أول ما يتساءلون عن حياتهم البائسة في ظل سلطة تقبُر مفاهيم الثورة والحرية وتقمع محاولات الرفض. وتدعو إلى الطاعة الضمنية لما يكتنفها من أحوال. دول الخليج كانت سباقة لإحياء العار السياسي عندما اندلعت أحداث الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا. وهذا الميراث ينتمي إلى حزمةٍ من الأخلاقيات والتقاليد القبلية والعرفية ضاربة الجذور في مجتمعاتها. وهي ذات التقاليد التي تدعو الآن إلى ترقيع الفتاة العذراء بعد ارتكابها لحريتها. ولا يهم ما إذا كانت صادقة مع نفسها أم لا، ولا ما إذا كانت مصونة في نظام ظالم يدعوها للفاحشة باسم الزواج ولملمة الشرف من الاندلاق. هنا تشترك الثورة مع هذه العذراء في قبرها... فليطالب الناس برفع المظالم ولكن يجب ألاَّ يشكل ذلك فضيحة!!

جميع سياسات الإعلام العربية تقوم على المقاومة الشرسة للمد الثوري وتفعل الديمقراطية. والتاريخ لا يفلت طرف الخيط إطلاقاً. لأنَّ الكرة ( الثورية الملتهبة ) التي يلقيها خطاب الإعلام بعيداً ترتد إلى أرض دولته. كانت قمة المهازل دولة قناة الجزيرة التي وقفت في الخط الأول من الصد لأمواج الربيع العربي ومحاولة توجيهها لأغراض خاصة. تتقاطع فيها جماعات الإرهاب الديني ومصالح أمريكية. حيث بادرت بالضرب على كل حالةٍ بالنسبة للأنظمة التي كانت تحكم. فقالت الجزيرة كثيراً عن الظلم وكأنَّه لا يوجد بدولة قناة الجزيرة ظلم واستبداد. قالت عن فقر الدول وكأن دولتها لا تهدر أموال طائلة فيما هو مدمر للشعوب وتمويل جماعات العنف. تحدثت عن الصراع وحركة الزمن كأنَّ دولتها دولة معلقة في سقف التاريخ لن تطالها حركة ولن يشملها صراع. تحدثت عن الإنسان وانحازت إليه على حد زعمها. وكأنَّ مجتمعها يخلو من البشر ولا يستحقون الانحياز إليهم... ما هذا التناقض الغبي؟

وباقي الفضائيات سارت على ذات المنوال، مافتئت قناة العربية ليلاً ونهاراً تتحدث عن الحرية والمعرفة والديمقراطية في مجتمعات أخرى وضرورة تحقيقها. بينما مجتمعها المتصحر قاحل ويخلو من الزرع والماء والديمقراطية تماماً. لدرجة أنّ الثورة كمقابل لجلب الماء لن تنفع، فالماء في الصحراء بالتقطير( قطرات وراء قطرات). ولن يكون هناك تغيير سوى مع السيول الجارفة التي تطهر المجرى وتحطم الأصنام ثانية وثالثة...

وتلوح لعنات التاريخ في أنَّ الذين يحذرون من الخراب هم أنفسهم سيأتون به إنْ لم يكن قد لاح بالأفق فعلاً. لقد أفقروا الشعوب حتى تم انتزاع اللحم عن العظم بعناوين الإصلاح والهيكلة وضخ دماء جديدة ومشروعات التنمية ومحاربة الفساد وإعادة مكانة الدولة إلى سابق عهدها الذي لم يأتِ أصلاً. الأرصفة والمقابر غصت بالجياع والعاطلين والفقراء...الناس في دول الربيع العربي يلتحفون السماء ولا يأكلون إلاَّ من الزبالة.. هكذا فإنَّ نفايات الأغنياء تعتبر أفخر مأدبة يقدما الرب الجديد إلى شعبه!!

لم يكن المد الثوري التونسي الأخير إلاَّ دليلاً على أبرز لعنات التاريخ. فكم حدث من تواطؤ بين الإسلاميين والليبراليين المزيفين تحت غطاء إقليمي ومعونات وتدخلات خليجية ودولية في الشأن التونسي. لكن جفت المياه وباتت أسماك الوحل قاتلة لكل من يتناولها. ولاح في الأفق التمثيلية التي قادها نظام المرزوقي السابق لترقيع ثورة الياسمين وتزويرها باسم الحرية والعدالة ودولة القانون. بينما كان المرزوقي واجهة للإسلاميين والرجعيات العربية والعملاء المحليين وغياب الرؤى المستقبلية. ولم يستطع النظام الحالي تنفيذ مشروعات ولا إصلاح اقتصادي مأمول. مما أدى إلى خروج الشباب التونسي إلى شوارع الفقر والتجويع والبطالة لكشف الحيل الخادعة. وقد حملوا علامات الضجر من الانتظار فلم يعد الحال ليسُر ولا ليستقر مع ارتفاع الأسعار والتخبط الاقتصادي.

وليس هذا إنذاراً لتونس المجتمع والدولة فقط ومن يتلاعب بإرادتها، بل إنذار شديد اللهجة لدول عربية أخرى جري ترقيع "غشاء بكارة" ثورتها مع مرور أعيادها السنوية. ذلك باعتبارها عذراء. وأنها مشروع وطني خالص لا يبتغي غير رفاهية الشعب وحريته.....!! وفي كل مرة كانت مسكنات الكلام المعسول هي التي تلعب أدوراً في تهدئة الروح الشعبي. لكن ليس بالكلام وحده سيأكل الناس ويتعلمون وينخرطون في الحياة وتتجدد آمالهم في غد مشرق. الجعجعة بدون طحن لن توفر خبزاً ولن تشفي غليلاً من ضيق الأحوال ولدغات الفقر.... فهل يدرك أصحاب الخطابات الجوفاء: كيف يزرعون رياحاً لعواصف قادمة؟

كم أنت عظيم أيها التاريخ... ستكشف بيوم من الأيام حيل الحواة والبهلوانات مهما طال الزمن.... وسيقع المحظور الذي يحاولون دفعه بعيداً عن ذقونهم!! فلم يعد ممكنا ترقيع غشاء الثورات... لأنها بكارة خادعة تُنتهك يومياً من حكامها ويتم إهالة التراب على مطالب الشعوب وتحررها.