العودة إلى البحر أو العقول الثلاثة

سعود سالم
2018 / 1 / 12

يعد طاليس أول فيلسوف يوناني مارس التأمل الفلسفي، وهو من ما يسمى بالحكماء السبعة ومن رواد المدرسة الأيونية والمسماة بالملتية l école milésienne نسبة إلى مدينة Μίλητος / Mílêtos ‪/‬ Milet. وقد جمع بين النظر العلمي والرؤية الفلسفية، ووضع طريقة لقياس الزمن وتبنى دراسة الأشكال في الهندسة وخاصة دراسته للمثلثات المتشابهة، واكتشف البرهان الرياضي في التعامل مع الظواهر الهندسية والجبرية أو مايسمى بالكم المتصل والكم المنفصل. وإذا كان هناك من ينسب ظهور الرياضيات إلى فيتاغوراس، فإن كانط في كتابه " نقد العقل النظري" يعد طاليس من أول الرياضيين. طاليس يرجع أصل العالم في كتابه "عن الطبيعة" إلى الماء باعتباره العلة المادية الأولى التي كانت وراء تكون العالم. ويؤكد أن " الماء هو قوام الكائنات بأسرها، فلا فرق بين هذا الإنسان وتلك الشجرة وذلك الحجر إلا الإختلاف في كمية الماء الذي يتركب منها هذا الشيء أو ذاك". ويعتبره نيتشة أول الفلاسفة لأنه أكد عدة حقائق أساسية منها أن أصل الأشياء أو الأصل الذي تصدر عنه كل الأشياء هو أصل مادي، كل نظامه كان خاليا من الأساطير والخرافات، كما أنه أكد وحدة الأشياء. ولد طاليس حوالي 625 ق.م في ميلـِتيه Milet، ويقال أنه من أبوين فينيقيين، وتلقى معظم تعليمه في مصر والشرق الأدنى. وفيه يتمثل انتقال الثقافة والفكر من الشرق إلى الغرب ويلقي الشك على الفكرة القائلة بأن الفلسفة هي معجزة يونانية غير ممكنة إلا في الغرب الأوروبي. كان يقضي أغلب وقته في الدراسة والإستكشاف ومراقبة السماء لدرجة سقوطه ذات يوم في حفرة وهو يراقب النجوم حسب ما تقول الأسطورة. وتعزو إليه الروايات المتواترة إدخال العلوم الرياضية والفلكية إلى بلاد اليونان. ‪فعندما كان في مصر لدراسة الرياضيات‬ تمكن من حساب ارتفاع هرم خوفو بقياس ظله في الفترة التي يكون فيها ظل أي شيء مساوياً لطوله، مستخدما طول قامته كوحدة قياسية لحساب ظل الهرم الأكبر. ونتيجة لهذا العمل الدقيق فتحت السلطات الدينية المصرية أمامه أبواب المكتبات مما مكنه من دراسة العلوم المصرية من فلك ورياضيات وهندسة. ولما عاد إلى أيونيا واصل دراسة الهندسة النظرية، وبحوثه في الحساب والرياضيات والفلك وطور طريقته في الإستدلال العلمي، وشرح كثير من النظريات التي جمعها إقليدس فيما بعد . وكما أن هذه النظريات كانت الأساس الذي قام عليه علم الهندسة النظرية اليونانية، كذلك كانت دراسته لعلم الفلك الأساس الذي قام عليه هذا العلم في الحضارة الغربية، بعد أن خلصه من التنجيم الذي كان له أهمية دينية كبرى في الشرق. وتمكن بالـ"تنبؤ" أو بالأحرى حساب الوقت الذي سيحدث فيه كسوف الشمس، في الثامن والعشرين من شهر مايو 585 ق.م، والراجح أنه قد استند في حساباته على معلوماته المستقاة من السجلات المصرية وعلى الحسابات الفلكية البابلية. أما فيما عدا هذا فإن نظريته في نظام الكون لا تختلف كثيراً على ما كان شائعاً عن هذا النظام عند المصريين والبابليين، فقد ظن أن العالم يتكون من نصف كرة يرتكز على منبسط من الماء لا نهاية له، وأن الأرض قرص مستوي طافٍ على السطح المستوي في داخل هذا الجسم النصف كروي، وأن سبب الزلازل هو إهتزاز الماء.
بعد طاليس جاء أناكسيمندريس Ἀναξίμανδρος / Anaxímandros - حدود ٦١٠٥٤٦ قبل الميلاد، وقد أرجع الأشياء والكون إلى عنصر واحد هو ἄπειρον / apeiron والذي يعني اللامحدود واللامتناهي واللامحدد، والأبايرون عنصر لا يمكن إدراكه بالحواس ولايمكن تحديده إلا سلبيا، فهو المادة ذاتها متصفة بصفات اللانهائية واللامحدودية والحركة الدائمة. وإذا كان ستيفين هوكنغ stephen Hawking في كتابه السابق الذكر يدافع عن فكرة عدة عوالم وأكوان متعددة Multiverse، فإن أناكسيمندريس كان يبشر بذلك أيضا منذ أكثر من خمسة وعشرين قرنا وإن كان بصورة مغايرة بطبيعة الحال. وقد شاركه أناكسيمينيس في الدفاع عن نظرية العوالم المتعددة، وأقر بدوره وجود عدة عوالم، تولد وتتلاشى أو تموت في اللامتناهي الأبدي، وإن كان هناك خلاف بين المؤرخين حول طبيعة هذه العوالم المتعددة، هل هي متوازية أم متتابعة. عبد الرحمن بدوي يقول بهدا الخصوص : " أصح الآراء في هذا الصدد وأكثرها إحتمالا هو القول بأن هذه العوالم لا توجد معا وإنما هي توجد متتابعة، فإذا فني الواحد وجد الآخر الذي يليه وهكذا باستمرار" وذلك لأن أناكسيمندريس يقول بأن الولادة تقتضي الفناء والكون يقتضي الفساد، فكل عالم يولد يقتضي أن يفنى ليولد عالم جديد، فهذا ما تقتضيه "العدالة"، من حيث أن الفناء تكفير عن خطيئة الوجود لأن الوجود يتطلب طرد موجود قائم والحلول محله.. تولد هذه العوالم بواسطة حركة أزلية تتكرر إلى الأبد والتي ينتج عنها ظاهرة "الإنفصال"، وهي الحركة الديناميكية التي تنبثق منها الأشياء، وأول ما ينشأ عن هذا الإنفصال من الآبايرون اللامحدود هو الحار والبارد، هذه الأضداد يؤثر أحدهما في الآخر بعد الإنفصال وينتج عن تقابلهما كل الظواهر الطبيعية.
أناكسيمينيس Anaximène ‪‬ Ἀναξιμένης هو تلميذ ومعاصر أناكسيمندريس ٥٨٥٥٢٥ ق.م وأراد أن يوفق بين عنصر الماء لطاليس والآبايرون اللامحدود لمعلمه، فقال بأن العنصر الأساسي لنشأة الكون والأشياء هو الهواء باعتباره محيطا بالكون وفي حركة دائمة، بالإضافة إلى أنه لاحظ أن إنقطاع الهواء عن الإنسان أو الحيوان يؤدي مباشرة إلى الموت والهلاك. وحاول تفسير وتوضيح فكرة معلمه عن نشوء الكون عن طريق الإنفصال وذلك بإضافة فكرة التكاثف والتخلخل. وأول شيء ينشأ من الهواء هو الأرض، وهي على شكل قرص معلق في الهواء، واكتشف بأن القمر يستمد نوره من الشمس.
ورغم المحاولات العقلية الجادة التي قام بها هؤلاء الفلاسفة-العلماء الأيونيين لتنظيم الكون في صورة منطقية يتقبلها العقل، فإن الإمكانيات المعرفية والأدوات المتاحة في ذلك الوقت لم تكن كافية للخروج تماما من الخيال، غير أنه مع ذلك بقي خيالا علميا وليس أسطوريا. أي أنهم "علمنوا" نظامهم الكوني الميثولوجي السابق‪.‬ ففيما يسمى بالثيوغونيا - Θεογονία - وتعني "أنساب أو مولد الآلهة - هي قصيدة كتبها هسيود حوالي العام 700 قبل الميلاد - عاش بين القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد - وتصف أصول وأنساب آلهة اليونان، تتحول عن الأيونيين نموذجا للتفكير في صيرورة الطبيعة. هذه الآلهة التقليدية تتحول إلى "عناصر" عامة غير مشخصة، حيث زيوس Zeus يصبح النار، هاديس Hadès يصبح الهواء، بوسيدون Poséidon يصبح الماء، والآلهة غايا Gaia تصبح الأرض. فالأرض بالنسبة لطاليس وأناكسيمينيس هي مجرد قرص مسطح يطفو فوق الماء عند الأول ويسبح في الهواء عند الآخر. أما بالنسبة لأناكسيمندريس فهي في شكل يشبه عمود إسطواني. ويبدو أن أناكسيمينيس هو من يمثل هده النزعة العلمية العقلية عند الأيونيين خير تمثيل، حيث تفادى الإلتجاء إلى الأساطير والخرافات، وفسر نشأة الأكوان وفسادها تفسيرا آليا وعلميا بواسطة التخلخل والتكاثف، بينما أناكسيمندريس فسر ذلك بعلة أخلاقية هي الخطيئة والعدالة وما تقتضيه من عقاب وثواب.