المواجهة الإيديولوجيّة للنظرة البرجوازيّة إلى العالم – مقتطف من كتاب - ماتت الشيوعية الزائفة ... عاشت الشيوعية الحقيقية !- تأليف بوب أفاكيان

شادي الشماوي
2018 / 1 / 10

المواجهة الإيديولوجيّة للنظرة البرجوازيّة إلى العالم – مقتطف من كتاب " ماتت الشيوعية الزائفة ...
عاشت الشيوعية الحقيقية !" تأليف بوب أفاكيان
[ لتنزيل الكتاب بأكمله نسخة بى دى أف : مكتبة الحوار المتمدّن ]
https://www.4shared.com/office/TAHEVgGAca/__-______.html
الماويّة : نظريّة و ممارسة
عدد 28 / جويلية 2017
شادي الشماوي

( ملاحظة : هذه الترجمة ليست رسميّة /This is not an official translation )
مقدّمة المترجم للكتاب 28 :
عنوان كتاب بوب أفاكيان الذى ترجمنا إلى العربيّة وننشر هنا هو" ماتت الشيوعيّة الزائفة...عاشت الشيوعيّة الحقيقيّة !" وهو ذات عنوان بيان شهير للحركة الأمميّة الثوريّة بصدد ما جدّ في أواخر ثمانينات القرن العشرين و بدايات تسعيناته في الإتّحاد السوفياتي و البلدان التي كانت تمثّل كتلته من تفكّك و تداعى و إنهيار . و الحركة الأمميّة الثوريّة وليدة الصراع بين الخطّين صلب الحركة الشيوعيّة العالميّة الذى خاضه ورثة ما سمّي بداية " فكر ماو تسى تونغ " و تاليا الماويّة ضد كلّ من التحريفيّة المعاصرة السوفياتيّة و التحريفيّة الصينيّة و التحريفيّة الألبانيّة أو الخوجيّة ، تنظيم عالمي لمجموعة كبيرة من الأحزاب و المنظّمات الماويّة أو الماركسيّة – اللينينيّة – الماويّة نشأ على أساس بيان الحركة الأممية الثوريّة لسنة 1984 الذى أردف لاحقا ، سنة 1993 ، ببيان " لتحي الماركسية - اللينينيّة - الماويّة " . و ظلّ هذا التنظيم العالميّ ينشط موحّدا إلى 2006 حيث حصل داخله إنشقاق أساسيّ كبير لعدّة أسباب أبرزها الإنحراف اليمينيّ ، التحريفيّ الإصلاحيّ للحزب الشيوعيّ النيبالي ( الماوي ) الذى أوقف حرب الشعب الماوية التي قادها لسنوات عشر و بدلا من إنجاز الثورة الديمقراطية الجديدة و تعبيد الطريق للثورة الإشتراكية بقيادة البروليتاريا و بالتالى تحطيم الدولة القائمة للطبقات الرجعيّة ، إنخرط في العمل في إطار الدولة الرجعيّة لإصلاحها . و قد سبق لنا و أن وثّقنا هذا الصراع داخل الحركة الأممية الثوريّة في كتابين تجدونهما بمكتبة الحوار المتمدّن و هما " الثورة الماويّة في النيبال و صراع الخطّين صلب الحركة الأمميّة الثوريّة " و " الماويّة تنقسم إلى إثنين ".
و بوب أفاكيان هو رئيس الحزب الشيوعي الثوري ، الولايات المتّحدة الذى كان من أهمّ الفاعلين في تشكيل الحركة الأمميّة الثوريّة و في قيادتها لذلك لم يكن مفاجأ أن يحمل بيان تلك الحركة نفس عنوان كتاب أفاكيان كما لم يكن مفاجأ أن تروّج أحزاب و منظّمات تلك الحركة لهذا الكتاب عبر العالم قاطبة و كذلك لم يكن مفاجأ عدم نشر الجزء الثاني المعدّ في الأصل لهذا الكتاب مع الجزء الأوّل منه بل صدر في مجلّة الحركة الأمميّة الثوريّة ، " عالم نربحه " عدد 17 سنة 1992 ورابطه على الأنترنت هو : http://www.bannedthought.net/International/RIM/AWTW/1992-17/index.htm. و قد إنصبّ إهتمام المؤلّف في الجزء الذى نشر بالمجلّة إيّاها على نقد إنحراف يمينيّ ديمقراطيّ برجوازي ظهر صلب قيادة حزب من الأحزاب المنتمية إلى الحركة الأمميّة الثوريّة ونقصد الحزب الشيوعي الهندي ( الماركسي – اللينيني) لجنة إعادة التنظيم. و بعد بضعة سنوات ، في طبعة ثانية للكتاب ، وقع ضمّ الجزء المنشور بالمجلّة إلى بقيّة الكتاب . لذلك لم نترجم الكتاب كما صدر في طبعته الأولى فحسب بل أضفنا إليه النصّ الذى نشر في " عالم نربحه ".
و لئن إنكبّ بوب أفاكيان في الجزء المنشور في مجلّة الحركة الأمميّة الثوريّة بتسليط سياط النقد على ذلك التوجّه التحرفيّ الإصلاحي فإنّه في الجزء الذى صدر من البداية ككتاب قد إعتنى بالردّ على الهجوم الإيديولوجيّ على الشيوعيّة الحقيقيّة ، الشيوعيّة الثوريّة من قبل الممثّلين السياسيّين و الأدبيّين للبرجوازيّة الإمبرياليّة و بالأخصّ ما صرّح به جورج بوش و برجنسكي المستشار السامي في إدارته .
و ليست هذه هي المرّة الأولى التي ينبرى فيها بوب أفاكيان و حزبه للتصدّى للدفاع المستميت عن علم الشيوعية و التجارب الإشتراكيّة للبروليتاريا العالمية وتعرية التيّارات التحريفيّة و الإصلاحيّة فقد رأينا بوب أفاكيان يقارع التحريفيّة الصينيّة التي إستولت على السلطة في الصين إثر إنقلاب 1976 و حوّلت الصين الماويّة الإشتراكيّة إلى صين رأسماليّة ، في كتاب " المساهامات الخالدة لماو تسى تونغ " و رأينا الحزب الشيوعي الثوري ، الولايات المتّحدة الأمريكيّة ، ينقد بصلابة الخوجيّة و يرفع راية الماويّة في كتابنا ، " الماويّة تدحض الخوجيّة و منذ 1979 " ، و رأينا هذا الحزب بقيادة بوب أفاكيان ، يفضح تحريفيّة و إصلاحيّة الحزب الشيوعي النيبالي ( الماوي ) في كتابنا " الثورة الماويّة في النيبال وصراع الخطّين صلب الحركة الأمميّة الثوريّة " ) و ألفيناه أيضا يواجه دغمائيّة بعض الأحزاب و المنظّمات التي كانت منتمية إلى الحركة الأممية الثورية من أفغانستان و الهند و إيطاليا و غيرها و معارضتها التعاطى مع الشيوعيّة كعلم و تطوير الماويّة تطويرا ثوريّا في كتابينا " الماويّة تنقسم إلى إثنين " و " آجيث صورة لبقايا الماضى " . و لتكوين فكرة عن الخلاصة الجديدة للشيوعيّة أو الشيوعيّة الجديدة التي يعتبر بوب أفاكيان مهندسها و التي يمكن أن تعدّ مزيجا من الدفاع عن المبادئ الشيوعيّة الصحيحة و مكاسب التجارب الإشتراكية من ناحية و نقد لبعض الإنحرافات و الأخطاء و تطويرثوريّ للماويّة أو الماركسيّة – اللينينيّة – الماويّة لجعلها أرسخ علميّا و أقدر على قيادة المرحلة أو الموجة الجديدة للثورة الشيوعية العالميّة من ناحية ثانية ، نقترح على القرّاء الغوص في كتابنا – المتوفّر هو و بقيّة الكتب الآنف ذكرها بمكتبة الحوار المتمدّن – " عن بوب أفاكيان و أهمّية الخلاصة الجديدة للشيوعية – تحدّث قادة من الحزب الشيوعيّ الثوريّ ، الولايات المتّحدة الأمريكيّة ".
و قد ينبرى أحدهم ليثير سؤال : ما علاقة كتاب " ماتت الشيوعيّة الزائفة ... عاشت الشيوعيّة الحقيقيّة ! " بمجريات أحداث الصراع الطبقيّ و الصراع الإيديولوجي تحديدا الآن و هنا ، بعد ما يناهز الثلاثة عقود من صدور ذلك الكتاب ؟ و الجواب في غاية البساطة : المسائل المطروحة و المناقشة مسائل ما إنفكّت تطرح على بساط البحث إلى اليوم في صفوف فرق اليسار عربيّا فضلا عن كون الهجوم الإيديولوجيّ على الشيوعيّة الحقيقيّة ، الشيوعيّة الثوريّة ما لقي تصدّيا كما يجب كمّا و نوعا من الشيوعيّين و الشيوعيّات في البلدان العربيّة و ما زلنا إلى اليوم نعانى أيّة معاناة من تبعات ذلك . و حتّى عالميّا ، لا تزال أفكار هذا الكتاب ليس صالحة و حسب بل تنبض حياة و على سبيل المثال سيتفطّن دارس الخطّ التحريفيّ الإصلاحيّ للحزب الشيوعي النيبالي ( الماوي) منذ 2006 و دارس نقد أفاكيان للحزب الهنديّ في الجزء الثاني من هذا الكتاب تقاطعا إلى درجة كبيرة بين أطروحات الحزبين المنحرفين و بالتالى بالإمكان إستغلال حجج أفاكيان في هذا المصنّف للردّ عليهما معا و حتّى على أشباههما ممّن صاروا من أنصار الديمقراطيّة البرجوازيّة المغلّفة بغلاف شيوعيّ في الكثير من بلدان العالم و على النطاق العربيّ أيضا .
و وحده من يسلك سياسة النعامة و يدفن رأسه في الرمل بوسعه إنكار ضرورة الفرز اليوم بين الشيوعيّة الزائفة أي التحريفيّة و الإصلاحيّة السائدتين داخل الحركة الشيوعيّة العربيّة من جهة و الشيوعيّة الحقيقيّة ، الشيوعيّة الثوريّة من الجهة الأخرى سيما و انّ التحريفيّة و الإصلاحيّة قد نخرا و لا يزالان أجسام حتّى القلّة القليلة الباقية من المنظّمات الشيوعيّة الثوريّة أو التي تدّعى ذلك ، و قد سمّما أفكار الشيوعيّات و الشيوعيّين و حوّلا تلك المنظّمات و أولئك الأشخاص إلى ديمقراطيّين برجوازيّين أو قوميّين شوفينيّين لا غير .
و من هنا يندرج عملنا هذا ضمن توضيح و مزيد توضيح خطوط التمايز بين علم الشيوعيّة كسلاح جبّار من أجل الثورة الشيوعيّة العالميّة من ناحية و الصورة المحرّفة و المشوّهة له التي يقدّمها التحريفيّون و الإصلاحيّون من الناحية الأخرى. غاية عملنا إذن هي مساهمة أخرى تنضاف إلى مساهماتنا السابقة في ممارسة الماركسيّة و نبذ التحريفيّة كما أوصانا ماو تسى تونغ . و يكفى إلقاء نظرة على مضامين هذا الكتاب الذى نضع بين أيديكم للتأكّد من مدى أهمّية و صحّة هذا و لا ظلّ للشكّ في أنّ دراسة القضايا المناقشة في هذا الكتاب ستساعف على كشف حقائق في منتهى الأهميّة و الدلالة و رفع الوعي الشيوعيّ الحقيقيّ و نشره في مجابهة أعداء الشيوعيّة و مزيّفيها . و بطبيعة الحال ، ينبغي عدم نسيان إعمال سلاح النقد و قراءة الكتاب قراءة نقديّة في علاقة بواقع أيّام كتابته و أيّامنا هذه و لما لا صياغة ملاحظات نقديّة تفيد في الجدالات و الصراعات في سبيل تطوير فهم علم الثورة البروليتاريّة العالميّة و تطبيقه من أجل تغيير العالم تغييرا شيوعيّا ثوريّا و تحرير الإنسانيّة من كافة أنواع الإستغلال و الإضطهاد.
و محتويات العدد 28 من " الماويّة : نظريّة و ممارسة " ، فضلا عن مقدّمة المترجم :
ماتت الشيوعية الزائفة ... عاشت الشيوعية الحقيقية !

مقدمة الناشر :
تمهيد :
موت الشيوعيّة و مستقبل الشيوعيّة
القمم الثلاث
1 / ماركس :
أ- المادية التاريخية هي الجانب الجوهريّ فى الماركسية :
ب- السرّ القذر للإستغلال الرأسمالي :
2 / لينين :
أ - الإقتصاد السياسي للإمبريالية :
ب- الحزب البروليتاري الطليعي :
ت- تطوّر الثورة البروليتاريّة العالميّة كسيرورة ثوريّة عالميّة :
3 / ماو تسى تونغ :
أ- نظرية و إسترتيجيا ثورة الديمقراطيّة الجديدة :
ب- مواصلة الثورة فى ظلّ دكتاتوريّة البروليتاريا :
4/ الماركسية - اللينينية - الماوية : توليف كلّي القدرة لأنّه صحيح

الجزء الأوّل
الهجوم الراهن ضد الماركسيّة : المراوغات و الردود
1/ أسطورة الأسواق الحرّة فى مقابل الإشتراكية الحقيقية :
2/ بصدد البرجوازية و " الطبيعة الإنسانية " و الدين : الردّ الماركسي :

3/ مرّة أخرى حول الإقتصاد البرجوازيّ و خلط البرجوازيّة للأمور:

4/ من يدافع حقا عن التحرر الوطنيّ و ما هو مفهوم الأمميّة :

5/ دكتاتورية البروليتاريا : ألف مرّة أكثر ديمقراطيّة ... بالنسبة للجماهير :

6/ الشيوعيّة ليست " طغيانا طوباويّا " بل هدفا قابلا للتحقيق و هدفا تحرّريا :

7/ " الماديّة التاريخيّة " الميكانيكيّة و الماديّة التاريخيّة الجدليّة :
الجزء الثاني
مرّة أخرى حول التجربة التاريخيّة للثورة البروليتاريّة – مرّة أخرى حول كسب العالم

1/ مسألة قوى الإنتاج :

2/ تقدّم الثورة العالميّة و تعزيزها :

3/ الثورة البروليتاريّة و الأمميّة : القاعدة الإجتماعيّة :

القيام بالثورة و دفع الإنتاج
1/ تحويل العلاقات بين الناس و تحويل الملكيّة :

2/ المساواة و الوفرة العامة فى ظلّ الإشتراكيّة :

3/ ماذا يعنى أن تكون الجماهير سيّدة المجتمع ؟

4/ البناء الإشتراكيّ فى الإطار العالميّ :

خاتمة
1/ المواجهة الإيديولوجيّة :

2/ نظرتان إلى العالم ، رؤيتان متناقضتان للحرّية :

3/ أبعد من الحقّ البرجوازيّ :

4/ التكنولوجيا و الإيديولوجيا :

5/ تغيير المجتمع و تغيير " طبيعة الإنسان " :

6/ الماديّة التاريخيّة و تقدّم التاريخ :

-------------------------------------------------------------------------------------
الديمقراطية :
أكثر من أيّ زمن مضى بوسعنا و يجب علينا إنجاز أفضل من ذلك
مقدّمة :
1 / بصدد الأحداث الأخيرة بالكتلة السوفياتية السابقة و بالصين

2/ أفق كمونة باريس : الثورتان البلشفيّة و الصينيّة كإمتداد و تعميق لها :

3 / ممارسة السلطة فى المجتمع الإشتراكيّ : القيادة و الجماهير و دكتاتوريّة البروليتاريا :

4/ الصراع الطبقيّ فى ظلّ الإشتراكيّة و أشكال الحكم الجماهيريّ :

5 / مشكلة البيروقراطيّة و دور الحزب و هياكل الدولة فى ظلّ الإشتراكيّة :

6/ تصفية التحليل الطبقيّ بإسم معارضة " الإختزاليّة الطبقيّة " :

7 / تقييم التجربة التاريخيّة :

8/ المركزيّة و اللامركزيّة و إضمحلال الدولة :

9/ إن لم تكن الطليعة هي التى تقود فمن سيقود ؟

10/ أيّ نوع من الحزب ، أيّ نوع من الثورة ؟

11 / النموذج الإنتخابيّ البرجوازيّ مقابل قيادة الجماهير لإعادة صياغة العالم :

12 / المركزيّة الديمقراطيّة و صراع الخطّين و الحفاظ على الطليعة على الطريق الثوريّ :

خاتمة : رفع التحدّى أم التنكّر للثورة ؟
ملحق " الديمقراطية :
أكثر من أيّ زمن مضى بوسعنا و يجب علينا إنجاز أفضل من ذلك "
حول الديمقراطة البروليتارية

( اللجنة المركزية لإعادة تنظيم الحزب الشيوعي الهندي ( الماركسيّ – اللينينيّ) )
1 / المقدّمة :

2/ دكتاتوريّة البروليتاريا :

3- ماركس و كمونة باريس :

4/ لينين و سلطة الدولة البروليتارية :

5 / السوفياتات و ممارسة دكتاتورية البروليتاريا :

6/ نقد وجّهته روزا لكسمبورغ :

7/ ماو و الدولة الديمقراطيّة الجديدة و الثورة الثقافيّة :

8/ الخطأ الأساسيّ :

9/ الدكتاتوريّة البرجوازيّة و الديمقراطيّة البروليتاريّة :

10/ الحاجة إلى توجّه جديد:

11 / دور الحزب الشيوعيّ و عمله :

12 / حلّ لغز الحزب الشيوعيّ :

13 / بعض المسائل الإضافيّة :

14 / الخاتمة :

---------------------------------------------------------------------------------------
ملحق الكتاب
فهارس كتب شادي الشماوي
++++++++++++++++++++++++++++++

خاتمة

1/ المواجهة الإيديولوجيّة :

قبل كلّ شيء ، أودّ أن أناقش هذا الموضوع بمعنى آنيّ أي الهجوم الإيديولوجيّ الإمبرياليّ و هجومنا المضاد إيديولوجيّا .

رفعت الأحداث الأخيرة فى الإتّحاد السوفياتي إضافة إلى أحداث كبرى أخرى فى البلدان التحريفيّة، فى السنوات الأخيرة ، من أهمّية النضال الإيديولوجيّ . مثلما سبق و أن قلنا ، بهجومها العنيف على الشيوعيّة أثارت الإمبرياليّة أمام الملايين موضوع الشيوعيّة و مع أنهّا أثارته بشكل سيء جدّا و مع أنّ ردّ الفعل " العفويّ " للشعب لم يكن إلى جانب الشيوعيّة ، فإنّ لكلّ هذا مظهر جدّ موات علينا إستغلاله . ولنذكّر من جديد ، بنقطة توجّه هامة . فى نهاية التحليل ، رغم أنّ على الردّ على الإمبرياليّين و على هجومهم الإيديولوجيّ أن يتمّ فى المجال الماديّ ( خاصة على مستوى النضال السياسيّ الذى يكتسى شكله الأرقى فى حرب الشعب حين تنضج الظروف ) لا ينبغى علينا أن نستهين بأهمّية النضال الإيديولوجيّ و لا بفرض خوضه فى الظروف الحاليّة .

ليس من واجبنا الردّ على تشويه الأحداث الحاليّة و بيان الأسباب و المصالح الطبقيّة لكلّ هذا و حسب ، بل علينا كذلك أن نخوض فى مسائل مداها أوسع تتناول شؤونا إقتصاديّة و سياسيّة و أيضا فى تساؤلات إيديولوجيّة جوهريّة مثل " طبيعة الإنسان " و إمكانيّة التحويل الراديكاليّ للمجتمع الإنسانيّ و الناس الذين يكوّنونه . ينبغى أن نعرض رؤيتنا للعالم و أن نطبّقها عمليّا و ننشر مبادئها الجوهريّة فى صفوف الشعب . و عندها تتّحد المعركة الإيديولوجيّة الآنيّة مع النضال العام و الجوهريّ بين النظرتين المتناقضتين للعالم : النظرة البروليتاريّة و النظرة البرجوازيّة .

2/ نظرتان إلى العالم ، رؤيتان متناقضتان للحرّية :

فى عالم اليوم ، لا توجد سوى طبقتين إثنتين قادرتين على قيادة المجتمع هما البرجوازيّة و البروليتاريا . و تتميّز المرحلة الحاليّة من التاريخ العالميّ بالصراع بين هتين الطبقتين المتناحرتين و لا يمكن تجاوز هذه المرحلة إلاّ عندما يُحلّ هذا الصراع بإنتصار البروليتاريا و المرور من عصر الرأسمالية إلى عصر الشيوعيّة عبر العالم قاطبة . إنّه صراع لم يسبق له مثيل فى تاريخ الإنسانيّة لأنّ الثورة البروليتارية تمثّل قفزة تبقى وراءها وضعا فيه تجعل الظروف الماديّة و العلاقات الإجتماعيّة و الأفكار المناسبة لها ، من المستحيل أن يدخل الناس فى علاقات إراديّة تعتمد على معرفة القوى المحرّكة الحقيقيّة و العلاقات الجوهريّة للطبيعة و معرفة المجتمع و التفكير الإنسانيّ . و هذه الثورة تعبّر ، كما قال ماركس و إنجلز فى " بيان الحزب الشيوعي " عن القطيعة الراديكاليّة مع علاقات الملكيّة التقليديّة و الأفكار التقليديّة . و البرجوازيّة هي آخر حاجز يحول دون القيام بالقفزة ، المانع الأخير الذى يمنع حدوث هتين القطيعتين الراديكاليتين .

لهذه الأسباب نجد النضال بين هتين القوّتين مؤهّل لأن يكون نضالا هائلا و سيخاض على الأصعدة كافة . و يشكّل النضال الإيديولوجيّ مجالا لمعركة حاسمة و له تداعيات كبرى على النزاع كلّه . و فى كلّ مسألة حاسمة ( من مسألة طبيعة الإنسان إلى مسألة طبيعة الحرّية و مضمونها ) تتعارض البرجوازيّة و البروليتاريا جوهريّا . إنّهما يعكسان عالمين مختلفين راديكاليّا ، واحد متقادم فى حالة تشنج مستفحل و فى طريق الإضمحلال و الآخر يعيش آلام وخز الولادة .

يدافع البرجوازيّ عن أنّ نظامه وقيمه أزليّة و لكن هذا مجرّد هراء لأنّه لا يمكنه الرؤية لأبعد من هوامش المجتمع البرجوازيّ . لا يمكن للبرجوازية أن تعترف ولا أن تقبل بأنّ أفكارها المقدّسة غدت جوفاء لأنّها تعبير عن الظروف الماديّة و العلاقات الإجتماعيّة التى هي تاريخيّا ( رغم أنّ ذلك ليس بعد عمليّا ) عتيقة .

لنتفحص هذا .

قبل كلّ شيء ، هنالك هيمنة العلاقات السلعيّة التى تميّز المجتمع البرجوازيّ و معها ما يصفه ماركس ب" صنميّة السلعة " و الفردانيّة البرجوازيّة . هذه مبادئ مقدّسة و قياديّة لدى حرّاس النظام القديم و لدى المدافعين عن الرأسماليّة و الإمبرياليّة .
و ما كان يقصده ماركس ب"صنمية السلعة " هو جوهريّا أنّ فى مجتمع ينتج سلعا تحجب العلاقات الأساسيّة بين الناس الذين هم قاعدة المجتمع و تحجب الحقيقة الأساسيّة التى إكتشفتها الماديّة التاريخيّة : أنّ العمل الإجتماعي الذى يقوم به الناس الذين يدخلون فى علاقات إنتاج محدّدة هو قاعدة المجتمع و مؤسساته و أفكاره . إن الأفراد يتواجهون عبر السلع التى يملكونها . و تترابط الأشياء فى ما بينها : يتبادل المال بشيء معيّن يتبادل بالمال بدوره و هكذا دواليك ممّا يعطى مظهر أنّ هذا هو قوام الحياة فى المجتمع . فى هذه العلاقات ، يبدو البشر ببساطة أفرادا يمتلكون هذه السلعة أو تلك و يبدو تملّكهم عرضيّا أو نتاج مجهودهم و مثابرتهم الخاصّين . كونهم جزء من التقسيم الإجتماعي الكبير للعمل و طريقة كسب حياتهم ( أو مراكمتهم للثروة ) يتحدّد ، فى آخر المطاف ، بالتقسيم الإجتماعي للعمل و بسيرورة الإنتاج و التبادل فى المجتمع و بالأساس فى العالم ... هذا أمر يظلّ محجوب ، هذا ما يُحجب .

إلى جانب هذا ، نجد الفردانيّة البرجوازيّة ، فكرة أنّ على كلّ فرد أن يعتني بذاته أوّلا و فى تعارض مع كلّ الآخرين . هذه العقليّة القائلة ب " أوّلا رفاهيتى " تتماشى مع العلاقات السلعيّة التى ليست مجرّد تبادل مع الآخرين عبر السلع ، بل هي تنافس متبادل فيه يزدهر البعض و يخسر الآخرون ( و هو بدوره تعبير عن الفوضى الكامنة فى الإنتاج السلعيّ الذى ينطلق من أنّ السلع هي أشياء منتجة ليس للإستعمال الآنيّ بل للتبادل ، لكن أحدا لا يمكنه أن يضبط بكلّ يقين الطلب الذى سيكون على سلعة معيّنة فى المستقبل ) . علاقة الأفراد كمالكين متساوين للسلع فى مجتمع حيث قيمة السلعة هي الوسيلة النمطية لعلاقات التبادل تمثّل مظهرا خارجيّا فقط . و حتّى العلاقة بين العمّال و الرأسماليّين تتّخذ هذا المظهر . لكن فى الواقع هذه طريقة لوضع قناع على الجوهر المركزيّ للرأسماليّة و سيرورة مراكمتها أي علاقة إستغلال الطبقة الرأسماليّة و إضطهادها للطبقة العاملة .

كذلك ، تعنى فكرة " الحرّية " لدى البرجوازية مظهر الفردانيّة ، مظهر أن ّالفرد سيّد ذاته و أنّ الفرد و حقوقه هما أولويّة الأولويّات و الهدف الأوّل للسياسة و للحقوق . اللبّ هو أنّ هذه الفردانيّة مرتبطة بالعلاقات الطبقيّة أي علاقات إستغلال و إضطهاد طبقيّة . بما فى ذلك فى مظهرها الخارجي ، تنعكس الفردانيّة البرجوازية و الأفكار المناسبة لها حيال الحرّية فى معان سلبيّة هي معنى أنّ حقوق الفرد لا تتضارب مع حقوق الآخرين و معنى أنّ أفرادا آخرين أو الدولة لا يعتدون على حقوق الفرد .

و تكشف فكرة الحرّية إيّاها بمظهرها الخادع ( الذى يغطى العلاقات الأساسيّة و جوهر الإستغلال الرأسماليّ ) أيضا شيئا من جوهر التناحر الإجتماعي الذى يعنيه رأس المال . إنّ هذا لمتّصل بأن العلاقات السلعيّة فى حدّ ذاتها ، رغم أنّها لا تعنى بالضرورة تناحرا إجتماعيّا و إستغلالا طبقيّا ، فهي ، مع ذلك ، تتضمّن بذور هذا التناحر و هذا الإستغلال . (15)

كما رأينا سالفا ، ليست العلاقات السلعيّة ببساطة علاقات مساواة ( قائمة على مبدأ تبادل قيم متساوية ) و إنّما هي كذلك تتضمّن مظهر منافسة و مزاحمة . وحتّى مفاهيم الفردانيّة و الحرّية التى تتناسب و العلاقات السلعيّة فى ظاهرها الخارجيّ و فى شكلها العام ( و ليس فقط العلاقات بين البرجوازيّة و البروليتاريا ) تفصح عن نفسها كصدامات مصالح و " إرادات " فرديّة . بهذا المعنى ، هنالك تماثل بين مثل هذه الأفكار و طبيعة المجتمع الرأسماليّ . علاوة على ذلك ، تنطوى العلاقات السلعيّة على بذرة أو تنطوى على إمكانيّة علاقات تتحوّل فيها قوّة العمل نفسها إلى سلعة . على الأقلّ إلى حدّ ما ، يجرى الإعتراف بهذا فى المجتمع البرجوازي عامة بقول إنّه لكي يمسي المرء غنيّا ، من الضروري أن يكون أكثر من مالك بسيط لسلع و إنّه لا يكفى العمل للمصلحة الخاصة و إمتلاك وسائل الإنتاج الخاصة ، بل ينبغى أن يصير المرء عرفا ( و عند الإستطاعة مالكا و مضارب ) لقوّة عمل الآخرين و بمعنى آخر ، ينبغى التحوّل إلى مستغِل رأسماليّ . هذا هو المفهوم الأعمق لتعبير أنّ الرأسمالية مجتمع تنافس قاتل له فلسفة لاإنسانية [ بلا ضمير ] .

و يركّز المجتمع البرجوازيّ و حكّامه إهتمامهم على الأقلّية من الأغنياء و ذوى الإمتيازات فى وسائل إعلامهم و نظامهم التربويّ و ثقافتهم و وسائل أخرى وهم يقدِّمون للجماهير كي تقلّدهم و تجعلهم مثلها العليا إنطلاقا من وضعها الدونيّ . أن يكون هذا الغناء و الإمتياز على صلة مباشرة و يقع الإبقاء عليهما على حساب الكثرة الكثيرة من الفقراء و المضطهَدين فى العالم ( أن تفيد هيمنة الملكيّة الخاصة البرجوازيّة فى العالم البؤس بالنسبة للغالبيّة الساحقة فى العالم ) هذا الأمر العميق يذرون عليه الرماد و يحجبونه . إنّهم يصرّحون بأنّ العلاقات الإجتماعيّة الحاليّة و علاقات الإنتاج فى العالم أزليّة و يصرّحون بأنّ النظام السائد هو أفضل نظام على الإطلاق . و الغاية " الأسمى " التى يحضّون عليها هي الإرتقاء إلى الصفوف الفاسدة للنظام ، فى تنافس قاس مع الآخرين .

أمّا البروليتاريا الواعية طبقيّا و نظرتها إلى العالم و ثقافتها فترتكز على الجماهير الشعبيّة للعالم بأسره ،على قهرها و ألمها لكن أكثر من ذلك و بوجه الخصوص على نضالاتها الثوريّة و قدرتها الكامنة على قلب العالم البرجوازيّ رأسا على عقب لتغيير العالم و الوضع الإنسانيّ عموما تغييرا كلّيا . و تأسيسا على هذا ، فإنّ البروليتاريا تدعو القطاعات الأوسع إلى التوحّد على أساس البرنامج السياسيّ للثورة البروليتاريّة ، إضافة إلى تبنّى موقفها و نظرتها وإلى تغيير نظرتها إلى العالم ، قاطعة مع عقليّة البقاء على قيد الحياة ( أو الإزدهار ) عبر التنافس الشرس و الإستفادة على حساب الآخرين . و الغاية الأسمى التى تقدّمها البروليتاريا ليست " الإرتقاء داخل " النظام ، بل النهوض و تحطيمه و القضاء على كافة الأنظمة و جميع العلاقات التى تساوى فيها ثروة البعض بؤس الكثيرين و تعويضها بمجتمع إنسانيّ أين سترى الإنسانيّة مصالحها المشتركة محقّقة و فيه سيكون التعاون " طبيعيّا " مثلما تبدو المنافسة حاليّا .

هكذا إذا نظرة البروليتاريا الشيوعيّة للحرّية مغايرة راديكاليّا و بعمق لنظرة البرجوازيّة . ذلك أنّ النظرة الشيوعيّة للحرّية تفيد جوهريّا و أساسا القضاء على ظروف إستعباد أيّة طبقة و إلغاء أيّ إستغلال و إضطهاد و أكثر من ذلك ، القضاء على جميع الإختلافات الطبقيّة و التناحرات الإجتماعيّة . إنّها تصبو ، أي نعم ، إلى تحرير الأفراد من هذه العلاقات الإستغلاليّة و الإضطهاديّة ، لكنّها لا تبحث عن وضع فيه يسعى كلّ فرد بصورة مستقلّة لمصلحته الخاصة الذاتيّة على حدة أو ضد المجتمع فالشيوعيّة تعترف بأنّ على الأفراد أن يتّحدوا و سيتّحدون فى المجتمع للتوصّل إلى تحقيق المصالح الجماعية ( و مصالحهم كأفراد ) و أنّه ضمن و من خلال المجتمع فقط ( و بالأساس ضمن و من خلال سيرورة إنتاج و إعادة إنتاج العناصر الماديّة الضروريّة للحياة ) يستطيع الشعب تحقيق قدر متصاعد من الحرّية . هذا المبدأ الجوهريّ سيستمرّ تطبيقه فى المجتمع الشيوعيّ مع أنّه هنالك سيطبّق بطريقة مختلفة جدّا عنها فى كلّ المجتمعات الإنسانيّة السابقة .

فى المجتمع الشيوعيّ ، ستوجد حرّية للأفراد على مستوى جديد تماما و سيوجد مجال أوسع للفرديّة لكن لن توجد الفردانيّة أو بصيغة أخرى لن تكون مشكلة إجتماعيّة ذات أهمّية عظيمة ؟ل ن يعيش المرء داخل حدود النضال فى سبيل البقاء الفرديّ و لا بدافع إرادة الحصول على ثروة على حساب الآخرين . بصفة واعية و إراديّة سيتّبع الناس أعلى المصالح الجماعيّة للمجتمع . سيستوعبون بعمق علاقاتهم الحقيقيّة مع الآخرين فى المجتمع و مع الطبيعة ، من خلال المجتمع . سيفهمون أنّ حرّية النشاط فى مجالات مختلفة عند العمل و أنّ طبيعة العمل ذاته ( محدثا إغترابا أو مقدّما مكافأة ، نقضا لإرادتهم أو تعبيرا عنها ) مشروطان بطابع العلاقات الإجتماعيّة و بخاصة بعلاقات الإنتاج و بالتطوّر العام لقوى الإنتاج . سيفهمون هذا و سيعملون تبعا لذلك . سيكونون على وعي بوجود الأسس و معها ضرورة التحسين المستمرّ للظروف المادية و الإجتماعية و الثقافيّة لأعضاء المجتمع بصورة مشتركة . سيعرفون أنّ مصالح الجميع تتحقّق عبر تحويل المجتمع موسّعين مجال الحرّية للجميع . هذه هي النقطة العميقة التى تعرّض لها ماركس فى تصريحه بأنّ " الحقّ لا يمكن أبدا أن يكون فى مستوى أعلى من النظام الإقتصادي و من التمدّن الثقافيّ الذى يناسب هذا النظام ." ( ماركس ، " نقد برنامج غوتا " صفحة 15 ، دار التقدم ، موسكو و فى ماركس و إنجلز ، " بصدد الثورة الإشتراكية " ، صفحة 255 ، دار التقدم ، موسكو ) . و قد تحدّث ماو عن هذه النقطة لمّا وصف وصفا مقتضبا الشيوعيّة : " و عندما تبلغ البشريّة جميعها مرحلة تغيّر فيها نفسها و العالم تغييرا واعيا ، يكون العالم قد دخل عصر الشيوعيّة " . ( ماو تسى تونغ " فى الممارسة العمليّة " مؤلفات ماوتسى تونغ المختارة ، الجزء الأول ، صفحة 451) . و معنى و دلالات هذا تمّ التعليق عليها بإستفاضة فى القسم الأخير من كتاب " الديمقراطية : أليس بإمكاننا أن نصنع أفضل منها ؟ " . هنالك تقع الإشارة إلى أنّ الشيوعية تفهم أنّ جوهر الحرّية هو الإعتراف بالضرورة و تغييرها و أنّ هذه السيرورة من العلاقة الجدليّة ( التناقض) بين الضرورة و الحرّية لن تنتهي أبدا مع أنّها تعبّر عن ذاتها بشكل مغاير فى أوضاع متباينة و أنّ فى المجتمع الشيوعيّ سيكون لهذا تعبير جديد نوعيّا مختلف لأنّه لن يوجد حاجز و خلط الإنقسام إلى طبقات و التناحر الإجتماعي و غياب الوفرة العموميّة . و هذا المقتطف من القسم يعطى فكرة أساسيّة عمّا قلته فى علاقة بالطابع الأساسيّ للمجتمع الشيوعيّ و مبادئه الموجّهة :

" ... سيتواصل ظهور التناقضات فى صفوف الشعب و طبعا ، سيكون الصراع من أجل حلّها قوّة دفع فى المجتمع ، إلاّ أنّه لن توجد تناقضات بين الشعب و العدوّ ... لن يوجد أعداء . سيتواصل تواجد الإكراه بمعنى الضرورة ، لكن لن يوجد إكراه بمعنى الهيمنة السياسيّة لجزء من المجتمع على آخر أو هيمنة فرد على آخر . فى غياب مثل هذا التناحر و الإكراه ، سيتّحد الأفراد بصفة إراديّة ( و سيناضلون غالبا بعسر ، لا شكّ فى ذلك ، غير أنّه ليس على شكل تناحريّ ) لمواجهة الضرورة و تغييرها بإستمرار...

سيوفّر القضاء على التناحرات الإجتماعيّة و القضاء على الهيمنة السياسيّة و وحدة الناس إنطلاقا من المبادئ الأساسيّة للماديّة الجدليّة ( معا مع الصراع حول كيفيّة تطبيقها و تطويرها أكثر ) لأوّل مرّة ، إمكانيّة المشاركة الإراديّة فى المجتمع إنطلاقا من معرفة صحيحة جوهريّا و فى كلّ مرّة أعمق لقوانين حركة الطبيعة و المجتمع و العلاقة بينهما و سيوفّر إمكانيّة الإعتراف بالضرورة و تغييرها إلى مستوى جديد تماما و أرقى جدّا نسبة إلى ما كان ممكنا إلى حدّ الآن ". ( أفاكيان ، " الديمقراطية : أليس بوسعنا أن ننجز أفضل من ذلك ؟ " صفحة 190 ، الطبعة باللغة الإنجليزية ) .

3/ أبعد من الحقّ البرجوازيّ :

فى ضوء ما قيل إلى حدّ الآن ، أرغب أن أسلّط الأضواء على مبدأ شيوعيّ محوريّ " من كلّ حسب كفاءاته و لكلّ حسب حاجياته ". أودّ الحديث عن ما يقصد به و لماذا هو ممكن التحقيق . أوّلا ، لننظر فى الملخّص الأساسيّ التالي لماركس حول الظروف الضروريّة لتحقيق هذا المبدأ :

" بعد أن يزول خضوع الأفراد المذلّ لتقسيم العمل و يزول معه التضاد بين العمل الفكريّ و العمل الجسديّ و حين يصبح العمل لا وسيلة للعيش و حسب بل الحاجة الأولى للحياة أيضا ، و حين تتنامى القوى المنتجة مع تطوّر الأفراد فى جميع النواحي ، و حين تتدفّق جميع ينابيع الثروة العامة بفيض و غزارة ؛ حينذاك فقط ، يصبح بالإمكان تجاوز الأفق الضيّق للحقّ البرجوازي تجاوزا تاما، ويصبح بإمكان المجتمع أن يسجّل على رايته: من كلّ حسب كفاءاته ولكلّ حسب حاجياته! " ( ماركس ، " نقد برنامج غوتا " صفحة 15 ؛ دار التقدم ، موسكو ، الطبعة العربية / و ماركس و إنجلز " بصدد الثورة الإشتراكية " صفحة 255 ، دار التقدّم ، موسكو ، الطبعة العربية ) .

ما هو الشيء العميق الذى يفيده هذا ؟ هذا المبدأ " من كلّ حسب كفاءاته و لكلّ حسب حاجياته " ليس مبدأ بسيطا للتوزيع و لا يصف فقط العلاقة بين الإنتاج و التوزيع فى المجتمع الشيوعيّ . إنه يصف ذلك لكنّه فى الوقت ذاته ، يعكس و بعمق أوضاعا ماديّة ، علاقات إجتماعيّة و أفكارا معيّنة . و لكي يتحقّق هذا المبدأ ، يجب التوصّل إلى الظروف المادية الضروريّة و يجب أّن يوجد وضع فيه يكون تطوّر قوى الإنتاج و إنتاج وفرة عامة قد تقدّم جنبا إلى جنب مع تغيير علاقات الإنتاج و العلاقات الإجتماعيّة ، بشكل يمكّن من تجاوز التقسيم بين العمل الفكري و العمل اليدويّ و تقسيم العمل الإضطهاديّ عموما و يمكن تلبية حاجيات المجتمع و الأفراد على مستوى أرقى فى كلّ مرّة . فضلا عن ذلك ، لا بدّ من القضاء على العلاقات السلعيّة و معها على تعبيرها العام فى شكل نقد/ مال سيتمّ تعويضه بوسيلة تبادل لا تعكس العلاقات السلعيّة و لا تحمل بذرة الإستغلال الرأسمالي أو أيّ إستغلال آخر . (16)

بيد أنّ الظروف الإيديولوجية الضروريّة كذلك يجب أن تكون متوفّرة : من اللازم أن يوجد وعي شيوعيّ عام فى المجتمع . و بصيغة أخرى ، إذا ظلّ يُنظر إلى " الكفاءة " و " الضرورة " بمفهوم التصوّر البرجوازيّ للحرّية و بمفهوم الفردانيّة ، لن يطبق المبدأ . كلّ إنسان لن يساهم فى المجتمع حسب كفاءاته لن يستطيع حلّ طريقة الحصول من المجتمع على ما يجب الحصول عليه حسب ضروراته حلاّ صحيحا . فالشيوعيّة ( و الجزء الأوّل من الشعار " من كل حسب كفاءاته ..." ) تعنى أنّه لا يزال يتوجّب العمل لتغطية الحاجيات الفرديّة و الآنيّة . سيكون المجتمع قد تقدّم إلى درجة وجود وفرة عامة و وسائل مواصلة الترفيع فى هذه الوفرة حتّى يكون الوجود الأساسيّ للفرد مضمونا و يكفّ عن أن يكون مركز الإهتمام . و لن يتمّ العمل و هذا الفرض أو الضرورة فى الذهن ، بل سيتمّ العمل من أجل المساهمة فى المجتمع بكلّ ما يمكن حسب قدرات كلّ واحد .
و فى الوقت نفسه ، سينال كلّ إنسان من المجتمع طبقا لما يحتاجه ، ليس بشكل تقدير هذه الضرورات من وجهة نظر المجتمع البرجوازيّ ( أي ليس لأجل الحصول على أكثر من الآخرين و الصراع بغية تحويل الثروة المراكمة إلى وسائل إستغلال الآخرين ) بل طبقا لمبدأ تحسين الظروف الماديّة و توسيع مجال حرّية الناس فى المجتمع ككلّ وعلى نحو مشترك، مثلما تمّ نقاش ذلك آنفا . و من الهام التذكير بأنّ الضرورات ليست مطلقة أو مجرّدة بل ملموسة و محدّدة إجتماعيّا ، إنّها تتعيّن بما يقدر المجتمع على إنتاجه فى مرحلة معيّنة و بالعلاقات و الأفكار السائدة فيه . و ينطبق هذا على المجتمع الشيوعي أيضا .( 17)

فى المجتمع الشيوعيّ ، ستتّخذ الضرورات بما يسمح لكلّ أعضاء المجتمع بالإستمرار فى التطوّر سواء فكريّا أم جسديّا و بما يسمح ، فى الوقت نفسه للمجتمع بمواصلة تنمية درجة الوفرة العامة و مواصلة تغيير العلاقات الإجتماعيّة حتّى يستطيع مستوى التطوّر العام للشعب الإرتفاع بصورة مستمرّة ، فى شكل لولبيّ تصاعدي ّ.

4/ التكنولوجيا و الإيديولوجيا :

تقول البرجوازيّة و إيديولوجيّتها أنّ كلّ ذلك غير ممكن على النطاق التكنولوجيّ و الإيديولوجيّ و تؤكد أنّ التكنولوجيا المعاصرة الحاليّة لا تسمح بنوع المركزيّة التى تتطلّبها الشيوعيّة و أنّه ، فى أيّ حال ، لا يمكن للإنتاج أن يكون خاضعا لنوع المراقبة الواعية التى تقترحها . علاوة على ذلك ، تؤكد أنّ الناس غير قادرين على النشاط الواعي فى سبيل المصالح العليا للإنسانيّة و يمكن أن يحثّها فقط إكتساب الخيرات و تعظيم الذات . إنّهم على خطإ فى المجالين معا.

سيستعمل المجتمع الشيوعيّ التكنولوجيا المتقدّمة و سيواصل تطويرها . بيد أنّه من الواجب عدم خلط هذا بمركزة أكبر فأكبر و لن يتطوّر على نحو تهيمن فيه التكنولوجيا على الشعب و هذا طابع مميّز للرأسماليّة . فالشيوعيّة و الوفرة العامة التى تميّزها لن تكون ببساطة مستوى أعلى من الإنتاج القائم على العلاقات و القيم عينها . و لن تكون " أكثر إنصافا " فى توزيع " الوفرة الإمبريالية " . ستكون مختلفة ليس فى مقدار الإنتاج على النطاق العالميّ فحسب بل أبعد من ذلك ، ستكون مختلفة راديكاليا و نوعيّا فى شكل التعاطي مع الإنتاج و صلته بالعلاقات و القيم الاجتماعية .

ستكون الإيديولوجيا ، وهي موضوع نقاش واسع فى مجتمعنا الآن ، مظهرا مركزيّا . و من الهام جدّا التذكير بالخطوات الكبرى إلى الأمام فى الصين الإشتراكيّة فى هذا المجال و نشرها فى صفوف الشعب ( رغم أنّها ما زالت مجتمعا منقسما إلى طبقات و رغم أنّها وُجدت فى عالم هيمنت عليه الإمبريالية ) : خطواتها الكبرى إلى الأمام فى تغيير المواد المبدّدة إلى منتوجات مفيدة و معالجة المشاكل الإيكولوجية / البيئيّة آخذين بعين الإعتبار مصالح الأجيال القادمة . و كان ذلك ممكنا لأنّهم لم يكونوا مندفعين بفوضويّة الرأسماليّة و البحث اللامتناهي عن الأرباح الرأسماليّة دون الإهتمام بالتأثيرات على الوسط الطبيعيّ على النظام الإيكولوجي .

عندما تبلغ الإنسانيّة الشيوعيّة ، سيسيطر الشعب بقيادة الإيديولولجيا الشيوعيّة على التكنولوجيا . و هذا من شأنه أن يخلق إمكانيّات لكلّ ألوان الأشياء غير الممكنة و حتّى غير المتصّورة فى المجتمع السابق ، و من شأنه أن يلبّي كلّ حاجيات الشعب و المجتمع ليس فى الحاضر فحسب ، بل مفكّرين فى الأجيال القادمة . و من المفيد هنا التذكير بتعليق لماركس فى " رأس المال " : " منظور إليه من نظام إقتصادي لمجتمع أرقى من مجتمعنا هذا ، سيبدو حقّ ملكيّة بعض الأفراد لكوكب الأرض عبثيّا شأنه شأن حقّ إنسان فى إمتلاك إنسان آخر . فلا أحد يمتلك الأرض ، لا مجتمع و لا شعب و لا حتّى كلّ مجتمعات فترة معيّنة مأخوذة معا . إنّهم ليسوا أكثر من حائزين و منتفعين بها عليهم أن يورّثوها للأجيال القادمة بعد أن يكونوا أدخلوا عليها تحسينات كمسؤولين جيّدين عن عائلات ." ( ماركس ، " أعمال : إقتصاد 2 " صفحة 1385-1386 ، الفصل 23 من الكتاب الثالث ، مكتبة بلياد ، باريس ، الطبعة الفرنسية ) .

ستكون الشيوعيّة قفزة كبرى إلى الأمام بالنسبة للإنسانيّة ، أبعد من الآفاق التى يمكن الآن تبيّنها فقط . مثل الواقع بصفة عامة ، ستكون للمجتمع الشيوعيّ تناقضات و صراع ( ستدفعه التناقضات و الصراع ) لكن ليس على نحو تدخل فيه المصالح المحوريّة للأفراد أو المجموعات فى صدام جوهريّ . سيكون قد تم القضاء على النضال من أجل البقاء فحسب و على التقسيم الإجتماعي للعمل الذى ينطوى على بذور الإضطهاد و على التناحرات بين المجموعات البشريّة و إنفجارها فى صدامات عنيفة و على فهم غير صحيح للقوى المحرّكة للطبيعة و المجتمع وهي أشياء قد وُجدت فى صفوف الناس منذ الأزمان السحيقة و سيكون قد تمّ تجاوزها . لكن كقفزة إلى الأمام لن تعني الشيوعيّة النفي الكلّي و الإحاديّ الجانب لأشياء الماضى . على العكس من ذلك ، ستعنى تقييما للإنتاجات و لتجربة تاريخ الإنسان بهدف التوّصل إلى خلاصة جديدة عبر الإشتراك التعاونيّ للناس المتحرّرين من التناحر الإجتماعيّ و الذين يطبّقون عن وعي نظرة إلى العالم موحّدة و شاملة و علميّة .

5/ تغيير المجتمع و تغيير " طبيعة الإنسان " :

فى الختام ، أرغب فى العودة إلى " طبيعة الإنسان " و ما على الماديّة التاريخيّة أن تقوله بهذا المضمار . كما رأينا ، إحدى الأطروحات المفضّلة أكثر و الأكثر إستعمالا لدى المدافعين عن النظام البرجوازيّ هي أن " طبيعة الإنسان " لا يمكن أن تتغيّر و أنّ العيب الجوهريّ للشيوعيّة و السبب الجوهريّ ل " فشلها " هو إرادتها تغيير " طبيعة الإنسان " و أنّ الناس أنانيّين بطبعهم و أنّه مقدّر لهم بطبيعتهم أن يفكّروا فى مصالحهم الخاصة فى تعارض مع المصلحة العامة و أنّ الشكل الوحيد للتوصّل إلى خير عام هو فتح الأبواب أمام المصلحة الفرديّة لكلّ واحد ضدّ الآخرين . هذا ما يدحضه تعليق آخر لماركس بأنّ وجهة النظر هذه تعكس ببساطة علاقات الإنتاج فى المجتمع البرجوازيّ و ليس الطبيعة غير القابلة للتغيير المفترضة للناس عبر التاريخ . و مثلما شرح ماركس ، فإنّ الإقتصاديّين السياسيّين البرجوازيّين يتّخذون علاقات الإنتاج الرأسماليّة على أنّها أبديّة أو هي نقطة نهاية التطوّر فى علاقات الإنتاج الإنسانيّة و أنّ أيّ تغيير فى المجتمع ليس بوسعه إلاّ أن يحدث ضمن حدود علاقات الإنتاج تلك . مع ذلك ، تبيّن الماديّة التاريخيّة لا أن هذه العلاقات الإنتاجية فحسب بل أيضا الأفكار المناسبة لها ( و منها فكرة أنّه " لا يمكن تغيير طبيعة الإنسان ") محدّدة تاريخيّا ، إنّها إفراز مرحلة معيّنة من تطوّر التاريخ الإنسانيّ و سيقع تجاوزها بتقدّم صراع الطبقات و بناء عليه ، ستتحرّر قوى إنتاج المجتمع و أوّلا و قبل كلّ شيء ، ستتحرّر جماهير الشعب الكادح .

و تدلّل الماديّة التاريخيّة بوضوح أنّ مثل هذه " الطبيعة الإنسانيّة " الفطريّة و غير القابلة للتغيير لا وجود لها . ما يبدو معقولا و طبيعيّا ليس ذاته فى كلّ العصور و بالنسبة لكلّ الطبقات : يتطوّر مع التغيّرات فى الأوضاع الإجتماعيّة ، و فى المجتمع الطبقيّ يعكس على الدوام وجهة نظر طبقة ( لنتذكّر تعليق ماركس بأنّ فى المجتمع الشيوعيّ المستقبليّ سيبدو عبثيّا و غير عاديّ أن يملك شخص أرضا ، كما هو الحال الآن بالنسبة لإمتلاك إنسان إنسانا آخر. و لنتذكّر التعليق السابق بأنّ الردّ على سؤال هل أنّ العبودية "معقولة " و " طبيعيّة " بأنّ المسألة تتعلّق بمن يجيب على السؤال ، تاجر العبيد أم العبد) . تُشير الماديّة التاريخيّة و الماركسية - اللينينية - الماوية إلى أنّ الثورة البروليتاريّة يمكن أن تحمل و ستحمل تغييرا عميقا ، تغييرا لم يشهد له مثيل فى العلاقات بين الناس و فى طريقة تفكيرهم و أخلاقهم و حوافزهم .

6/ الماديّة التاريخيّة و تقدّم التاريخ :

و مثلما وقع نقاشه قبلا ، فصّل إنجلز لماذا إلى الآن يعود وُجود بعض الميزات المتجانسة فى المجتمع الإنسانيّ و فى تصرّفات الناس ( ما يسمّى " طبيعة الإنسان " ) إلى أنّه حتّى الآن لم تتوفّر أسس القضاء على الندرة و النضال من أجل البقاء الفرديّ . لكن الآن ، كما يقول إنجلز ، قد ترسّخت هذه الأسس . الآن ليس من الضروريّ وجود علاقات فيها يسيطر جزء من المجتمع و يستغلّ جزءا آخر فحسب ، وإنّما يمثّل إستمرار مثل هذه العلاقات عائقا مباشرا أمام تحرير قوى الإنتاج و على الأخصّ الشعب . و فى الوقت الراهن ، يمكن القيام بثورة إجتماعية ( وهي إستعجاليّة الضرورة ) للذهاب بالإنسانيّة إلى أبعد من كلّ هذا ، نحو مرحلة جديدة من التاريخ البشري ." ( إنجلز ، " الإشتراكية الطوباوية و الإشتراكية العلميّة " صفحة 88-89 ، دار التقدّم ، موسكو ، الطبعة العربية ) .

و اليوم نحن على عتبة عهد جديد أي تجسيم هذه المرحلة الجديدة من التاريخ الإنسانيّ هو المهمّة التاريخيّة التى على الثورة الشيوعيّة أن تحقّقها و ستحقّقها . هذا ما تلخّصه الماديّة التاريخيّة و كلّ الماركسية - الليننية - الماوية .

و يحتاج الشعب إلى الماديّة ! هذه الحاجة تعبّر عن ذاتها بحدّة فى الوضع العالميّ الراهن إزاء الأحداث العالميّة الكبرى و الرؤية المشوّهة التى تقدّمها الإمبرياليّة لها . يحتاج الشعب إلى الماديّة الجدليّة و تطبيقها على المجتمع الإنسانيّ ، الماديّة التاريخيّة . يحتاج إلى الإستيعاب العميق للعلاقات الطبقية و المصالح الطبقية فى كلّ سيرورة لأنّه مثلما شرح لينين :
" لقد كان الناس و سيظلّون أبدا ، فى حقل السياسة ، أناسا سذجا يخدعهم الآخرون و يخدعون أنفسهم ، ما لم يتعلّموا إستشفاف مصالح هذه الطبقات أو تلك وراء التعبير و البيانات و الوعود الأخلاقيّة و الدينيّة و السياسيّة و الإجتماعيّة ، لأنّ أنصار الإصلاحات و التحسينات سيكونون أبدا عرضة لخداع المدافعين عن الأوضاع القديمة طالما لم يدركوا أن قوى هذه الطبقات السائدة أو تلك تدعم كلّ مؤسّسة قديمة مهما ظهر فيها من بربريّة و إهتراء " . ( لينين ، " مصادر الماركسية الثلاثة و أقسامها المكوّنة الثلاثة " ضمن ، ماركس و إنجلس ، " مختارات " ، الجزء الأوّل ، صفحة 33-34 ، دار التقدّم، موسكو ، الطبعة العربية ) .

فضلا على ذلك ، يحتاج الشعب إلى فهم ما هو أساس هذه العلاقات الطبقيّة و ما هو لازم لتحطيم التقسيم و التناحرات الطبقيّة . و قد وقع التعبير عن هذا بشكل جليّ و قويّ فى ما يعرف ب " الكلّ الأربعة " التى قدّمها ماركس فى تصريح شهير حيث قال إنّ " هذه الإشتراكية إعلان للثورة المستمرّة ، الدكتاتوريّة الطبقيّة للبروليتاريا كنقطة ضروريّة للقضاء على كلّ الإختلافات الطبقيّة ، و للقضاء على كلّ علاقات الإنتاج التى تقوم عليها و للقضاء على كلّ العلاقات الإجتماعيّة التى تتناسب مع علاقات الإنتاج هذه ، و للقضاء على كلّ الأفكار الناجمة عن علاقات الإنتاج هذه " .

و من الواجب نشر " الكلّ الأربعة " فى صفوف الشعب حتّى أكثر فى هذا الزمن لتقديم فكرة أساسيّة و جليّة عن ماهيّة الشيوعيّة . و من الواجب نشرها فى صفوف الشعب بمعنيين : عرضها بصورة واسعة أمام الجماهير و رغم أنّها تُستعمل أحيانا حرفيّا كما صرّح بها ماركس لجعل الشعب يألفها ، ينبغى ترجمتها إلى مفردات أكثر شيوعا . و بهذه الطريقة سيدرك الناس فحواها و سيحتضنونها على أنّها منهم و إليهم بُغية إمتلاك نظرة عن ما تمثله " الكلّ الأربعة " (18).

و يحتاج الشعب إلى سعة النظر التى لا تقدّمها له إلاّ النظرة الماديّة الجدليّة للعالم و المنهج الماركسيّ- اللينينيّ- الماويّ : ملخّص التطّور التاريخيّ و القوى الجوهريّة التى تحرّكه ( التناقضات ). هذه النظرة الكونيّة و هذا المنهج يسمحان للجماهير بإستيعاب أنّ طوال سيرورة تطوّره المعقّد و الملتوى ، توجد فى التاريخ الإنساني " الصلة " التى تحدث عنها ماركس . هذه النظرة الكونيّة و هذا المنهج يجعلانها قادرة على التعرّف على القوّة الكامنة الموجودة فى الوقائع الراهنة ، بالتحديد نظرا للتطوّر التاريخيّ السابق ، فى سبيل القطيعة الراديكاليّة و قفزة تحررّية تبقى خلفها كلّ علاقات الملكيّة السابقة و المؤسّسات و الأفكار المتناسبة معها . يمكن لهذه النظرة الكونيّة و لهذا المنهج أن يلهما الشعب و يحثّاه على النضال بوعي لإنجاز الثورة الشيوعيّة فى العالم قاطبة .

هذا ما يعطى مادة و حياة لشعارات " الثورة أمل الذين لا أمل لهم " و " خدمة الشعب " و " لا تخشى أي شيء ، إبق صلبا إلى النهاية " . هذا ما يجب علينا نشره فى صفوف الشعب . علينا أن نستغل أيّما فرصة لتقديم هذا فى تعارض مع النظرة الكونيّة الفاسدة و المهينة ، نظرة الطبقة المهيمنة و نظامها البائد . و مع أنّ توجّهنا حاليّا مبنيّ ، سياسيّا ، على تحطيم النظام القديم ، علينا أن نزرع رؤية و بذور عالم جديد بالإيديولوجيا التى عانقناها و بطريقة تعبيرنا عنها عمليّا .

و كما صرّح ماو تسى تونغ :

" على الشيوعيّ أن يكون صريحا ، صافي السريرة ، مخلصا ، عظيم الهمّة و النشاط ، يفضّل مصالح الثورة على حياته ، و يخضع مصالحه الشخصيّة لمصالح الثورة . و عليه أن يتمسّك فى كلّ زمان و مكان بالمبادئ الصحيحة و بخوض النضال بلا كلل أو ملل ضد جميع الأفكار و الأفعال الخاطئة ، و ذلك من أجل توطيد الحياة الجماعيّة للحزب و تعزيز الروابط بين الحزب و الجماهير . و عليه أن يهتمّ بالحزب و الجماهير أكثر من إهتمامه بالأفراد و أن يهتمّ بالآخرين أكثر من إهتمامه بنفسه ."( ماو تسى تونغ ، " ضد الليبرالية " ، مؤلفات ماو تسى تونغ المختارة ، المجلد الثاني ، صفحة 42 ، بيكين ، دار النشر باللغات الأجنبيّة ، الطبعة العربيّة ) .

ومثلما ينصّ على ذلك القانون الأساسيّ لحزبنا ، التوجّه الأساسيّ للشيوعيّين و الواجب الأوّليّ للمناضلين فى الحزب هو واجب أن " يثقوا دوما فى أذهانهم و أن يعتمدوا بكلّ قلبهم على و أن يسخّروا كلّ حياتهم للثورة و للدور التاريخيّ للبروليتاريا العالميّة أي تحقيق الشيوعيّة عبر العالم ". ( القانون الأساسي للحزب الشيوعي الثوري، الولايات المتّحدة الأمريكيّة ، أعضاء الحزب ، الفصل 3،1 ضمن " البرنامج الجديد و القانون الأساسي الجديد للحزب الشيوعي الثوري ، الولايات المتحدة الأمريكيّة " ، صفحة 126 )

فلتتمسّك البرجوازية الجديدة و القديمة بالنظام القديم و لتصرّح بأنّ الإنسانيّة لا تستطيع أن تصبو إلى أيّ شيء أفضل . أمّا نحن فإنّنا نعلم أنّ هذا غير صحيح . فللبروليتاريا الآن أكثر من أيّ زمن مضى ، عالم تربحه ، عالم جديد تصنعه و بإنجاز البروليتاريين لذلك ، لن يحرّروا أنفسهم فحسب بل سيحرّرون الإنسانيّة جمعاء .

- ماو أكثر من أي زمن مضى !
- عاشت الماركسية - اللينينية - الماوية !
- ماتت الشيوعية الزائفة ... عاشت الشيوعية الحقيقية !
----------------------------------------------------------------------------------------------------------

هوامش الخاتمة

15- فى " فى التناقض " ، يستشهد ماو تسى تونغ بنصّ لينين " فى مسألة الديالكتيك " حيث قال لينين مشيرا إلى تبادل السلع " كشف التحليل جميع تناقضات ( أو بذور جميع تناقضات ) المجتمع الحديث [ الرأسمالي ] " ( "مؤلفات ماو تسى تونغ المختارة " ، المجلّد الأوّل ، صفحة 464 ، بيكين ، دار النشر باللغات الأجنبيّة ، الطبعة العربية ) .

16- كما سبق و قلنا ، هذه الظروف لا يمكن بلوغها سوى على الصعيد العالمي بعد سيرورة طويلة و ملتوية من التغيير الثوريّ حيث سيوجد تطوّر لامتكافئ أي إفتكاك سلطة فى عديد البلدان فى أوقات متباينة ، و جدليّة معقّدة بين النضالات الثوريّة و التغييرات الثوريّة للمجتمع فى تلك البلدان ، جدليّة يكون فيها المحوريّ و الحاسم فى آخر المطاف هو المجال العالميّ و يمثّل فيها التأثير المتبادل و المساندة المتبادلة لنضالات البروليتاريا فى كلّ بلد الحلقة المفتاح فى التحويل التام للعالم قاطبة .

17- للناس نوع من الحاجيات الأساسيّة ، لكن طريقة تلبيتها ، مواد الإستهلاك ، و كيفية حصولهم عليها إلخ ، كلّ هذا يحدّده المجتمع الذى فيه يعيشون . و فضلا عن ذلك ، و هذه نقطة هامة ، فإنّ حاجياتهم يُحدّدها طابع القوى المنتجة و علاقات الإنتاج ( و البنية الفوقيّة المناسبة لها ) فى المجتمع المعنيّ .

18- فى ما يخصّ هذا و تحديدا فى ما يخصّ العلاقة بين الماديّة التاريخيّة و " السرّ القذر للإستغلال الرأسماليّ " ، من المفيد التذكير بتصريح لإنجلز فى " ضد دوهرينغ " إستشهد به ستالين فى " القضايا الإقتصادية للإشتراكية فى الإتحاد السوفياتي " . لقد أعرب إنجلز عن أنّه " لأجل الوصول بهذا الإنتقاد [ الأفضل النقد – المترجم ] للإقتصاد [ السياسيّ – المترجم ] البرجوازيّ ، لم يكن يكفى أن يعرف المرء الشكل الرأسمالي للإنتاج و التبادل و التوزيع . فالأشكال التي سبقته أو التي لا تزال قائمة إلى جانبه في بلدان أقلّ تطوّرا ، كان ينبغي أن تدرس أيضا في خطوطها الأساسيّة على الأقلّ ، و أن تستخدم كنقاط للمقارنة "( " القضايا الإقتصادية للإشتراكية فى الإتحاد السوفياتي" ، صفحة 75 ، منشورات باللغات الأجنبيّة ، بيكين 1976 ، الطبعة الفرنسية / الطبعة العربيّة ، دار الفارابي ، بيروت 1954 ، صفحة 88 ) . كان هذا هاما لوضع الرأسماليّة فى منظور الحقيقة و على ضوئها و عليه من أجل رؤية أبعد منها .