دين الدولة ح1

عباس علي العلي
2018 / 1 / 10

دين الدولة

من المصطلحات الشائعة اليوم في بعض الدساتير التي تعتمدها الدول وخاصة التي ترفع شعار الهوية الخاصة هو مصطلح (... دين الدولة)، أو أن الدين مصدر أساسي للتشريع أو أنه مصدر التشريع فيها، والحقيقة التي لا بد من ملاحظتها أن أضفاء صفة الهوية الدينية على الدولة أيا كان المبرر لا يتوافق مع فلسفة بناء الدولة الحديثة، ولا ينطبق كمضمون مع حالية الواقع العملي عندما تنشأ الدولة كنتاج مدني طبيعي بهوية غير مدنية، فعندما تكون هوية الدولة منتسبة للدين مثلا يجب أن تتوفر عناصر كثيرة في بنيانها القانوني وفي حقيقة تعاملها معه على أنه العنوان الذي يجب أن لا يكون لغيره حضور فعلي لا في التشريع ولا في التنفيذ.
لو أخذنا مثلا نموذجين لدستور الدولة الذي يحمل هوية محددة بعنصر الدين وحده، إيران كدولة ترفع الشعار هذا وتضمنه بالدستور بأعتبار أن الإسلام دين الدولة ومصدر التشريع فيها، والمثال الأخر دستور العراق لسنة 2005 الذي حدد هوية الدولة ونص على أن الإسلام أحد مصادر التشريع التي لا يجوز أن يشرع خلاف الثوابت فيه، نجد أن الواقع العملي لا يشير إلى تحقق هذا الشعار ولا يجسده في الواقع العملي بمقاربات ولا حتى بمضمون ما يشرع، لدينا حقيقة مغيبة دوما وهي أن أي دولة في العالم لا يمكنها أن ترسم حدود هويتها الخاصة وتلزم بقية الدول والكيانات السياسية الأخرى للألتزام به، لأن الدستور في طبيعته يلتصق بالدولة وفي حدود نفوذ سلطانها.
الحقيقة الثانية أن الدولة في كل أشكالها نمت وتطورت وتراكم رصيدها القانوني والتشريعي من خلال تراكم تشريعات وضعية وتجربة تأريخية قانونية، قد يكون فيها من القوانين والأنظمة ما لم يتألف مع الدين وقواعده ولا مع فلسفته التشريعية الحاكمة في المجتمع، المنظومة الجنائية العراقية نصوصوقضاء وحتى في الممارسة المعتادة وأيضا القانون المدني والتجاري والأداري فيه، لو قرأنا غالب أحكامه التفصيلية ومن خلالها نستطلع المفاهيم العامة والكلية والتي ترسخت عبر تأريخها، نجده مجموعة هجينة من القواعد والأسس المتباينة في الروحية والفهم، منها ما نقل من القانون البريطاني الذي طبق في الهند أبان أحتلالها مثلا أو بتأثير مجموعة الأسس المدنية المستقاة من القانون الفرنسي والمصري غالبا.
هذا الواقع يفرض أن شعار دينية الدولة لا يمكن أن نجد له حضورا فعليا في الواقع القانوني والدستوري، حتى في الدستور الإيراني الذي هو أكثر صرامة وتشددا في الإشارة لهذا الموضوع لا نجد في طبيعة القوانين السائدة في البلاد أثرا هاما ومحوريا للدين كي يكون الشعار مطابقا للمضمون، مثلا دور الولي الفقيه في النظام الدستوري وإن كان يمثل شكلا من القراءة الدينية لموضوع الحاكمية فيه، إلا أننا لا يمكننا أن نجزم ونقول وحسب ما قدمنا في البحوث السابقة أنه يستند لنصوص ثابتة متفق عليها أو أي أشارة من نص قابل لأن يكون قاعدة ملائمة أو من تجربة أصيلة تثبت الولاية للفقية في إدارة الدولة.
بالرغم من كون التجربة الإيرانية في الحكم أضفت طابعا أصوليا على الحياة العامة في إيران، لكنها لم تستطيع فعلا أن تجسد ولاية الفقيه على كل المجتمع الإيراني للدرجة التي يمكن فيها الإشارة لموضوعية الدين وسلطة الولي الفقيه، الزعامة التقليدية في إيران من الناحية الواقعية موزعة على قاعدة التقليد الحر وظاهرة تعدد المراجع وبناء على خيار فردي يختص به الإنسان، المواطن الإيراني وفقا للقواعد التعبدية بالمذهب الجعفري لا يلزمه أحدا لم يعلن تقليده لمن يعلن أنه مرجع ديني وفقيه ولي، وبالتالي فالولاية هنا فرضت بموجب نص دستوري دون أن يكون لها سند شرعي في الفقه أو العقيدة الجعفرية مع تعدد الولاءات والمرجعيات الدينية فيه، فضلا على أن المجتمع الإيراني بذاته ليس مجتمعا شيعيا خالصا فهناك السنة والمسيح واليهود والمجوس وبعض الديانات الأخرى، هؤلاء لا يمكن أن تشملهم الولاية الفقهية ولا يمكن إلزامهم بها.
هناك نقطة حساسة في موضوع صياغة الدستور خاصة في موضوع وصف الدولة ونظام الحكم فيها، فمثلا نقول أن الدولة أتحادية أو ذات منهج ديمقراطي تعددي، فهذا يعني بالمحتم أن طريقة بناء الدولة وأدارتها يجب أن تتحدد بهذا المفهوم وبهذه الكيفية، وأي خروج عن هذا النص الدستوري سيمثل أنتهاكا للدستور يجب معالجته، ولكن حينما نقول أن الدين الفلاني دين الدولة ومصدر التشريع فيها يعني ذلك أنتفاء حتمي السلطة التشريعية واقعا، وأصبح أختصاص أستنباط القوانين والتشريعات بيد أصحاب الأختصاص من الفقهاء والعقائدين، وبالتالي لا موجب أصلا أن يكون للشعب دور أو أي مهمة في بناء المجتمع من الناحية الدستورية لأن المشروعية لم يعد يملكها حتى يمنحها للسلطة بأعتباره مصدر لها.
أيضا التسليم بهوية الدولة الدينية لو فككنا الأمر وحاولنا فهم المدلول على أركان الدولة وعناصرها الأساسية، سيثار هنا سؤال مهم هل هنا نقصد الشعب بمفهوم الدين أي أن هذه الدولة بشعبها ذا هوية دينية محددة، وبالتالي نتعدى على أساس مهم من أسس النظام الدستوري وحقوق الإنسان والمواثيق والعقود الدولية التي تفترض وتفرض المساواة حرية العقيدة، أم نقصد به كيان الدولة وشكل النظام السياسي على أنه ذا طبيعة دينية وبالتالي لا يجوز مثلا تولية غير المسلمين للوظائف والمناصب العليا على قاعدة (لا ولاية لغير مسلم على مسلم).
لو كان الخيار الثاني هدفنا من التنصيص فما هي حدود دينية السلطة والنظام والشكل العام لها وكيف لنا أن نوائم بين مفهوم المواطنة المتساوية مع قاعدة الدين كهوية، أو هل يتعلق ذلك بالقوانين والأنظمة والفاعليات الحاكم وإلى مظاهر السلطة حين نجعلها تتبع النص الديني وتحتكم له، أم يقتصر مفعول الإشارة إلى كيفية التعاطي مع العلاقة المفترضة أن تبني على القبول المتبادل بين المواطن والسلطة بموجب العقد لأجتماعي، أظن أن كل هذه الأسئلة تبقى بدون جواب حاسم لأننا نفتقد إلى صورة حقيقية معيارية وقياسة لدولة الدين التي يجب تراعي وظيفيا كل الحقوق والألتزامات البينية على مبدأ (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).