كعبةُ العَماء: كلمة لا بد منها

دلور ميقري
2018 / 1 / 10

المقدمة، هيَ آخر شيء يمكنه إثارة اهتمام القارئ. أعرفُ ذلك بالتجربة الشخصية، كوني أعتدتُ غالباً على تجاوز مقدمة الكتاب إلى متنه. وأحسبُ أنّ كلّ كاتبٍ يريد الإيحاء لقارئه، بأن مقدمة الكتاب ( أتحدث هنا دوماً عن العمل الأدبي ) هيَ أمرٌ لا مناص عنه. فكيفَ تكون ردة فعل القارئ، إذاً، ما لو علم أنها مقدمة بقلم شخصٍ يمت للكتاب بصلة التحقيق والتنقيح، حَسْب؟
الحق، أنني ما كنتُ أحسبني سأراود من جديد أوراقاً تخصّ آخرين. وكنتُ قد أقنعتُ الناشرَ العزيز بكتابة حاشية، كمقدمة لهذه الرواية ( وهذا ما فعله مشكوراً )، تتضمن معلومات عن ظروف كتابتها. إلا أنه أصرّ عليّ بضرورة وجود مقدمة منفصلة، أضعها بنفسي، أعرض من خلالها تلك الظروف الموسومة. فلما قلتُ له، إن علاقتي بهذا العمل مقتصرة على التحقيق والتنقيح، فإن ابتسامةً مواربة زيّنت فمه. إذ عدَّها الناشرُ " حيلةً أدبية كلاسيكية "، الإيحاءَ للقارئ بكوني محققاً للرواية لا مؤلفها. وكان جوابي، أن ذكّرته مجدداً بايميل كان قد سبقَ ووصلني من السيدة السورية، " سوسن خانم "، تبعه ارسالها للمذكرات. ثم أوضحتُ مستدركاً، " أعني أوراقها، المحتوية أيضاً على مذكرات المسيو الفرنسيّ ".
" مهما تكن هذه الأوراق، فإنها أضحت باسمك "، قال لي الرجل بمحكيته الحلبية. وأردف غامزاً بعينه هذه المرة " أذكّرك بدَوري، أنك منحتني حرية كتابة ما أشاء في الحاشية، المطلوبة. ولن أخفيكَ، أنني سأنوّه بكون هذا العمل الجديد جزءاً رابعاً من خماسية روائية. وذلك أمرٌ بديهيّ بالإستناد إلى رواياتك المغربية، الثلاث.. ". قلت له مصححاً، " أنت تعني، رباعية روائية؟ ". مسحَ بيده البيضاء الناصعة على ظاهر كرشه الكبير، قبل أن يجيبني متنحنحاً " يجب أن يكون ثمة رواية خامسة، لو أردتَ للقارئ أن يُدرك أنه أمام مذكراتٍ مسجلة من لدن أشخاص عديدين ". أردتُ أن أنبس بشيء، غير أنه أسرع يُضيف قائلاً " الزمنُ الروائيّ، لن يضيره الإمتداد إلى هذه الألفية الجديدة! "
" أعتقد أنك تريد أن يعرف القارئ، وعن طريق شاهدٍ عيان مُفترض، ماذا حل بشخصيات تلك الروايات بعد مضي كل الأعوام المنصرمة؟ "
" أجل، ولِمَ لا. من ناحية أخرى، لا أرى سبباً لإصرارك على صفة المحقق. فالكتّاب بشكل عام، كما تعلم، يحرصون عند نشرهم لعملهم الروائيّ، تصديره بملاحظة تؤكّد أنه لا يمت للواقع بصلة وأنّ أي تشابه بين شخصياته المتخيلة وأناس حقيقيين لهوَ مصادفة محضة "
" فأنتَ تود، إذاً، أن أتبع تلك القاعدة العامة..؟ أنت مَن كان ينتقد، قبل قليل، الحيلَ الروائية الكلاسيكية! "، قلت له بنبرة منتصرة. نعم، كنت واثقاً من أن حجّتي كافية لصرف النظر عن موضوع تبني هذا العمل الروائيّ. بيْدَ أن الرجل، في آخر المطاف، عمل ما برأسه حينَ نوّه في حاشية الكتاب بكونه جزءاً من خماسية روائية من تأليفي. هذا مع علمه بطبيعة الحال، أنني لم أكن قد خطيتُ بعد جملة واحدة من الكتاب الخامس، المُفترض.

للكلمة بقية ..