التداعيات التي حدثت في المهلكة

فاروق عطية
2018 / 1 / 10

في مقال سابق بعنوان تداعيات زيارة مولانا للمهلكة عرضت فيه ملخصا لخطاب مولانا ترامب رضي الله عنه وأرضاه في جموع ملوك وأمراء ومشايخ المنطقة، وأملي عليهم شروطه وطالبهم بدفع الثمن. ذكرني هذا الحدث بمشهد القهوة في أوبريت الليلة الكبيرة، والمعلم يقول للجلوس: اللي هيطلب راح يقعد واللي ميطلبش يبعد، مع اختلاف بسيط مفيش واحد من قادتنا قال: يلا بينا يا مسعد علي حارة الترماي. الكل أزعن ودفع الجزية عن يد وهم جميعا صاغرون، وعاد مولانا لبلاده غانما سالما والسعادة تملأ وجهه المكتنز، فخورا بما حققه وما لم يستطعه أي من سابقيه بحزب الفيل أو حزب الجحش. ومن الجلي أن الذي أقنع ترامب بزيارة المهلكة هو جمع المال وبيع السلاح وتحقيق المزيد من فرص العمل للأمريكيين، والذي أثلج قلب زعماء الخليج هو قول مولانا: سنعزز (أمن أصدقائنا وحلفائنا الرائعين). هذا هو المهم لكل الأطراف.
والجدير بالذكر أن محمد بن سلمان ولي العهد ووزير الدفاع قد زار واشنطون والتقي بترامب في 15 مارس 2017. خلال اللقاء عرض على ترامب برنامج رؤية السعودية 2030، كما امتدح سياسات ترامب العدائية تجاه الراديكاليين الإسلاميين والتى رأى أنها ضرورية لحماية الأمريكيين. ولم يتحدث أو يثر معه أى نقاش بخصوص قانون «العدالة فى مواجهة رعاة النشاط الإرهابى» المعروف اختصارا باسم «جاستا»، وهو قانون اعتمده الكونجرس بأغلبية تقترب من الإجماع بين أعضاء الحزبين الجمهورى والديمقراطى داخل مجلسي النواب الشيوخ، وأيده الرئيس ترامب، وأصبح قانونا، ومن خلاله يمكن توجيه الاتهام للمملكة السعودية وأعضاء أسرتها الحاكمة بالضلوع بصورة مباشرة وغير مباشرة فى هجمات 11 سبتمبر الإرهابية والتى راح ضحيتها ما يقرب من ثلاثة آلاف أمريكى، ويعطي الحق لعائلات من استشهدوا فيه برفع قضايا تعويض ضد السعودية. وأن هذا اللقاء قد ساهم في تغيير "الصورة الذهنية لدى رئيس أكبر دولة في العالم" بشأن السعودية"، مما ساهم في اختياره المهلكة كمحطة أولى في زياراته الخارجية.
والجدير بالذكر أيضا ما صرح به ترامب إبان حملته الانتخابية، ويعبر بأمانة عن رؤيته للمهلكة حين قال إن «السعودية بقرة حلوب تدر ذهبا ودولارات بحسب الطلب الأميركى، ومتى جفت وتوقفت عن منحنا الدولارات والذهب عند ذلك نأمر بذبحها أو نطلب من غيرنا ذبحها»، كما صرح لمحطة فوكس الإخبارية إن تقرير لجنة تحقيق «11 سبتمبر» يظهر أن السعودية لعبت دورا مهما فى الهجمات الإرهابية، إلا أننا هاجمنا العراق ونحن كنا نعلم أنهم ليسوا من أسقط مركز التجارة العالمى. ورغم ذلك، عندما جاء محمد بن سلمان زائرا للبيت الأبيض، أُحسن استقباله.
كما كانت زيارة ترامب للرياض والتي صاحبتها حالة غير مسبوقة من الاحتفالات الهستيرية، بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي خاصة المهلكة، إنقاذا لهم من حالة الاضطراب والقلق والضياع، الذي عانوه في سنوات حكم الرئيس السابق أوباما، حيث كان لديهم انطباع بأن أمريكا قد حولت وجهتها بعيدا عن الشرق الاوسط واستدارت نحو آسيا، وأنها استبدلتهم كحلفاء قدامى بإيران، وسلمت الشرق الاوسط إلى روسيا التي تحالفت مع شيعة المنطقة. وبعد زيارة مولانا تباهت القيادة السعودية بعقد صفقات تجارية وعقود مشتريات عسكرية تتخطى قيمتها مبلغ 400 مليار دولار.
وقد تمخضت الزيارة المباركة عن تحالف جديد، لمواجهة السياسات الإيرانية ومحاربة الجماعات المسلحة التي تمارس الإرهاب، وإن كان هذا لا يمت للواقع بصلة لأن زعماء الدول الذين اجتمعوا في القاعة ليس لديهم جميعا تعريف موحد للارهاب ولا يجمعهم تهديد واحد من هذين المصدرين، بعضهم ممول وممارس للإرهاب كتركيا وقطر والمهلكة. ومصالحهم وسياساتهم المعتمدة مع إيران متعددة، فبعضهم حلفاء لإيران مثل العراق ولبنان، كما أن تركيا ومصر والإمارات والكويت وسلطنة عمان وباكستان كلها لديها مصالح اقتصادية واستراتيجية معها، حتى أمريكا نفسها تتعاطى مع إيران وتنسق معها في أفغانستان والعراق. وحقيقة الأمر أن أمريكا تلعب بورقة إيران باحترافية وتريدها فزاعة ومصدر تهديد دائم لدول الخليج كي يهرعوا لشراء المزيد من السلاح، فقد حصل ترامب على كل العقود الاخيرة بتلك الفزاعة، فهل من المنطقي أن يقطع هذا الشريان عن الاقتصاد الأمريكي وهو رجل أعمال؟ ولكنه استطاع بحنكة ودهاء جمع كل هذه المتناقضات في سلة واحدة.
كانت الاستجابة سريعة سرعة البرق من الملك الحقيقي محمد بن سلمان ولي العهد ووزير الدفاع. استجابة مبهرة لم يك أي من المتفائلين يتوقع حدوثها، ولكنها حدثت كمعجزة في زمن عزت فيه المعجزات. وأهم الخطوات التي اتخذت:
ـ تجريد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من سلطة القبض على الناس أو استجوابهم، وهو أمر يمثل تطورا كبيرا في علاقة الدولة برجال الدين، وفصل آلاف من الأئمة الوهابيين المتشددين والقبض علي الكثير منهم، وفرار البعض إلي دويلة قطر المعادية.
ـ إلغاء كتب التراث التي تدعو للغلو في الدين وتُحرض علي الإرهاب، وحذفها من المقررات الدراسية بالمدارس العامة والمعاهد الدينية.
ـ إلغاء كل ما يدعو للفكر المتطرف والاتجاه للوسطية السمحة للدين واحترام الديانات والعقائد الأخري والانفتاح عليها.
ـ حذف كل الأحاديث النبوية المشكوك في صحتها والتي لا تتفق مغ المنطق وما جاء في القرآن الكريم.
ـ أعادة تفسير القرآن االكريم تفسيرا يلائم العصر، وإلغاء كل التفسيرات التي لا تتماشي مع العقل والمنطق.
- ـ تبني خطاب ديني ينادى بالوسطية وإصلاح الدين الإسلامى كى يناسب العصر
ـ النقاب والحجاب عادة وليست عبادة، وحرية استخدامه أو التخلي عنه منوط بالحرية الشخصية دون إجبار.
ـ صدور أمر ملكي بتحرير المرأة السعودية، والسماح لهن بقيادة السيارات مع مراعاة شروط وقوانين المرور المنظمة، وتعيينهن بمناصب بارزة، بالإضافة إلى السماح للمرأة بدخول الملاعب العامة.
ـ قرار إنشاء الهيئة العامة للترفيه التي تقيم حفلات غنائية وموسيقية وترفيهة في السعودية.
ـ السماح ببناء الكنائس للعاملين المسيحيين بالمهلكة وحرية أداء طقوس عبادتهم.
ـ اعتقال عشرات الأمراء وعشرات من رجال الأعمال بتهم فساد، والسير بسرعة كبيرة فى طريق الإصلاحات السياسية والاجتماعية.
ما يقوم به هذا الأمير الشاب أمر يدعو للإعجاب والاحترام، ويدعونا للتساؤل: إذا كانت السعودية التي صدّرت لنا الوهابية بكل ما تحمله من تطرف ومغالاة في الدين قد فاقت من الوهم وبدأت طريق الإصلاح بخطوات سريعة، أليس من الأجدر أن تعود مصر الموبوءة بالوهابية المستوردة لما كانت عليه من وسطية؟ ألا يستطيع السيسي بكل ما لديه من سلطة وسلطان أن يقتدي بما قام به هذا الشاب الحديث العهد بالحكم والسياسة ويعيد لمصر الأمل في الحياة السوية البعيدة عن سيطرة السلفية الوهابية من جديد؟ بعد كل ما جابهناه من جرائم التطرف الإرهابي وآخرها ونتمني أن يكون الأخير ما حدث اليوم 12 ديسمبر من عدوان علي كنيسة مارمينا ومحل أدوات كهربائية بحلوان سالت فيه دماء أبناء الوطن مسلمين ومسيحيين وامتزجت في لحن مأساوي، ألا يستطيع الرئيس أن يقضي علي هذه الطغمة الفاسدة المحرضة وهم معروفون؟ هذا ما نحلم بتحقيقه مع إشراقة العام الجديد..!