إشكالية الدولة والإنسان مواطن

عباس علي العلي
2018 / 1 / 10

الإنسان منذ فجر التأريخ ومن أول يوم أسست فيه شكل الدولة الأول، عاش في أزمة حقيقية بين الرضوخ لقاعدة التعايش والتنازل عن جزء من حريته الشخصية وبين أن يمارس طبيعيته الأولى القائمة على تجسيد وظيفته بدون قيود تمنع تواصله مع الإنسان الأخر, هذه القيود التي تفرضها حدود الجغرافية السياسية والتاريخ والأنتماء وشروط الدولة ولنا في صفحات التاريخ الكثير من المصاديق والأمثلة .
رضخ الإنسان تماما في جميع مراحل التأريخ بوجه عام لاشتراطات وألتزامات الدولة وحقوقها وواجباتها المقابلة، ولم يشذ عن ذلك إلا في حالات نادرة ولأسباب خاصة لكنه على عموم الوصف دخل في كنف الدولة، التي كان يتأمل منها أن تستجيب له على الأقل في تأمين الحد الأدنى من إنسانيته وفق قوانين الطبيعة التي تؤمن بالتوازن والديمومة والموائمة بين مختلف الحقوق والواجبات, في حالات نادرة ونادرة جدا أستجابت الدولة بشكل أو بأخر لها وجسدتها واقعا, ولكن الدولة في حد ذاتها تعيش في أزمة أخرى أزمة التوازن بين الطبقات والصراع الناشئ بينها وبين واجبها المتمثل في بسط إدارة عادلة وبالتساوي بين المواطنين أعضاء وطرف العقد الأجتماعي الذي أنشأها، هذه الأزمة كانت بنيوية بالأساس والتي هي محض نتاج الأنا وتطرفها.
أزمة الدولة في كل المجتمعات أزمة مركبة من مجموعة أزمات تتداخل وتشكل ظاهرة عامة في كل المجتمعات المدنية والدينية لا فرق, وحتى الدولة الحديثة عندما تبني كيانها على شعار المساواة والعدل تواجه معضلة حقيقية في تطبيق هذه الشروط, فهناك التفاوت الوظيفي وهناك التباين الطبقي وهناك صراع المصالح التي لا تتوافق مع مشروع الدولة القائم على المساواة, مثلا في أمريكا التي ترفع شعار المساواة كقاعدة ديمقراطية ليبرالية وهي من صميم تفكير المجتمع ونتاج الفلسفة الاقتصادية والفكرية الحاكمة، لا يمكن أن يزعم أحد لمجرد الزعم أن المساواة متحققة والمجتمع منقسم مصالحيا إلى طبقات وفئات حاكمة ومحكومة، أقتصاديا وأجتماعيا وسياسيا وهذا ما لا ينكره عاقل أو منصف .
الأزمة من وجه أخر تبدو أكثر تأثيرا على الإنسانية حينما تفشل الدولة في تلبية حاجة الإنسان الفطرية للخلاص من طوق العبودية, الإنسان حر في طبيعته ولكن ما أن يتنازل عن جزء مهم منها يعاوده الهاجس الفطري مرة أخرى للتحرر من عبوديته للنظام والخضوع لقانون المجتمع, هذا الهاجس ليس في الحقيقة إلا إنعكاس للأنا التي كلما تضايقت بالقانون كلما حاولت التفلت عنه, لذا فإن قاعدة كل ممنوع مرغوب هي ترجمة حقيقية لهذه الإشكالية التي تعمق شعور الإنسان من أن خضوعه وإن كان بإرادته أو وفق ما وجد عليه المجتمع هو خضوع قهري، ومن جهة أخرى يحرص على التكامل مع الأخر به، ومن جهة ثانية يتلمس حاجته للتخلص منها عبر محاولة الألتفاف والمناورة بمختلف الوسائل التي يتيحها القانون أو تفرضها طريقة التعامل فيه, وهنا تكثر حالات أنتهاك القانون والخروج عن العرف الأجتماعي إرضاء للأنا وليس فقط ميل انحرافي نتج عن مقدمات غير صحيحة .
أزمة الدول تتلخص بكيفية الجمع بين ميول الإنسان الطبيعية المتناقضة بين الحرية والمدنية الأجتماعية وبين واجب الدولة في بسط السلطة وتعميم القوة الضابطة، وتحقيق صورة الوجود الجمعي المتناسق مع ضرورة الدولة ونجاح مشروعها التنظيمي, هذا ونحن نتكلم عن الدولة المثالية الأفتراضية أما الصور الواقعية فإشكالاتها لا تعد ولا تحصى بسبب من عدم أستواء القاعدة القانونية أو عدم قابلية العقد الأجتماعي الناظم من التوافق مع الطبيعة، أو عدم جدية الدولة في تطبيق مبدأ العدالة وفرض العدل، والكثير مما يعانيه الإنسان من أختلالات في التوازن النوعي والكيفي بين الصورة الأساس والواقع المعاش .
هذه الأزمة المركبة لم تجد لها حلا مناسبا ولا حتى مقاربات للحل بل زاد من تعميق الأزمة سيطرة القوة على القانون، وأصبحت الدولة في أشكال منها وصور تمثل القهر والإستلاب والتعدي على الحق الإنساني الطبيعي, بدل أن تحاور الدولة نخبة المجتمع لتتجاوز الإشكالية سارعت الدولة إلى التضييق على الإنسان وقمع الصوت المنادي بالإصلاح ومحاولة العودة للأسس الطبيعية للدولة, فتحولت الدولة من جهاز تنظيمي توسطي بين القيادة الهرمية والدستور والعقد الأجتماعي من جهة والشعب من جهة أخرى، إلى سلطة شرطية تراع مصالح النظام كقوة مسيطرة وأهملت الواجب التنظيمي التوسطي، وأنحازت بالكلية إلى الإنسان المتمرد بأنانيته المفرطة سواء أكان ملكا أو رئيسا للجمهورية والأمثلة لا تعد من وفرتها .
كلما أصر الإنسان الحاكم على ممارسة السلطة الغاشمة تزداد الأزمة تعقيدا وتؤدي إلى نتائج كارثية على المجتمع، وهتك للقانون وتتحول لغة الحوار بين الشعب والسلطة إلى لغة القوة والسلاح الذي سيطال الجميع عندما يخرج البعض حاملا السلاح بوجه الدولة لأن محاور التفاهم مغلقة, كل من السلطة والمتمرد على استعداد لهتك كل الحدود وأهمها حقوق الإنسان عندما يجعل موضوع الأنتصار على الأخر الهدف الأساسيله، وليس أنتصار قيم الإنسان وحريته وحقوقه المتاجر بها دوما, تتشخصن المعركة هنا بين منهجين متضادين لا يلتقيان لا في رؤية ولا في منهج سوى في لغة قوة السلاح.
قد يظن البعض أن المشكلة التي أشرنا عليها هي من طبائع البشر الأعتيادية التي تدور بين الرغبة بالبقاء في أطار مجتمع، وتنازع على الصلاحيات داخل هذه الرغبة وأستجابة لها, والحقيقة أن الأمر لا يجري هكذا ولا يفسر بهذه الصورة خاصة وأن الفرض يكون على مستوى التنازع على سطح واحد بمستوى واحد مثلا نزاع النظائر بين الأقران, لكن هذا التنازع يكون على أساس تناقض ناتج عن خلل في تطبيق قواعد العقد الأجتماعي الذي توافق عليه المجتمع بين أفراده على أساس أنهم متساوون فيه بما فيه من حقوق وألتزامات متبادلة بينهما وهو ما لا نجده واقعا ولا نتيجة .
الشعور بخرق هذا الإحساس ومن خلال وقائع على الأرض يحاول كل طرف متضرر من أن يطالب بحقه، وكل طرف متعدي يحاول تبرير ذلك بمسوغات مختلفة في أن يصلوا للحل الوسط, ولكن ليس في كل الأحوال فقد تكون هناك نقاط لا تقبل المساومة أو الحوار عليها، وهي نقاط الوجود والهوية الذاتية والمصير المتعلق بالمستقبل، لا يمكن لعاقل أن يساوم على هذه أما أن تكون القواعد النظامية حاكمة وفق مبدأ العدالة أو تنتهي بإنشقاق عنها .