الحرية في ديوان -إحدى مراياه- عيسى الرومي

رائد الحواري
2018 / 1 / 9

الحرية في ديوان
"إحدى مراياه"
عيسى الرومي
الحرية اسمى ما يسعى إليه الإنسان، وهي التي تجعله يبدع ويتألق، وهي من تمنحه السعادة والفرح والشعور بوجوده كإنسان، لكن عندما يكون هناك محتل جاثم بقوته العسكرية على الوطن والمواطن، فكيف سيكون حضور الحرية؟، كيف سيتعاطى الشاعر معها؟ فهل عليه أن يكتب عن المحتل وما يفعله؟، أم أنه يجد حريته حاضرة رغم وجود المحتل وأفعاله؟، "عيسى الرومي" يجد حريته في العصافير، في الطيور، في الشمس والغيم والفضاء الرحب، يجدها في الصباح، في الجبال والأشجار، يجدها في القمر والغيم، يجدها في القصيدة والمرأة، يجدها في الألوان الزاهية، وإذا ما توقفنا عند حرية "عيسى الرومي" سنتأكد بأنه شاعر "أبيض" فمن يستطيع أن يكتب بهذا البياض، بهذا العالم الطبيعي، متجاوز المحتل واعماله ويكتب بهذه الروح مستخدما الفاظ "الطيور/العصافير/الشمس/الغيم/القمر/ الشجر" هو شاعر يعيش ـ في عقله الباطن/في الا شعور ـ حالة من الحرية لا يمكن لأيا كان أن يقيدها، أن يأسرها، لهذا وجدنا لغته الناعمة والالفاظ البيضاء تنير لنا ديوان "إحدى مراياه"
قلنا في وموضع غير هذا أن المتعة تعد احدى أهم العناصر التي تجدب المتلقي للنص الأدبي، وهذا المتعة قد تأتي من خلال اللغة/الألفاظ/الفكرة/الشكل الأدبي/الطريقة التي صيغ بها العمل، فالألفاظ تعكس ما يحمله الكاتب/الشاعر في الا شعور، وعندما نجد هناك تكثيف للفظ "العصافير" في غالبية القصائد، بالتأكيد أن هذا الاستخدام سيريحنا ويجعلنا نهيم كما هام الشاعر في عالم الفضاء والحرية، فنحن سنتأثر بهذا اللفظ ونحلق في الفضاء كما حلق هو، وهنا تأتينا حالة الفرح والحرية التي أوجدها الشاعر.
يفتتح لنا الشاعر ديوانه بهذه الومضة:
"(1)
لا تفكر فيما مضى
لا تفكر فيما يجيء
فحاضرها أبد
باسم، ومضيء" ص9، فمن يجعل فاتحة ديوانه بهذا الامل، بهذا البياض، بالتأكيد هو شاعر متفائل، وما زالت روحه متعلقة بالحرية وبالفرح وبالحياة.
عالم الطبيعة البهية كانت حاضرة وبقوة في الديوان:
"(4)
العصافير في كل صباح، تشارك شمس الصباح الشروق، وبعد الغروب، تشارك نجم الفضاء تلألؤه، وتشاركه في جلال الهدوء" ص11، أن تكون الألفاظ البيضاء منسجمة مع الفكرة يعد ذلك نص مطلق البياض، فالشاعر يركز على لفظ "الصباح" ويعطينا واصفا إياه من خلال الفاظ "الشمس، الشروق" لكن كلنا يعلم أن الغروب أسود، ويحمل مدلول الظلام، لكن "عيسى الرومي" الأبيض يقدمه لنا كما يراه هو فستخدم هذه الالفاظ: "نجم، الفضاء، تلألؤه، جلال، الهدوء" وهذا يعطينا نحن المتلقين شعور بالفرح والحرية والهيام في الطبيعة وفي الفضاء الرحب، أليس هذا ما نحتاجه، ما نفتقده؟.
المرأة والطبيعة والكتابة والثورة كلها عناصر تريح الكاتب وتمتع القارئ، وهي بالتأكيد ـ غالبا ما تأتي بصورة بيضاء ـ يجمع لنا الشاعر بين المرأة والطبيعة بهذا المقطع:
"(18)
العصافير، هذا الصباح البهي، ملونة، كأماني الصبايا اللواتي نهدن، اللواتي يكدن ـ اللواتي استرقن ـ اللواتي اختلسن ... العصافير، هذا الصباح، تغني، وتمعن في رقصها.
وأماني الصبايا اللواتي نهدن، اللواتي يكدن.... ملونة، كالعصافير، هذا الصباح الندي، ولا تتساءل عن نقصها" ص20، فكرة اليوم الجديد التي جاءت من خلال لفظ "الصباح" وتجدد الحياة من خلال لفظ "نهدن" كل هذا خلق حالة من الفرح والجمال، لهذا وجدنا العصافير تغني وترقص فرحة ، وهذا ما يفرح الصبايا ويفرح الشاعر ويفرحنا نحن أيضا.
اعتقد أن جمل وشمول حالة الفرح للكافة العناصر والأشخاص يشير إلى أن الشاعر يحمل رسالة إنسانية صافية ونقية، يرد نشرها وتوزيعها ـ مجاناـ وما علينا إلا التقدم منها لنحصل على حاجتنا من الحياة.
الدهشة تعد ذروة الابداع الأدبي، فعندها نندهش بالطريقة/بالأسلوب/بالفكرة يكون الشاعر/الكاتب قد أوصل ما يرده للمتلقي، ورسخ حضوره ككاتب/كشاعر محترف، وهذا ما يجعلنا نحترم هذا المبدع وهذا الابداع:
"(31)
"مهر بنتي حليب العصافير"
عصفورة صرخت كالرعود: ومهري، أنا رأس ذاك الامير!" ص30، جعل الحديث يدور حول "بنت الأمير" والتي ترد عليه "عصفورة" ينسجم مع قيمة جنس/نوع، فالعصفورة توازي "بنت الأمير" وما يحسب لهذا المقطع أنه يمثل قصة متكاملة، فيها كافة عناصر القصة، الحدث، شخصيات، أصوات، فكرة.
نجد في المقطع السابق فكرة الثورة، التمرد على "الأمير" لكن كيف يتمرد الشاعر على يأسه، كيف يتمرد على ذاته عندما تخبو شاعريته وتحتضر؟:
"(72)
إذا يئس الشاعر الآمل
وضاق به المتقارب والكامل
وأفلس
فإن العصافير تأمره بالإشارة:
لا تتلمس!
ولا تتحسس!
بكفك ذاك المسدس" ص60، ما يدهشنا في هذا المقطع أن الشاعر لم يحدد لنا لمن سيكون استخدام هذا "المسدس" للشاعر لينهي حياته التي لم تعد لها رسالة تقدمها؟ أم للواقع والمتسببين بخلق حالة اليأس للشاعر؟.
الأفكار السياسية يقدمها لنا الشاعر بطريقته الخاصة، يقدمها كقصة، كحدث بومضة خاطفة، لكن أثرها باق وعميق:
"(79)
كلما حط طير
على هرم
فر ملتهبا
ناقما غاضبا
من عواء الفراعنة الجائحين" ص65، ما يحسب لهذا الفكرة أن الشاعر لم يجعل لطير تفر بشكل مطلق، فهي ستعود من خلال ما تركه فيها "عواء الفرعون" من مشاعر ناقمة وغاضبة وملتهبة، فهذه المشاعر ستكون دوافع للعودة إلى الهرم، لأن الطير لا بد أن يعود إلى موطنه، أليست هناك طيور مهاجرة؟.
الصورة الشعرية تمنحنا شعور بالجمال، والجمال يفرحنا ويريحنا:
"(110)
طائر يرتدي
قبعة
من الغيم منسوجة
والريح لها
أشرعة" ص87، صورة رسمت بألفاظ بيضاء، لهذا هي مكتملة الجمال، مطلقة الفرح، اجتمعت فيها الالفاظ والفكرة لتمنحنا وتعطينا هذا التحليق وهذا الفضاء.
الديوان من منشورات الآن ناشرون وموزعون، عمان الأردن، الطبعة الأولى 2018.