بوادر الفلسفة

سعود سالم
2018 / 1 / 9

هناك تساؤلات عديدة بخصوص مصدر الفكر الفلسفي وطبيعته، هل الفلسفة بضاعة شرقية أم غربية ؟ هل ظهرت في الشرق ونمت وتطورت في الغرب ؟ أم أنها كما يقال معجزة الشعب اليوناني وبضاعة يونانية محلية ؟ اليونانيون أنفسهم أنقسموا إلى فريقين، أرسطو أكد إن الفلسفة بدأت في القرن السادس قبل الميلاد مع طاليس الملتي. أما ديوجينيس اللائرتي، Diogène Laërce ‪‬ Διογένης Λαέρτιος والذي عاش في بداية القرن الثالث الميلادي ومؤرخ للفلاسفة اليونان فقد قال بأن أول فلسفة ظهرت في بلاد الشرق وعند المصريين. وقد أتخد رأي أرسطو مركز السيادة وسيطر على الرأى العام العالمي طوال العصور القديمة والمتوسطة والعصور الحديثة حتى بداية القرن العشرين، حيث جائت بحوث جديدة كشفت عن وجود حضارة بابلية في غاية من الثراء الفكري والأدبي زعزعت هذه الفكرة المنغرسة في الغرب والشرق بخصوص المعجزة الأغريقية. هايدغر، مثله مثل أرسطو يحصر هذا النشاط الإنساني في اليونان والغرب عموما، وذلك لأن اللغة اليونانية واللاتينية تسمح بالتساؤل عن الكينونة أكثر من غيرها من اللغات، وهذا ما يجعل الفلسفة ممكنة، لأن موضوع الفلسفة بالنسبة له هو الكينونة. أما عبدالرحمن بدوي فيرى بدوره أن الفلسفة اليونانية لم تنشأ متأثرة بأفكار شرقية وإنما نشأت نشئة طبيعية من خصائص الشعب اليوناني نفسه ومن الظروف الحضارية التي وجدت في القرن السادس قبل الميلاد في بلاد اليونان. غير أن نيتشة يعتبر من الأوائل الذين جعلوا للفلسفة اليونانية مصادر صوفية خارجة بالضرورة عن بلاد الإغريق. وذلك لأن الروح اليونانية كانت روحا تشبيهية anthropomorphisme وهي كلمة من أصل يوناني ἄνθρωπος - ánthrôpos تتصور العالم والأشياء والآلهة على صورة الإنسان ذاته وبذلك تسقط وتسند الصفات والخصائص البشرية إلى الكائنات الأخرى مثل الآلهة، الحيوانات، الأجسام والظواهر الطبيعية مثل الريح والعواصف والأعاصير .. وقد حررت الفلسفة الفكر اليوناني من هذا التصور الطفولي للعالم وأرجعت الإنسان إلى مكانه الخاص به والمختلف عن كل ماعداه من الكائنات وبدأ في النظر إلى العالم نظرة موضوعية وعقلية. طاليس حاول توحيد هذا العالم المشتت وجعل الأشياء كلها ترجع إلى "وحدة " مادية وهي الماء كأصل لكل ما في الكون. أي أنه تمكن من تجريدالأشياء كلها في مفهوم واحد ارتفع به إلى المقام الأول وجعله الأساس في فهم وتفسير الطبيعة. وهي نظرة جديدة ترفض الإنفصال والتفريق والتشتت وتنطلق من الذات مباشرة نحو الموضوع، حيث تتحد بموضوعها وتصبح جزء منه وفانية فيه. ويذهب نيتشة إلى أن هذه النظرة الجديدة لم تأت لطاليس ولفلاسفة الطبيعة عن طريق النظر والإستقراء ولا عن طريق المشاهدة أو الملاحظة، وإنما عن طريق حدس وجداني صوفي. وحل محل الإسقاط والتشبيه "الأنثروبومورفي" نظرة جديدة قائمة على نوع من التصور الموضوعي. ولكن يبدو أنه من الضروري في هذه الأمور من أخذ الحذر الشديد في تأكيد تفسير دون آخر، وأنه من التهور اللجوء إلى مصدر وحيد لظاهرة من هذا النوع، تقع على بعد عشرات القرون وبدون أية وثائق مباشرة. فمن المرجح إذا وجود مصادر متعددة لنشوء الفلسفة في هذه المنطقة، الظروف اليونانية ذاتها، التأتير الشرقي من الحضارات البابلية والمصرية، والتأثير الصوفي، ولا ننسى أيضا المصادر السياسية والدينية والأخلاقية والشعرية اليونانية. فالأخلاق اليونانية على سبيل المثال، والتي يمكن تتبع بعض خصائصها في الملاحم الشعرية الهومرية، قد انتقلت من الأحكام الفردية القائمة على الإنفعالات المباشرة والتي لا ضابط لها، إلى أحكام أكثر موضوعية تمليها دوافع جديدة أكثر عموما مثل الحكمة والجرأة والشجاعة. أي الإنتقال من الأخلاق الفردية العفوية إلى الإعتراف بقانون كلي تسير عليه الحياة الإنسانية. ومن القوانين الأساسية التي تكوّن هذا القانون العام، قانون يسمى "القدر μοῖρα". وهذا القدر أو الضرورة ينقسم إلى ضرورة عمياء يخضع لها الكون بأسره من الإنسان والحيوان والنبات والحجر وزيوس ذاته وبقية الآلهة لا يستطيعون عدم الخضوع لها. وهناك أيضا نوع آخر من القدر بمعنى النصيب، فلكل إنسان نصيبه من الخير والشر، من السعادة والتعاسة، من الحب والكراهية، من الحياة والموت .. وهو القانون الأخلاقي العام، الذي يسيّر الإنسان في حياته مع الآخرين ومع الطبيعة والآلهة، الذي يجب الخضوع له وإلا تعرض الإنسان للعقاب من قبل الآلهة، وذلك لوجود قانون آخر يكمّله وهو العدالة Dikē - Δίκη. والتي ستلعب دورا مهما في النظريات الفلسفية الطبيعية.