صلاح عيسى … ورقة الغلابة التي سقطت

فاطمة ناعوت
2018 / 1 / 9


لازلتُ أذكرُ ذلك النهار الشتوي المشمس، من عام 2003، حينما صففتُ سيارتي على عجل فوق رصيف "اتحاد كتاب مصر" بشارع حسن صبري بالزمالك، مستغلةً معرفتي بسائس السيارات الذي صار صديقًا لكثير من الكتّاب. ثم أسرعتُ جاريةً نحو جريدة القاهرة المجاورة لاتحاد الكتاب. ثم ارتقيتُ السُّلَّمَ ركضًا صوب مكتب رئيس التحرير. طرقتُ الباب بلهفةٍ، فجاءني صوتُ الأستاذ العريض الأجشّ سامحًا بالدخول؛ فدخلت.
كان يراجع بروفة الجريدة من خلال نظارته المربعة الكبيرة التي صارت جزءًا من ملامحه. فيرسم بقلمه دوائرَ فوق كلمة في مانشيت يريد تعديلها إلى كلمة أخرى، وأسهمًا صاعدة وهابطة، ليغير مكان خبر من أعلى الصفحة إلى أسفلها، أو يشطب بعلامة إكس على خبر أو تقرير يرى وجوب حذفه.
كان قلبي يخفقُ بشدّة. ليس بسبب صعود درجات السلم ركضًا بعد الجري نصف ميل، بل لأن هذا لقائي الأول مع هذا الهرم الصحفي الهائل، والمؤرخ المصري الثقيل الأستاذ "صلاح عيسى" الذي رافق "محمد حسنين هيكل" و"فؤاد سراج الدين" في زنزانة واحدة، كسجناء رأي. والذي يجلسُ الآن خلف مكتبه في يمناه قلمٌ، وفي رأسه "حكاياتٌ من دفتر الوطن" وهموم مستقبله. ثم أصبحتُ يومَها أحدَ كتّاب جريدة "القاهرة" التي تصدر نهار الثلاثاء من كل أسبوع عن وزارة الثقافة المصرية، وإن لم تكن اللسان الناطق للوزارة، كما كان الأستاذُ يؤكد دائمًا.
لا ينكرُ كاتبٌ صحفيٌٌّ من جيلي أنه تتلمذ على يد الأستاذ، إن بشكل مباشر بالعمل معه رأسًا، أو من خلال تأمله لأسلوب المدرسة الصحفية التي دشّنها صلاح عيسى خلال دهرٍ من الكتابة والعمل الميداني في مجال السياسة والحقوقيات البروليتارية والمعارضة. ولا ينكرُ عاقلٌ قيمةَ ذلك الرجل السياسية والصحفية والتأريخية، مهما اختلف معه المختلفون، أو اتفق المتفقون. ولا ينكرُ أحدٌ سطوعَ حضوره وكاريزماه في الحديث عن تاريخ مصر وهموم الفقراء وحركات المقاومة خلال عقود من العمل على أرض الواقع وبين تراب الكادحين، وليس من فوق المنصّات والمنابر والشاشات والغرف المكيّفة.
وعلّ انخراطه الطويل في صفوف العمّال والفقراء، هو الذي جعله يلتقط حدوتة أشهر سفّاحتين في تاريخ العالم: “ريّا وسكينة" من زاوية إنسانية حانية لم يتطرق إليها أحدٌ قبله ولا بعده. في كتابه الإنساني الجميل "رجال ريّا وسكينة"، الصادر عام 2002 عن دار "الكرمة"، حاول الأستاذ صلاح عيسى نزع الغلالة الشيطانية التي دثّر بها الرأيُ العام هاتين المرأتين البائستين بنتيْ "علي همّام" اللتين قتلتا عشرات النساء في أحد أحياء الإسكندرية الفقيرة. فلم تكونا في الواقع هما المرأتين ذواتيْ العينين القاسيتين كما جسدتهما الممثلتان البارعتان "نجم إبراهيم"، و"زوزو حمدي الحكيم" في الفيلم الذي يحمل اسميهما، من إخراج المخرج الرمزي الكبير "صلاح أبو سيف". إنما كانتا فتاتين تعستان تعرضتا في حياتهما لألوان القهر والقمع والعوز الأسريّ، وفاتهما أن يُنظر إليهما كضحية لقسوة المجتمع، عوضًا عن النظر إليها، وفقط، كقاتلتين متسلسلتين روّعتا الضمير المصري في أوائل القرن الماضي. قال عيسى في كتابه إن الهالة الشيطانية، والحكايات المفبركة التي نُسجت حول القاتلتين كانت بسبب احتياج المجتمع المصري آنذاك لخلق نموذج ناصع للشر، كما حاجة المجتمعات دائمًا إلى خلق نماذج للبطولة والفروسية والزعامة، وغيرها من الحاجات المجتمعية التي إن لم تجدها المجتمعاتُ، نسجتها نسجًا. عرفنا في هذا الكتاب الماسّ كيف تعرفت "د. لطيفة الزيات"، استاذ الأدب الإنجليزي، على صورة "الشرّ"، لأول مرة في طفولتها عبر حكايات أمها لها عن السفّاحتين "ريّا وسكينة" اللتين كانتا تقطّعان أوصال الضحايا من النساء بعد ذبحهن، ثم تحرقان أجزاء الجسد بالنار اللاهبة، على صوت دقّات الدفّ العالية التي تغطّي على صرخات استغاثات الضحايا وآهاتهن. وغيرها من نسيج الخيال الذي أثبتت التحريات المباحثية عدم صدقها. حيث كان يتم القتل بكتم الأنفاس، وليس بالخنق أو بالذبح والتقطيع والحرق. إنه الخيال الخصب الذي يجعل الناس يكتبون مع التاريخ سيناريوهات لم تكن، من أجل خلق حال دراماتيكية جديرة بأن تخلدها صفحاتُ التاريخ.
وعلّ الأستاذ صلاح عيسى هو الوحيد الذي فتح كوّة من "الرحمة" ننظر منها إلى هاتين القاتلتين البائستين، فنمزج سياطَ الإدانة والويل، بشيء من الرأفة، لأن القاتلَ في غالب الوقت، كان قتيلاً في وقت ما. فكأن كلَّ قاتلٍِ قتيلٌ في الوقت نفسه.
غزيرة هي كتاباتُ وكتبُ ذلك الطود الصحفي والأدبي الشامخ الذي سقط بالأمس عن وادي مصر. ورقةٌ عزيزة من أوراق شجرة مصر الثرية، سقطت إلى ثراها الطيب بالأمس، عزّ أن تُعوَّض، وعلى الله عِوَض ما خسرنا ونخسرُ كلَّ يوم.
نمْ ملء جفونك عن شواردها يا أستاذي العزيز، صلاح عيسى، فقد أديتُ دورَكَ كاملاً غير منقوص. رحمك الُله بقدر ما أعطيتَ مصرَ من جهد وفكر وتأريخ وحمل هموم وطن.