احتمالات الربيع الفارسي

سامي عبد العال
2018 / 1 / 9

بقدر استجابة النظام الإيراني " للمختلفين عنه "، ربما سنعرف مستقبل الثورة الجديدة. و"الاختلاف عن" النظام ليس هو" الخلاف معه ". لأنَّ الاختلاف بمثابة التوجهات والرؤى المناقضة له من حيث المبدأ. أما الخلاف فهو درجة من درجات النظام تجاه نفسه وعليه يستطيع إعادة ترتيب عناصره وأولوياته. وهنا قد تأتي الاستجابة ردود أفعال جذرية أو إجراءات أو أحداثاً عنيفة أو إدارة أزمة بحسب تدرج المواقف. إذ لا توجد قوةٌ بإمكانها تحريك شوارع أية دولة عن بُعدٍ ولا سحبها لغايات هي تريدها حصراً. وبالوقت نفسه لا يوجد نظام سياسي يحكم هوامش ممارساته وتناقضاتها على نحو كاملٍّ. وإلاَّ ما كان لينهار أو تظهر سلبياته في صورة قوى ثورية تقاومه مادياً.

صحيح هناك خلال بعض المشاهد الإيرانية إدارةٌ للفوضى، هناك بثٌ للسخط بين صفوف الجماهير، هناك أنباء مغلوطة لتحريك المشاعر، وهناك تضارب للأخبار لتهيئة مناخ الصراع...لكن جميع تلك الأشياء قابلة للرصد والمتابعة في الحراك العام بحسب خط سير الأحداث. وقد توجد محاولات لإعادة توجيهها هنا أو هناك. بيد أنه يصعب الإمساك بالتظاهرات والزج بها لتنفيذ مخطط كامل التصميم سلفاً بأيدٍ خارجية.

ولذلك توجد عدة سيناريوهات لما يجري. وللحديث عنها ثمة عوامل ثلاث تتحكم فيها.

العامل الأول: طبيعة تكوين النظام الإيراني نفسه. فهو نظام لا هوتي سياسي عنيف. ولا يسمح بالتعدد على مستواه الأيديولوجي والتنظيمي.. بل لم ينشأ بداية دون هذا التقوِّي المفرط بسلطته تجاه أي تغيير. ولذلك سينخرط النظام في حالة رد فعل غليظ إزاء ما يحدث بالشارع. وقد بدا ذلك واضحاً في اختيار النظام خطوة إلى الوراء قليلاً للرد على المتظاهرين بشكل شرس. وبدأ فقهاء الملالي يتحدثون عن عقوبات الإعدام في حق المتظاهرين.

العامل الثاني: موقف الغرب ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية. وقد رأينا شداً وجذباً بين نظام طهران وبين إدارة ترامب في الأيام الأخيرة. كان ترامب فيها هو البادي بالتنديد إزاء سقوط بعض المتظاهرين وحدوث اعتقالات واختفاء الآخرين على نطاق واسع. ثم صدرت تعليقات من بعض الخطابات الأمريكية تشجع المتظاهرين على الاستمرار ومواصلة التمرد. ولا نغفل تبادل الأدوار في السياسات الخارجية لدول الاتحاد الأوروبي.. ففرنسا تشعر بالقلق من الأحداث الإيرانية وتدعو إلى التمهل في الحكم على الأمور. وألمانيا تحدد أهمية تلبية بعض المطالب للشعب الإيراني. بينما انجلترا كالثعلب العجوز تضرب تحت الحزام مرة وتنهض للتنديد مرة أخرى. وذلك لإعطاء مزيد من القوة للمتظاهرين لمواصلة حراكهم.

العامل الثالث: الشعب الإيراني... وهو عامل مشترك ضمن العاملين السابقين ولن يجريان إلا لو أخذا الشعب بعين الاعتبار. غير أنَّه مستقل في الوقت ذاته. ليس مستبعداً أن تكون للشعوب قضاياها التي تعتقد أنها خاصة ولا يمكن استغلالها من طرف أو آخر. ولاسيما أن ألعاب الخيال السياسي تؤدي أدواراً مهمة في تحريك الأفعال نحو واقع مرجو. والشعب الإيراني يحمل جينات حضارية ليس أقلها القدرة على رؤى حياتية مبتكرة مع تغيرات العصر. كيف لا... وخاصة أنه كان بيوم من الأيام يقف في مصاف الشعوب السباقّة نحو الحياة.

1- سيناريو " الحدث اليومي "... أي أنَّ المظاهرات قد تتواصل كصور شبه يومية. وعندما يصطدم المتظاهرون بدولة الفقيه سيقع ضحايا كُثر. عندئذ تتلقف القوى الخارجية المعادية للنظام الإيراني صور الاشتباك ونتائجه لوضعها أمام الرأي العالمي. بحيث تتخذها أمريكا مبرراً لضرورة سقوط النظام وحصول الشعب على حريته. وقد بدأ الخطاب الأمريكي تجاه الأزمة في شحذ كوادره وإعداد عدته الناعمة للتسلل من تلك النافذة. وربما الهاجس الأول كيف يمكن التقاط أدنى فرصة لإغراق السلطة الإيرانية في أخطائها؟ وهذا يفترض بالمقابل أنَّ النظام سيرتكب أحداثاً دموية وهو في الحقيقة تبعاً للعامل الأول مؤهل لذلك.

واللافت أنَّ النظام الإيراني يستجيب بذات الطريقة المرسومة وغير الخافية. وكأنَّه يعلن التحدي للمتظاهرين ولمن ينتظر ضحاياه. ألم تعتبروا أننا نظام إرهابي؟!، فليكن الأمر كذلك. والالتباس الذي يقع فيه النظام وارد لكونِّه يدافع عن مصالحه، لكن الانحراف أقرب للحدوث نظراً للعنف الذي يحركه تجاه التظاهرات. وهذه الخطوة قد تجر مزيداً من تفاصيل اليوميات الدموية. وقد كشفت الثورات العربية أنَّ دفتر الأحوال قد يسجل قتيلاً، ليجر تشييعاً، ثم تتلوه مظاهرة. فيحدث اشتباك، فيقع قتلي.. فتشييع.. فتظاهر.. لينتهي بقتال مرة تالية.... وهكذا عبر دوامة الحدث اليومي الذي لا يكاد ينتهي. ورغم تدخل القوى الكبرى غير أن الطرفين الأصيلين في الموضوع هما النظام مقابل الثوار. والسيناريو بهذا التكوين يمثل نقطة الشرارة وقد أخذ يتسع مجاله الفعلي مع مرور الوقت.

2- سيناريو " الحدث الوسيط "... أنْ ينتقل المشهد من مجرد استفراد النظام بثواره على الأرض إلى خطاب يُعاد إليه في شكل تهديدات. والأخيرة ستكون قرارات تحاول أمريكا ودوائرها المؤيدة أن تستصدرها من الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمنظمات الدولية الرديفة التي تعتبر عدة اللص الأمريكي في سرقة السيادة والتدخل في شؤون الدول.

ولقد أجادت أمريكا في تلك الفبركة مع العراق وليبيا وسوريا. وبالتأكيد ستجيد في تدويل المشكلة الإيرانية باعتبارها تهدد السلم العالمي وتهدد المصالح الحيوية للشعوب. والمدهش أن منظمات العدالة والحقوق الإنسانية والتعاون الدولي تتحول إلى غربان تنعق فوق الدول المراد إسقاط أنظمتها. ولا تكف عن النحيب والإنذار الليلي والنهاري. ففي الواردة والشاردة سيكون النظام الإيراني هو الدموي، هو الأشرس، هو الذي يقتل شعبه بلا طائل، وهو النظام الفاسد والمجرم والفاشستي. وأنه ما لم يتحرك المجتمع الدولي لإنقاذ الوضع الإنساني، ستحل هناك كارثة تطال الجميع.

وأمريكا عندما تمسك فرصة لاتفلتها إطلاقاً( هبلة وشيلوها طبلة). تقرع أصواتها طوال الوقت ولا تمل من الضربات المقلقة. وبصدد المشهد الإيراني حركت أمريكا آلتها الإعلامية والدبلوماسية والمخابراتية لرصد القرارات واستمالة الدول للوقوف بجانبها في مقدمة الصفوف. وتلجأ أمريكا لكافة الحيل القذرة من لي عنق الحقائق ورصد المعونات أو منعها والتهديد والوعيد للدول التي تعارض توجهاتها هذه أم تؤيدها، كل بحسب ما يناسبه من أحوال. و لمن لا يقف بجانبها لديها أوراق لعب لا تخفى سواء أكانت متعلقة بقضايا الأقليات أم بقرارات دولية قديمة تحتاج تفعيلاً أم بإبراز ملفات حقوقية تخص جرائم الرؤساء والأنظمة. المهم أن تنصب أمريكا من نفسها قناصاً عولمياً يصطاد فرائسه بدقة من جراب الحاوي. ودائماً دماغها الكوني مشغول بالمؤامرات والحفر في حواشي الأنظمة السياسية لتسجيل النقاط وتدبير المستقبل. وهذا السيناريو نوع من رد الثورة الداخلية إلى ثورات من الخارج.

3- سيناريو " الحدث الممتد ".. تطويل الأحداث الدموية مراهنة على الضربات الموجعة التي يتلقاها الثوار. وتدريجيا سيتم تقوية عودهم وشحذ شوكتهم في وجه النظام. وحتى لا يقال إنَّ هناك تدخلاً في الشؤون الخاصة بالدول، سيتم الاعتراف برموز الثورة الجديدة. وسيجري اعتبارهم أيقونات للحرية والأمل وكسر القيود ومناصرة الحريات ومقاومة الظلم. ذلك تمهيداً لتحديد كيانهم المقاوم وفرزهم وتزويدهم بكافة أصناف الدعم. مثلما فعلت أمريكا في سوريا وليبيا والعراق.

ومنها تستطيع أمريكا ضرب عصفورين بحجر واحد: تهديد مادي للنظام الإيراني من داخلة وشق صفوفه عملياً في العمق. فالقوائم البراقة والألقاب والتلميع الإعلامي بانتظار المنشقين والمتمردين والأحرار. وأيضاً: استنزاف الدولة بحيث يتم تخريبها وإرجاعها إلى العصور الحجرية.

وهذا السيناريو هو الأقرب. لأن كمية العنف الذي يختزنه النظام الإيراني – بفعل الملالي - تجعله لا يفرط في السلطة بسهولة. كما أنَّ الاحتقان لدى الشارع كبير جداً مما يطيل مقاومته ويدفعه مراراً لمعاودة الكرَّة. وأنَّ تصميم القوى الدولية على تدمير إمكانيات إيران أكبر من النقطتين السابقتين. إذن وقود المعارك متوافر بقوى وربما يفيض ليغرق دولة قادمة في قوائم الثورات الربيعية (كما سيكون الدور).

وتلك العملية ليست وقتية، فقد يخبو التظاهر على السطح، لكن السيناريو لن ينتهي بسهولة. إذ يحقن الطبقات المتمردة والجماهير الغاضبة بإمكانية تحقيق أغراضها في أي وقت. المهم أن يكسر جبل الثلج حول نظام الملالي ويجعل من ولاية الفقيه وبالاً على نفسها. فلم تعد هناك ثقة بيضاء كالمحيط الذي كانت تتموقع فيه. أما أبرز آثار هذا الوضع أن يكتسب الثوار أرضية خاصة لمطالبهم وأن يحصل اختراق للنظام الإيراني من أمريكا. وفوق هذا وذاك تمسك أوراقاً تتفاوض بها على الملفات الإقليمية والعسكرية العالقة الدولة الفارسية.

ونظراً لأنَّ أمريكا تحاول الاستفادة من كل الأوجه ( كالمنشار طالع واكل نازل واكل)، فإنَّها في حالة السيناريو الراهن ستُفهِم أصدقاءها( وخاصة دولة الخليج) أنها تخدم مصالحهم. وتقدم لهم دعماً في مواجهة تقليص نظام إيران. وبالتأكيد ستأخذ إتاوات عينية ومادية.. بينما لن تفعل شيئاً إلاَّ استنزاف النظام الإيراني والأنظمة العربية والدهس على دماء المتظاهرين. وتضمن أن يستمر الصراع قائماً دون أجل مسمى!!

4- سيناريو " الحدث المراوغ "... وهو الأكثر دهاء.. أنْ تنجح الدولة الفارسية في لملمة المتظاهرين بتغيير وجهها العنيف لصالح وجهها الأعنف بالخفاء. أي تقايض صورةً مكروهة من صورها مقابل صورة أخرى كما جرى بمصر على المدى الطويل. وذلك بإبراز إحدى الشخصيات التي ينفذ منها النظام إلى نقطة ثابتة بعد تجاوز الاضطراب والفوضى. وهذا يحتمل سلفاً أن تتخلى الدولة عن مواقفها الصارمة وتركب موجة المظاهرات بنفسها. حيث ينزل رموز النظام للقيام بالتغيير لصالح النظام نفسه. وتتسلح الدولة بكم مهول من الخداع وهو حقيقةً متاح لها في الوضع الفارسي الديني.
وأتصور أنَّ ذلك أمر ممكن شريطة أنْ يعود الملالي إلى صناعة حدث ضخم يلتهم الثورة و يمتص غبارها وآثارها الكبرى في جوفه. لكن لأنَّ النظام الإيراني لاهوتي ومغلق، فإنَّ فرص المناورة ستكون مكشوفة وقصيرة. كما أن الشعب الإيراني قد تمرَّس على كافة البدائل التي يطرحها بطريقة غير مباشرة ( من عاشر الحداد يتكوي بناره).

إذن هذه الإمكانية لن تنجح بمفردها. وبالتالي قد يتم لها إخراج أمريكي غربي وإقليمي. أي يتم التضحية بمطالب الشعب الإيراني وخصوصياته الثورية مقابل توافق الدول المتصارعة مع النظام على المناورة( صناعة الوجه الجديد). لكن ما هو الثمن؟ أنْ يجمع نظام الملالي عقاربه الطائفية من دول الخليج. وأن يرفع إسرائيل من قائمة الكراهية والتحارب والعداء الأبدي الذي يعلنه يومياً. وأن يسوي المشكلات العالقة بشأن التسلح النووي والتلاعب بالأحزاب الدينية التي يمولها داخل جسد الدول المجاورة.

لكن هذا السيناريو يفترض غباء الثوار ويراهن على إخماد الحراك الشعبي.. وهو رهان غير مضمون. لأن الفارسيين لا يُلدغون من جحر واحد مئات المرات. وليس هذا فقط بل يفترض أن الحُجر يضم كافة المتناقضات(العرب- إسرائيل – أمريكا – نظام الملالي). إذن كيف يلدغون ولو مرةً من جميع تلك الجُحور مجتمعة؟ ومن الذي يصوغ كلياً هذا التشكيل المراوغ؟!

5- سيناريو " الحدث الميت "... أي لا توجد ثورة في شوارع الملالي من الأساس وأنها مجرد أضغاث أحلام على هامش الخراب العربي الراهن. وأنَّ الأمر لا يعدو أن يكون مجرد تمنيات بإسقاط وهمي على حالة لا ينطبق عليها الثورة بحال. ويمكن المشاركة في إطفاء الحريق الجماهيري بتلبية بعض الإصلاحات الجزئية. واعتبارها أضحية في المجال العام وتراق الدماء المختلطة بالماء ولا أحد يصاب بأذى( يا عريس يا صغير علقة تفوت ولا أحد يموت). أي نفقت الثورة في مهدها ولم يبق غير الجنين الميت هو المحصلة النهاية. فالمهدي المنتظر بالنسبة للملالي واحد يأتي على طريقتهم فقط ولا تأتي به الثورة من الخارج وإن كانت شعبية.