الأفكار (المجنونة) في كتاب -هيا نكتشف ها نخترع- سعادة أبو عراق

رائد الحواري
2018 / 1 / 8

الأفكار (المجنونة) في كتاب
"هيا نكتشف ها نخترع"
سعادة أبو عراق
ان نكتب في مواضيع نحتاجها يُعدُّ مسألة مهمة، أما الكتابة في مواضيع نادرة/غير متوفرة مسألة في غاية الأهمية، لأول مرة أقرأ كتابا بهذا النهج، فهو يقدم أفكارا (مجنونة) لنا ولأطفالنا، وعندما نقول (مجنونة) فنحن نقصد أفكارا بعيدة عن الواقع المألوف، فهي تأتي من الخيال وليس من الواقع، وهذا المتخيل يغدو ممكنا إذا ما تناوله العقل بالتدبير ليغدو مجسدا امام ناظرنا، وهذا أهم ما جاء في كتاب "هيا نكتشف هيا نخترع" فهو يفتح المجال أمام أي أنسان، كبيرا كان أم صغيرا، ذكرا أم أنثى، سليما أم غير ذلك، وهذا ما يضاف إلى أهمية الكتاب، إذ فتح مجال التفكير والابداع والاختراع والاكتشاف أمام أي فرد، بصرف النظر عن موقعه أو مكانته، "...لا طبقة اجتماعية تحتكر وحدها الذكاء، ولا عائلة ولا منظمة، فعدالة الله قضت بالمساوة بين الجميع" ص10، من هنا نجد الفتى "سفيان" الذي لا يحسن النطق يتقدم بفكرة "الري بالترشيح"، وكأن الكاتب أرادنا بهذا النموذج أن نكون أمام حالة الابداع مجردين من موقفنا السابق تجاه أي إنسان، وإن بدى لنا سليما ومعافى أم غير ذلك، فيمكن أن يأتي الابداع والافكار (المجنونة) ممن نعتقد بأنهم غير مؤهلين، وهنا نجد فكرة ضرورة احترام الإنسان بصرف النظر عن حالته الصحية أو ديانته ومعتقده أو قوميته، فالابداع مشاع وعام لكل الناس، وهذه الفكرة التي قدمها "سعادة أبو عراق" بطريقة غير مباشر كافية لتجعل الكتاب مهما وحيويا لنا، لأنه يزيل منا فكرة الدونية تجاه الآخرين وفوقيتنا عليهم.
من هذه الأفكار (المجنونة) "خياشيم ليست للأسماك" ص13، "كيف نرى في الجهات الأربع" ص17، موضخا /أسباب/دوافع/محفزات/ هذه الافكار موضوعية ومبررة علميا، فمثلا سبب اختلاق فكرة "كيف نرى في الجهات الاربع" إذ سقول "سعيد سلامة": لقد تألمت يوما من رقبتي، ما كنت اقوى على تحريكها" ص18، وكأن الكاتب يؤكد لنا القول "أن الحاجة أم الاختراع" ونجد فكرة الأجسام الشفافة في "عالم من البلور" ص21، وهناك بناء جديد قابل للفك والتركيب دون تكلفة كبير كما جاء في "بناء بلا ملاط" ص25، والسبب وراء هذه الفكرة (ذهبت ذات يوم مع أبي ـ الذي اعمل معه ـ لهدم عمارة كانت بناية حديثة البناء كبيرة نسبيا، حزنت على هذا الجهد المبذول في الهدم، وعلى هذا الهدر الكبير في الطوب والإسمنت والدهان وبلاط ورخام)ص27، بهذا الكلام، لا يحدثنا الكاتب عن الدافع فحسب، بل يحمل لنا فكرة الأخلاق والاهتمام الذي يجب أن نوليه بالمصلحة العامة، فرغم أن أب "محمد زياد" مقاول ويحصل على أجرته نظير الأعمال التي يقوم بها، إلا أن "محمد زياد" نظر إلى هذا الهدم بعين ثانية، بعين الحرص على المال العام وعلى مال الآخرين.
ونجد أفكارا قريبة من الواقع كما هو الحال في فكرة "أقطع الحجارة كالجبن" ص29، وفكرة "بديل الخشب" ص95، أما فكرة "معدن الصفات الكثيرة" ص39 فهو شيء جديد "بلاستيك موصول للكهرباء، إنها خاصية تجعلنا نستغني عن ملاين الأطنان من النحاس والألمنيوم والحديد المستخدم كموصلات للكهرباء" ص41، أما فكرة "نوسع عامودي" ص43فهو اشبه بالحدائق المعلقة التي جاءت في الحضارة البابلية.
وإذا ما تعمقنا في الكتاب سنجد هناك مزيد من الافكار (المجنونة) كما هو الحال في "حرب التنويم المغناطيسي" ص59، كما يأخذنا الكاتب إلى عالم الفضاء من خلال "فينيسيا في الفضاء" ص65، ويريد أن يحيي الشخصيات الفاعلة في التاريخ من خلال "المومياء الحية" ص69، والتي جاءت من خلال فكرة "نادية": "لقد تخيلت نادية وجود مادة، يمكن لها أن توضع على الطيور والحيوانات المحنطة، فترتد إليها الحياة" ص71، ورغم أن مثل الفكرة تحارب دينيا إلا أن الكاتب يطرحها، كتأكيد على حرية العقل الذي يمكنه أن يصل إلى مكان عابر للزمن ولمكان وللعقل نفسه.
الجانب الأخلاقي حاضر في هذا الكتاب، فكما قلنا في مسألة "بناء بلا ملاط" ص25، ها هو الكاتب يضعنا أما م ما نحمله في داخلنا من مشاعر واحساس وافكار تجاه الآخرين، من خلال "ضميرك الذي أراه" ونجده يبني على رواية "حول العالم في ثمانين يوما" ل"جون فيرن" فيقدم لنا "حول العالم في ثمانين ثانية" ص79، وكأنه يقول بما أن الإنسان استطاع ان يلف حول العالم في ثمانين يوما قبل أكثر من قرن، فأنه يستطيع أن اليوم أن يلفه في ثمانين ثانية، وتكمن الفكرة بهذا الشكل: "...أن هناك تلفازا، أو جهازا من هذا القبيل، نستطيع أن نرى به أي مكان في العالم، نحدد المكان الذي نستهدف النظر إليه، في المنطقة الجغرافية، ثم نفتش عنه كما نفتش عن محطات التلفاز أو المذياع" ص81. وإذا ما علمنا ان هذا الكتاب قد وضع عام 1995 سندرك انها نبؤة لتقنية غوغل إيرث
حضور الفكر الديني يعكس الاهتمام والمكانة التي يأخذه منا، فنجد فكرة " غمامة فوق الكعبة" ص85 ليخفف من حدة الشمس على الحجاج والمعتمرين، والأفكار الطبية كانت حاضرة من خلال "أنف ولسان صناعيان" ص93، ومن الافكار المطروحة والتي سمعنا بها وتحدث عنها العلم، فكرة التلفزيون ينقل الرائحة" ص97، وموسيقا الاحتكاك" ص103، و"أرسم لك ما تتخيله" ص107، "تشكيل بأشعة الليزر" ص111، التي تجسدت في تقنية 3D و"لا سلكي لقوافل السيارات" ص115، والتي يعتمد على فكرة "فكلما طالت الموجة قل ترددها وقصر مداها، والعكس صحيح" 117.
لم تكن الافكار متعلقة بما سبق، بل هناك مسألة "الرياضة" فيقدم لنا فكرة " تنس السقف" ص121، و"سباحة أرضية" ص125، "قفز الجندب" ص129، ونجده يأخذنا إلى الطاقة النووية من خلال فكرة "ألف درجة تحت الصفر" ص133، والتي بناها "نايف عبد الحميد" على هذا الأساس: " الفرق ما بين وزني اليورانيوم المخصب والمادتين الناتجتين عنه) يتحول إلى طاقة، ومثله مبدأ القنبلة الهيدروجينية، حينما تندمج ذرتا هيدروجين وتصبحان ذروة هيليوم أقل وزنا من ذرتي الهيدروجين، والفرق يصبح طاقة، والمنطق يقودنا غلى قلب المعادلة ويدفعنا للتساؤل هل يمكن تحويل الطاقة إلى مادة كما حولنا المادة إلى طاقة؟" ص135.
وهناك دعوة للتفكير من خلال استحضار آية قرآنية "أفلا ينظرون إلى الأبل " ص137، وهو بهذا يدعونا إلى هذه الفكرة: "إنه ليس من الذكاء والعبقرية في شيء أن نقارن مكتشفات علمية حديثة بآيات مقدسة، لكن يغدو من الأهمية بمكان، أن نتدبر الآيات القرآنية التي تحمل مدلولات أو إشارات علمية ما زالت مجهولة، ولم يبحثها العلماء بعد" ص140، وكأنه بهذا يقول يجب أن تكون الاكتشافات العلمية لاحقة لتفسيرنا للقرآن الكريم، لا أن تكون الآيات تابعة لما يكتشفه العلماء.
اهتمام الكاتب لا يقتصر على المجتمع فحسب، بل أنه خصص أفكار متعلقة بالمرأة لتريحها في أعمال المنزل، فقدم لنا فكرة " لا تتعبي نفسك بلف ورق العنب" ص143، "لم يعد المفتول مشكلة" ص149، "آلة تقشير البيض" ص155، ونجد في "دواء سحري" ص161، فكرة الاعشاب واهميتها.
ونحب أن ننوه إلى أن أهم ما في الكتاب طرحه لمفهوم حرية التفكير، فهو يعتبر (الفكرة) أي فكرة ما دامت تعتمد على المنطق يمكننا أن نأخذ بها لتكون حقيقة على أرض الواقع، واعتقد أن تناول الكتاب لأفكار موجودة حاليا كان يقصد به أن يقربنا الكاتب من فكرة تحقيق هذه الأفكار، فكما طبقت أفكار (مجنونة) في السابق يمكن تحقيق وتطبيق هذه الأفكار، وعندما جعل جلسة اللقاء بين الطلاب والدكاترة المختصين، كان يريدنا أن نهتم بمسألة مناقشة الأفكار، بصرف النظر عمن يطرحها، وبغض البصر عمن قالها، فهي تستحق التوقف عندها ومناقشتها، وكأنها يريدنا أن نتعلم ونتفهم كيفية المناقشة والاستماع إلى الآخرين، وهذا يضاف إلى الأفكار غير المباشرة التي يطرحها "سعادة أبو عراق"
الكتاب من منشورات دار عالم الثقافة للنشر والتوزيع، عمان الأردن، الطبعة الأولى 2010.