هل الحجر الأسود مازال في مسجد الكوفة - الحلقة الثانية

محمد علي العامري
2018 / 1 / 8

هل الحجر الأسود مازال في مسجد الكوفة – الجزء الثاني
محمد علي العامري
في الحلقة الآولى تكلمت عن ماهية الحجر الأسود ، والحوادث التاريخية التي تعرض لها ، من أهمها هجوم القرامطة على مكة وإستيلائهم على الحجر الأسود وباب الكعبة وكسائها ونقلها الى القطيف حيث بنوا كعبة أخرى يحج لها المسلمون ، ومن ثم نقلوا الحجر الى مسجد الجامع في الكوفة .
هناك الكثير من الباحثين والمحققين ومراكز الدراسات الدينية في مكة والأزهر قد إعتبروا ما قام به القرامطة هي عملية سطو وسرقة وتجاوز على الحق الإلهي ، وصنفوا القرامطة من فئة الكفار والزنادقة وما شابه ذلك من التهم التي توحي غالبيتها بالميول المذهبي الطائفي . ولكني إكتشفت خلال بحثي هذا عكس ذلك وتوصلت الى أن القرامطة قاموا بإقتلاع الحجر الأسود لنقله الى مسجد الكوفة ليس لسرقته وإنما لشأن عقائدي بحت ، وإلاّ لو كانت نواياهم السرقة لباعوه بأول أيامه . والقرامطة معروفون بأن منهجهم السياسي والفكري إقتصادي بالدرجة الأولى ، ولهذا سارعوا بسن قوانين الضرائب والخمس وتوزيعها بما تتطلبه الحالة الإجتماعية حينذاك.
وفي هذه الحلقة أريد أن أركز على أهمية مسجد الكوفة للقرامطة ولماذا نقلوا الحجر الأسود اليه وليس لمكان آخر ، ولكن قبل ذلك علينا أن نعرف من هم القرامطة :
ينتسب القرامطة الى حمدان بين الأشعث الملقب بـ ( قرمط ) لقصر قامته وقصر في ساقيه ، يتقرمط في مشيته . وهناك من يقول أن كلمة قرمطة أصلها آرامي وتعني ( العِلْم السري ) .
أما نشأتهم وظهورهم جاء عندما حدث إنشقاق في الصف الشيعي سنة 148 هـ - 765 م بعد وفاة الأمام السادس جعفر الصادق ، نتج خلاف كبير حول من له الأحقية من أبنائه في الإمامة ، فمنهم من كان يعتبر إسماعيل بن جعفر الصادق هو الإمام ، وأطلق عليهم بالإسماعيلية فيما بعد ، وهناك من كان يعتبر موسى بن جعفر الصادق هو الإمام السابع وعرفوا فيما بعد بالأثني عشرية . وإفترق الطرفان كلٌ حسب إمامه ، حيث بايع الإسماعيليون محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق كإمام لهم ، لكنه أختفى من الحجاز نتيجة لمطاردة العباسيين له ، لتبدأ حملة سرية واسعة لنشر العقيدة الإسماعيلية ، وحينها اعتبر الإسماعليون أن إمامهم الغائب محمد بن إسماعيل هو المهدي المنتظر .
عام 899 م أعلن عبيدالله المهدي الخليفة الفاطمي فيما بعد بأنه الأمام الحادي عشر الذي يتناسل من سلالة الأمام محمد بن إسماعيل بن جعفر الذي لم يكن المهدي المنتظر . إلا أن الإسماعيليين في العراق والإحساء/الهجر والتی تسمى البحرين مجازا في ذلك الوقت ، إضافة الى خراسان رفضوا الإعتراف بإمامة عبيد الله الفاطمي وكان على رأسهم حمدان بين الأشعث قرمط ، وواصلوا تمسكهم بمهدية أمامهم محمد بن إسماعيل بن جعفر ، ليعلنوا قطيعتهم السياسية والعقائدية بعبيد الله الفاطمي ، لتظهر لنا فيما بعد فئة سميت بالقرامطة نسبةً الى حمدان قرمط .
أهمية الكوفة عند القرامطة
من المعروف أن مؤسس الحركة القرمطية التي توسعت فيما بعد هو حمدان بن الإشعث الذي ترعرع ودرس بالكوفة التي كان يعتبرها : -
1 - مركزاً للتنوّر والعدالة الإجتماعية المتمثلة بمنهج الإمام علي بن أبي طالب الذي نقل مركز الحكم من المدينة اليها واعتبرها عاصمة المسلمين لتتحول الى كبرى الحواضر الإسلامية .
2 – الحتمية الإلهية لوجود الحجر الأسود فيها إعتماداً على ما جاء عن الأمام محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الملقب بزين العابدين { إن الحجر الأسود يعلق في مسجد الجامع بالكوفة في آخر الزمان } وقيل لآخر الزمان . ( راجع كتاب " إتعاظ الحنفا " لأحمد بن علي المقريزي الجزء الأول الصفحة السادسة .
3 – قربها من مركز الخلافة العباسية التي كان القرامطة يخططون القضاء عليها لتوسيع دولتهم الممتدة من الكوفة الى البصرة فالإحساء الهجر واليمن وأجزاء من الشام إضافة الى خراسان .
بعد موت حمدان بن الأشعث سار على نهجه أبو طاهر القرمطي ( أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجنابي ) الذي كان حاكماً وملكاً على الإحساء الهجر، حيث شن هجوماً على الكعبة عام 317 هـ ونقل الحجر الأسود الى القطيف ثم الى مسجد الكوفة لأسباب وقناعات عقائدية بحتة كما ذكرتها أعلاه ، وأؤكد على المسألة العقائدية وليس للسطو والسرقة كما روج ويروج لها المكّيون والأزهريون بـ { أن القرامطة كفار مجوس ولصوص وقتله وزنادقة وكانوا يضمرون الكيد بالإسلام } راجع المجلد الثاني من " تاريخ الحرمين الشريفين " . فالقرامطة عكس ما يدعيه هؤلاء .
ولهذا كان القرامطة يعتبرون الكوفة ومسجدها الجامع ذي أهمية عقائدية وقدسية متميزة كما ورد في الأخبار المأثورة في كتب السير وخاصة ما ورد على لسان أئمتهم على سبيل المثال لا الحصر :
1 - عن الامام علي بن ابي طالب : (الكوفة جمجمة الاسلام وكنز الايمان وسيف الله ورمحه يضعه الله حيث يشاء وأيم الله لينصرن الله باهلها في مشارق الارض ومغاربها كما انتصر بالحجاز). كتاب الطبقات الكبرى لـ "محمد بن سعد بين منيع الزهري " ج 6 ص 6
2 – عن الإمام علي بن أبي طالب { أن الملائكة لتنزل كل ليلة الى مسجد الكوفة } و { مسجد الكوفة صلى فيه سبعون نبياً وسبعون وصياً أنا أحدهم } - أصول الكافي – محمد بن يعقوب الكليني – الجزء 2 .
3 – عن الأمام جعفر الصادق { إنها البقعة التي بارك الله فيها وأنه معبد الملائكة والأنبياء والمرسلين والأولياء والصديقين ... } كتاب الإستبصار – أبو جعفر بن محمد الطوسي – الجزء 2 .
4 – بالإضافة الى ما جاء عن محمد بن علي بن الحسين الملقب بزين العابدين { إن الحجر الأسود يعلق في مسجد الجامع بالكوفة في آخر الزمان } وقالوا لآخر الزمان - كتاب " إتعاظ الحنفا " للمقريزي .
هنا أريد أن أوضح بأن القرامطة هم حركة إصلاحية ذات فكر عقائدي إمامي ، وكانوا على قناعة بأن الحجر الأسود مكانه الأخير في مسجد الجامع بالكوفة ، ولكنهم لم يستطيعوا تحقيق حلمهم هذا بسبب تسرعهم من ناحية ، وعدم تخمينهم مدى قوة رد فعل الفاطميين العكسي ضدهم من ناحية أخرى . ولهذا رأينا أبو طاهر القرمطي يستجيب بسرعة لكتاب إنذار جاءه من عبيد الله المهدي يحذره به إذا لم يرد الحجر الأسود الى مكانه ووضع ستار الكعبه عليها " فإنه سيأتيه بجيش لا قِبَل له بهم " . فأعادوا الحجر والكساء ولكن بإعتقادي ليس كل الحجر أو ربما ليس هو ذاك الحجر الذي إقتلعوه ، والدليل كما ذكرته في الحلقة الأولى بأنهم نقلوا الحجر الأسود الى الكوفة على عدة جمال تتناوب على حمله لثقله ، لكنهم عادوا به على جمل واحد . فالحجر الأسود مازال بالكوفة ولكن أين ؟! وما علينا إلاّ أن نتابع ونتتبع الخطوط المطلسمة والشائكة في تاريخنا الذي تعمد الملوك والأمراء والحكام ووعاظهم أن يوصلوه الينا كالقطّارة قطرة فقطرة ، وما عليك إلاّ أن تجمع هذه القطرات وتصفّيها لتحصل على ماءِ صالح .
أما من الناحية السياسية والإجتماعية فيعتبر القرامطة الكوفة بإنها مركزاً لتوسعة ونشر منهجهم ومشروعهم الذي يعتمد على العدالة الإجتماعية في الحقوق والواجبات وخاصة من الناحية الإقتصادية. وسنّوا قوانين تحدد الملكية الخاصة ، وأخرى تنظم الزراعة والرعي ، وذهب أبو طاهر القرمطي الى أبعد من ذلك حيث ألغى الملكية الخاصة وأصبحت الملكية جماعية ينظمها بيت المال لتوزيعها كل حسب حاجته . { أقروا حصر ممتلكاتهم في بيت المال وسنوا التشريعات التي تحدد صلاحية الفرد وتبين حقوقه ضمن المجموع وضمنوا حياة العاجز والعاطل والعامل والصانع والفلاح } – دولة القرامطة للدكتور ذوالفقار سويرجو – صحيفة دنيا الوطن .
قسموا المجتمع إلى أربع طبقات وهي :
الأولـى : طبقة الشباب بين عمر 15 ـ 30 عاما ويسمون الأخوان الأبرار الرحماء.
الثـانية : وتشمل من كانوا بين 30 ـ 40 وهم الرؤساء وذوو السياسات ويسمون الأخيار الفضلاء.
الثـالثة : وتشمل من كانوا بين 40 ـ 50 من العمر وهم أصحاب الأمر والنهي ونصر الدعوة.
الرابعة : وهي مرتبة من يزيد عمرهم على الخمسين سنة وهي أعلى في نظرهم ، ويطلق عليهم طبقة المريدين ، ثم المعلمين ، ثم القادة ، ثم المقربين إلى الله.
معتقداتهم في الإمامة كالتالي :
ان النبي محمد نص على علي بن ابي طالب ، وان علياً نص على امامة ابنه الحسن ، وان الحسن نص على امامة اخيه الحسين ، وان الحسين نص على إمامة ابنه علي ، وان علياً نص على إمامة ابنه محمد الباقر ، ونص محمد الباقر على إمامة ابنه جعفر الصادق ، ونص جعفر على ابن ابنه محمد بن إسماعيل ، وزعموا ان محمد بن إسماعيل حي إلى اليوم لم يمت ، ولن يموت حتى يملك الارض ، وانه هو المهدي الذي تقدمت البشارة به ، وكانت حجتهم في ذلك باخبار رووها عن أسلافهم يخبرون فيها ان سابع الأئمة قائمهم .
محمد علي العامري
6 كانون الثاني 2018