رؤى فلسفية في قضية العلمانية ح1

عباس علي العلي
2018 / 1 / 8

في القضايا الصاخبة المثيرة للجدل الآن مع تطور المجتمعات وخروجها من مفهوم الأيديولوجية إلى فضاء الحرية الفكرية العابرة للنموذج أو الخارجة عن التحديدات الأطارية المسبقة، والتي يكثر حولها الضجيج والضوضاء حول مناصر متحرر وأصولي بعتمد فكرة الأصالة والحفاظ على الهوية، هنا لا بد أن يمنح العقل فسحة هادئة ليناقش الأمر بعيدا عن التشويش الذي يحدثه صراخ المتحاورين وجدالهم اللا منهي إلى أتفاق أطار، وأن يمنح الفكر العقلي المنطقي أيضا صلاحية أن يكون الحكم الذي لا ترد نتائجه إلا في ذات الهدف، وإلا تكون المحاولة مجرد عبث ينتهي كما بدا في ضجيج وتناقض مركب فيه منتصر ومهزوم, من هذه الأمور التي تحتاج إلى هدوء وعقلنة ناضجة مسألة فصل الدين عن الحياة العامة للإنسان وبالذات في مسألة الحكم وونظام الدولة والعلاقات البينية المتشعبة بين الناس .
الكل يعرف أن العلمانية المعاصرة تلك الفلسفة التي أثارت جدلا بين الناس بشقيها النظري الفكري والمادي الواقعي، أمنت بحل واحد ترى فيه تجذير لحق الإنسان بدون عنوان وحفاظا عليه من التناقض المؤدي للتنازع، أن يتخذ من مسألة الفصل بين الدين وإدارة الدولة حلا يؤمن له حماية من تناقضات وعجزه من أن يكون حاكما للإنسان، على قاعدة أنه يتفق معه على أن الدين ملزم لمن ألتزم به والمخالف ملتزم أيضا بذات الشعار، وبالتالي لا مشكلة أن يقر بالتناقض بين المعتقدات والجمع بينها دون مزاحمة أو تعارض, هذا الحال مثالي عند البعض وفوق العادة وطوباوي وخالي من الواقعية الحقيقة وإن أمنت بحقه وناصرته، وبالتالي لا يمكنني كإنسان (القول للمعترض) أن أدافع عن قيمي وأنا أراها تتعرض للمساواة مثلا مع نقيضها وأقبل التعامل معها كأنها واحد.
قبل الغوص في التفاصيل علينا أن نرجع لأصل فكرة العلمانية ومنشأها الأول التاريخي، حيث أن الفكرة بالأساس لم تولد كفلسفة ترمي لفصل الدين عن الحياة المدنية ولا نشأت من تفكير منعزل عن واقع فرض ولادة خاصة لها، العلمانية بالأصل هي محاولة الكنيسة المسيحية أن تضع حدود خاصة بين جهازها التكويني المعتمد على التخصص في الأداء الوظيفي, فهناك كانت طبقة من الأفراد تتولى الشؤون الدينية والتعامل المباشر بها وجها لوجه هم طبقة الكهنوت من الحبر الأعظم إلى أصغر كنسي يرتدي الزي الديني الخاص، هذه الطبقة هي طبقة الاختصاص بالتنظير والتبشير والدعوة والوعظ وكل ما يتعلق بشؤون الرعية من ربط بين الدين وبينهم, بالأصح هم الناظر على الدين والرقيب الدنيوي المكلف بها.
هذه الطبقة متفرغة للشأن الديني تماما أو كما يسمونها خدمة الرب، وخدام الرب هؤلاء لا بد لهم من مجهود مساند لأداء الوظيفة على الوجه الأتم من خلال أعتماد تفرغهم التام عن الشؤون الأخرى، فقد تم تخصيص ثلة من الناس للقياس بالأعمال اللا دينية وهم الإداريون والتنفيذيون ذوي المهارات وليس لهم شأن ديني بشكل مباشر, كانت طبقة الكهنوت وبحكم الإرث الديني يتميزون بشكلية فردية تخصهم وحدهم باللباس والتشريف والمظهر الخارجي التي هي من شروط العمل الكهنوتي التي لا يمكن التغاضي عن مراعاتها لأي سبب, بالمقابل الطبقة الأخرى كانوا مجرد موظفين لا علاقة بين ما يميزهم وبين شكليات الكهنوت، ولكن الجميع كانوا يخدمون في الكنيسة وللتفريق بينهما سمي الفريق الثاني علمانيون وصفا مميزا عن الكهنة.
العلمانية أذن نشأت من داخل الكنيسة نشأت كمصطلح عملي ليدخل التاريخ هكذا بهذا العنوان, طبقة مقابل طبقة وفريق مقابل فريق ولكن الكل كنسيون, أكثر العلمانيون كما قلنا إداريون وخدم للكنيسة يتعاملون بالجزء الذي لا يتعامل به الكهنة كالرسم الموسيقى والهندسة والعمارة النحت والإدارة المالية وكل ما يتصل بالعلوم والفنون، كانوا علمانيون وقد يكونوا مؤمنين متدينون لكنهم بعيدا عن خدمة الدين وخدمة الرب بشكل مباشر، حتى تضخم وجودهم مع تضخم الكنيسة ودورها في الحياة ليشكلوا بعد ذلك طبقة منفصلة منهم من خرج عن الكنيسة ومنهم من بقي تابعا لها, وصار لهم وجود ضروري ومؤثر وفاعل في المجتمع لأنهم في تماس مع التطور العلمي والفني والفكري الخالي من روح الدين والخضوع لظاهرة التدين.
من هذه النقطة جاء الانفصال الحقيقي بين العلمانية كظاهرة أفرزهتها الظروف والتطور البشري، وبين الكنيسة الأم ولكن ليس على أساس الفصل بين الدين والدولة، ولكن الفصل بين ما هو علمي وعملي وحياتي وعام عن الشأن الديني الخاص, وصار العلمانيون طبقة فاعلة في المجتمع شجعت على تعلم العلوم التي كانت تحرمها الكنيسة وانخرطوا فيها بقوة لينموا من قابلياتهم وقدراتهم في طريق أخر غير طريق الكنيسة وشروطها، حتى صار ما هو مدني خلاف الديني عموما هو علماني بالتفكير بينما بقى الكهنوتي متماشيا مع توجهات الكنيسة التي هزمت أخيرا على يد الصناعيين والقوميين، الذين هم نتاج نمو طبقة العلمانيين وتطورها الواقعي ليشكلوا الند التأريخي للكنيسة، ويخوضوا حرب ضدها أدت إلى عزلها عن الحياة العامة واقتصار دورها على الروحيات فقط .
العلمانية إذا برزت من خلال التناقض الفكري بين أفراد الكنيسة الواحدة ولم تكن ولادتها خارج رحم الدين أبدا, فالعلمانية لن تكن صنيعة الفكر المدني ونتاجه التنظيري بقدر ما هي نتيجة تأريخية لاختلاف القراءات حول الأهمية في الموضوع الأساسي الذي يتماس مع حاجات الإنسان، التي عجز الدين الكنسي وفهمه للدور عن حمايتها وضبطها مقدما الفكرة بالمقلوب, بين ما تدعي الكنيسة أنها تعمل لخدمة الرب والدين، كان الدين أصلا مسخرا لخدمة الإنسان المميز والطبقة الحاكمة وتلبية الضروري والأهم من حاجاتها المباشرة وركنت الإنسانية عموما في مرتبة متأخرة من أهتماماتها الأصلية.
ساهمت العلمانية بهذه الحركة التاريخية ان تعيد فعلا للدين شيء من روحيته المفقودة بتغيب وقطع الصلة التخادمية بين سلطة المجتمع وسلطة الكنيسة والفصل بينهما، ولكن الإصرار المدني على تحويل هذه الأفكار إلى أيديولوجيات سياسية أستخدمت للإجهاز على ما بقى للكنيسة من دور، يؤشر أن وراء هذا السعي المحموم صراع أخر، صراع من ذات النمط التكفيري الذي مارسته الكنيسة طويلا ضد خصومها، صراع على تحقير الدين المسيحي وإخراجه من دائرة التعامل من خلال تفريغ الساحة من مؤثراته وتأثيراته لبسط قيم دينية أخرى بثوب مدني, الملاحظ أن عناصر القوة في الثورة الصناعية التي رافقت الروح القومية المتمردة على الكنيسة والتي تزعمت المد العلماني، هي قوى توراتية متطرفة حاربت المسيحية من أول نشوئها ودخلت في حرب معها بكل الأنواع لتشويهها، دون أن تتمكن من إقصائها بالتمام كما فعلت القومية العلمانية بالكنيسة المسيحية في أوربا.
لم يتوقف الصراع بين نظريات العلمانية ذات الميول والتوجه المادي الصرف وبين الكنيسة وأتباعها، بل تعدى أكثر إلى كل المظاهر الروحية للشعوب ومنها فهمه لوظيفة الدين والأخلاق والمثل, ونشأت قيم أخلاقية جديدة لا تهتم بقاعدة الأخلاق القديمة التي ومع قسوة الحكم الكنسي لكن كان هناك مفهوم الرحمة والعيب والطيبة والخير والسلام الروحي، لتحل محلها البرغماتية السياسية والاقتصادية تماشيا مع مادية التفكير الجديد، لتؤسس هي أيضا إلى فكرة أوسع من فكرة أن العالم يجب أن يكون محكوما بمركزية واحدة، تتحكم بكل الحركة الوجودية للإنسان من خلال شعار العلمانية وهدفها المخفي هو إسقاط الرب من المعادلة، وإخراج الإنسان من فطرته الطبيعية ليتحول إلى عالمية رقمية تجرده من الهوية وتسخره فقط لتحقيق مفهوم الأنا الواحدة المطلقة .