دولةٌ تحارب الإرهابَ

سامي عبد العال
2018 / 1 / 7

لا توجد دولةٌ تحارب الإرهابَ كوظيفةٍ بديلةٍ عن وجودها العام. وإلاَّ لكانت مجرد ظاهرةً طارئة تتحلل بنفسها أمام أية مشكلات من جنس تكوينها الكلي. فقط توجد دولة "تحارب" لأنَّ هناك إرهاباً. والفارق بارز لا تخطئه العين... لأنَّ محاربة الإرهاب جزء من بناء مجتمع الحرية وتطبيق القانون والمبادئ الإنسانية وتداول السلطة. وعندما تنشق أرض المجتمعات عن حفرة بمستوى تنظيمي فردي( كجماعات الإرهاب الديني )، فالانزلاق إليها لا ينبغي تعميمه. إنَّ القضايا الأكبر كالتنمية والعدالة والمساواة وفرص الحياة المنتجة كفيلةٌ بتنقية الأرض من الحفر. وتجعل الدولة ( عدسةً ) مكبرة تستشرف من سيحفر حتى وإنْ كانت هي القائم بذلك. فالدولة ما لم تضع أهدافاً جامعةً مانعةً كأرضيةٍ لا تفرِّق بين المواطنين لن يكون عمل نظامها سوى حفار القبور.

لكن هناك سؤالاً: إذا كان الأمر كذلك، فمن ستحارب الدولة في التو واللحظة؟ هل ستجاري طواحين الهواء بلا هدفٍ؟ الدولة غير الناضجة سياسياً تخطف الأنظار بمهام استثنائية لا بالنسبة لوجودها بل أمام المراقبين والجماهير. المعنى وراء ذلك أنَّ الإرهاب ما لم يكن موجوداً لاخترعته الأنظمة الحاكمة المستبدة. ليس لأنَّها تريده وليس باعتبارها تلاحقه، بل لكونِّها تريد شيئاً آخر: هو استمرارية وجودها بنفس القوة لدى شعبها المنتظر( سيان بفتح الظاء أو كسرها ). والمعروف أنَّ السياسة عزف جمعي بأدوات الدولة على انتظار مجهول يحتاج طقوساً لاستحضاره. إذ يظل اللاعبون يدفعون الجماهير للاحتفاء بالطقوس حتى تغدو ممارستها ذات أولوية بجانب ما هو ضروري في الحياة.

من ثم كان هناك انتشارٌ لا حدود له لثقافة الخوف من السلطة في المجتمعات العربية. وهو نفسه الخوف الذي يتسع – بفعل الدولة- لكونها تصارع كافة ثعابين الإرهاب وحدها في الظلام. وعلى شعبها الانتظار لما ستسفر عنه النتائج دون معرفةٍ ولا اطلاع على خفايا الأمور. وعندما تكبر مساحة الخوف، لا يهم عندئذ مادتها(مضمونها) الأهم أنها كالإسفنج القادر على امتصاص أي سائل. وبالتأكيد سيكون إسفنج الخوف هو الذي يتلقى ضربات الغضب حامياً الدولة من خشونة الانتقادات والثورة عليها.

ولعلَّ انعكاس الوضع بتلك العلاقة هو الأهم. فالشعوب تحدد رقعة كبيرة من التسليم بما يحدث داخلياً وخارجياً. وأنَّ وجود شيطان خبيث يحارب المجتمع كفيل بخلق التسليم بالسلطة القائمة. من أول يوم للأنظمة الحاكمة العربية وهي تدرك كيف يكون التسليم بأهميتها القصوى شيئاً حيوياً. الأمر أشبه بالمناعة في جسم الإنسان. فلكي يتم تقويتها ينبغي وجود فيروسات وأمراض طارئة. إذ ذاك بقدر شراسة الفيروسات تكون المناعة قضية محسومة في معادلة الصحة والبنيان الطبيعي للجسم. أما إذا غفلت المناعة عن أداء أدوارها، فلا يعنى هذا عدم وجودها، لكن يقتضي الأمر مهاجمة الأمراض حتى تستطيع الإعلان عن نفسها بقوة.

من هنا فالإرهاب يخلق الدولة المارقة عن شرع الإله حتى يبرر وجوده. في مقابل أنَّ الدولة تخلق إرهاباً مارقاً إزاء المجتمع كي يصبح لممارساتها أهمية. إذن قد يكون التساؤل وارداً: من يقضي على الآخر ومن يدعم الآخر؟ وهل من مصلحة الطرفين انفكاك العلاقة المتبادلة؟ إن السياسة هي فن الإحالة العملية لأطراف لا تملك انفكاكاً من بعضها الآخر دون القضاء على ذاتها بالمثل. وكأنَّ الوجود وجودٌ مصيري كاعتماد متبادل خارج التوقع. ولن يكون هناك في المستقبل المنظور بتر هذه العلاقة لصالح ما يسمى بالأمن والسلام والرفاهية والتقدم. فهذه الأشياء على محك التساؤل طالما أنَّ العلاقة الأصلية المشار إليها أسبق من أية تصورات وإجراءات سواها. وهذا يحدث ارتباكاً في مفهوم الدولة وممارساتها.

1- يبدو أنَّ دولة تحارب الإرهاب مماثل تماماً لإرهاب الدولة. والطرفان قريبان من بعضهما البعض. وهذه الفرضية جزءٌ لا يتجزأ من عمل السلطة فوق سطح الوعي. حتى أنَّ الوعي نفسه يمتلئ بحضورها العنيف في الحياة اليومية. ولذلك فإنَّ الأنظمة الشمولية يعنيها بالمقام الأول كيفية استغلال تلك العملية لتزييف الوعي. وتظل تهجُس بإمكانية الاستحواذ عليه دون كللٍّ ولا مللٍّ. ولدينا في العالم العربي نماذج كانت تعمل وتواصل ظهورها على هذا الصعيد.

2- رغم كون الإرهاب يحاول تفكيك آلة الدولة، إلاَّ أنَّه لا يستطيع الاستغناء عنها. لأنَّ المسرح السياسي لا يتم دونما طرفيه القويين. وهما يصنعان صورتهما المنحرفة وجهاً لوجه، ويزعمان أيضاً عدم إعطاء إحداهما للأخرى. وليس هناك مثل الإرهاب حين يقدم مبررات لدولة العنف. في عهد السادات فتحت مصر ساحاتها للإسلاميين كي يحاربوا اليساريين. وكانت اللعبة محبوكة لدرجة أن السادات أشعل الصراع بين فئات المجتمع المختلفة بتحريك هذا الذراع الأصلي. وما زالت مصر إلى الآن تعاني طوال سنوات بفضل استعمال الإسلام السياسي تجاه الرافضين لتوجهات الدولة.

وليس أدل على ذلك من أنَّ الإسلاميين حالما فرغوا من صراعاتهم مع اليسار انقضوا مباشرة على السادات. وأمعنوا في قتله يوم الاحتفال بانتصاره على إسرائيل. ولم يكتفوا بهذا بل انقضوا على الدولة ذاتها. لأن الدولة عندما تلجأ إلى أساليب خارج القانون لن يكون إلاَّ إيجاد قانون مغاير يلتهم المنطق العام. وسرعان من يحلحل فكرة القانون الإنساني ويضع الدولة ذاتها على محك الانهيار.

3- المفارقة الكبيرة أنَّ الإرهاب يزعم إقامة دولته على أسس دينية بعد انهيار الدولة الأم، بينما الدولة الأم تري إعادة هيكلة مواطنيها للقضاء على الإرهابيين. وبالتالي يظل الصراع محتدماً إلى نهايته. والمدهش أن يغذي الإرهابيون مسيرة الدولة نحو البطش بمجالها العام. ولذلك لا يعني الانهيار المشار إليه في النقطة السابقة سقوطَ الدولة وتلاشيها، لكن إمكانية ألاَّ تعيش كدولة تبني جدار الثقة لدى كافة مواطنيها، وألاّ تفسح المجال لتراكم معرفي تاريخي لممارسات سوية تضيف إلى الإنسان ولا تنقص.

4- لا يجب أنْ يكون الحرب ( تجاه أية قوى ) معجماً يقوم على فوبيا المجال التداولي. فقد قيل حرب غلاء الأسعار، حرب التعليم، حرب الدروس الخصوصية، حرب الانتخابات، حرب الأحزاب. وهذا يؤسس لمشاعر وعداوات جانبية. وسيكون تفريغها أو شحنها ضد قبول الآخر والتسامح وحوار الأفكار والتعايش بين الاتجاهات والطوائف وأصحاب الديانات.

5- إذا ترسخت لدى الدولة فكرة محاربة الإرهاب سيكون لدى المواطنين عماء من نوع آخر. عماء التسليم بكل ما يقال ويعدَّ من خطط وآراء عامة. وهذا ما يحدث في سياق غير ناضج حيث يغلب الصوت العالي على نبرات التحليل والتعقل. كما بدا في الإعلام المصري مؤخراً... حيث نجح المتعالمون ببواطن الأمور في تدمير العقل والتفكير. وانتشر هوس التسريبات التي لا يعرف مصدرها وبرزت المزايدات على إقصاء الأصوات الأخرى.

6- دولة تحارب الإرهاب يعني دولة تكفر معارضيها شأت أم أبت. وليس شرطاً أن تقوم هي بالمهمة ككيان معنوي، بل هناك سباق محموم من التابعين والإعلاميين على تكفير الناس. و الأخطر أن يصبح هذا التكفير مشروعاً استناداً إلى مواقف الدولة وعناوينها الجارية.

7- حينما يكون هناك مشروع إنساني ضخم لبناء المجتمعات يختفي الإرهاب. لأن الأخير لا يستطيع البناء والتعمير. لكنه يحتاج فقط إلى جو من الفساد والتخريب والبطالة حتى ينتشر مستغلاً السخط بين فئات الشباب والعاملين. في كل مراحل التاريخ لابد من تفريغ ايجابي للعنف بأعمال ايجابية غير الاشتباك المادي بين الاتجاهات والجماعات.

إزاء هذا الحال، ينبغي للدولة أن تكون دولة فعلية في مجتمع حقيقي. على الأقل اتساقاً مع وجودها الفاعل.. لأن ما سترسخه في مجال خاص كمحاربة الإرهاب سينعكس على كافة المجالات. ولن يسقط الوضع الإجمالي إلاَّ في دوامات العنف المتبادل. ومن غباء الأمور ألاَّ يعي المسئولون أنَّ الدولة ( أيا كانت ) تعدُّ جهازاً كلياً حساساً للتناقضات والشحن العنيف. فهي تختزن الجوانب الأخرى بالمقلوب وتجعل العنف الجزئي عنفاً كلياً في غير موضعه. وستكون النتيجة أجيالاً مشوهة من خلال نظرتها العامة للحياة والقيم والمعرفة. وليس هذا مفاجئاً إنما المفاجئ ألاَّ يحدث ذلك الشيء. ولقد وصلت السلوكيات إلى أنَّ المؤيدين لتوجهات الدولة أكثر شراسة من معارضيها وأنَّ أبناءها غدوا مشبعين بخميرة الانفلات والخوف من المجهول والمعلوم على السواء.