سلاح تونس …. زيتونة

فاطمة ناعوت
2018 / 1 / 7

في الطريق من مطار قرطاج الدولي، إلى مدينة سوسة التونسية للمشاركة في "مهرجان الزيتونة الدولي للآداب"، توقفت بأحد المقاهى لتناول فنجان من القهوة الساخنة، يساعدني على مقاومة لسعات البرودة الساحلية وأمطار الشمال الأفريقي. كنت أغلقُ مظلّتي وأخلع بالطو المطر، حين جاء النادلُ يسألني باللهجة التونسية: “عَسْلامة. إنتي فاطيما ناعووت، الكاتبِي المصريِي؟ أنا نْحِبُ نِقرالكْ كتوباتكْ. مرحبا بيكْ فِ تونس. نِحِبُو ناخد معاكْ تصويرة، أمّا بتليفونك باشْ نِضْمَن تسجِلْ رقمي. وتبعتلي التصويرة." التقطنا الصورة بهاتفي، وبدأ يُملي عليّ رقمَه لأرسلَ له الصورة. سألتُه عن اسمه، فقال: “سْلاح". اتّسعتْ عيناي دهشةً، ولم أصدّق. فأعدتُ سؤالَه: “اسمك سِِلاح؟!!” فابتسم في ودٍّ قائلا: “نعم سْلاح. مرحبى بيك سيدة فاطيما!” صافحته ضاحكةً وأنا أقول: "حصل لنا الرعب سيد سِلاح!".
تركته ومضيتُ إلى رفاقي التوانسة الذين سبقوني إلى عمق المقهى. أشرتُ إلى النادل وأنا أقول بنبرة عتاب حزينة: “من امتى بقيتوا دمويين كده يا توانسة؟! خسارة! كنتم أرق شعوب الأرض! تصوروا الجرسون اللي واقف هناك اسمه إيه! سلاح! ليه بقيتوا تسموا أولادكم أسماء عنيفة كده! يا إلهي! الثورة عملتم فيكم إيه؟ ناقص تسموا: "قذّاف الدم" زي الليبيين!”
المدهش أن أصدقائي التوانسة لم يندهشوا من اسم الجرسون العجيب. بل اندهشوا من دهشتي! قالت منسّقة المهرجان “عروسية بوميزة: “نعم اسمه سْلاح. شبيكْ باهتة؟ انتوما المصريين زادة تسميوا سْلاح!” فقلتُ لها في إنكار واستنكار وشيء من العتب: “لا لا لا! احنا مستحيل نسمي سِلاح. ممكن "سيف الدين"، لكن سلاح نو-واي!” فقالت بإصرار: “بلا تسميوا زادة "سْلاح الدين"”. فأدركتُ فورًا الخطأ الذي وقعتُ فيه.
التوانسة، وسائر المغرب العربي، بوسعهم تسكين الحرف الأول من الكلمة، في حين نحن المصريين لا نقدر على تسكين الحروف الأولى من الكلمات. وكذلك قد يرقّق التونسيون ما نُفخِّمُ من حروف، وقد يُفخِّمون ما نُرقِّق. هنا تختلط بيننا الكلماتُ ويَعسُر الفهم أحيانًا. النادل اسمه: “صَلاحُ"، ومع تسكين حرف الصاد وترقيقه، صار: “سْلاح"، والتقطته أُذني: “سِلاح"، بمعنى أداة القتل؛ فاستنكرتُ الاسم الدموي على هذا الشعب المثقف الرائع.
ذكّرني هذا بموقف مشابه حدث معي في ليبيا قبل عشرة أعوام. كنت في مدينة "سبها" الليبية في مؤتمر حول المرأة. وبعدما أنهيتُ قراءة ورقتي، وهممتُ بالنزول عن المِنصّة، جاءني شابٌّ من مُنظمي المؤتمر وابتسم قائلا: “تحبي الآن نروحو نتدهور؟" لم أفهم كلمة "نتدهور"، ورأيتُ أن بها عدم لياقة! ذاك أن "التدهور" حرفيًّا: هو الوقوع على الأرض، ومجازيًّا: هو التدهور الأخلاقي. فغضبتُ وعنّفتُه، وتركتُه شاخصَ العينين مندهشًا؟! بعد هذه الواقعة بشهرين زرتُ تونس للمشاركة في مؤتمر أدبي. وجمعني لقاءٌ بأديبات تونسيات. ففتحتُ حديثًا حول غرابة اللهجات العربية واختلافها الشديد عن بعضها البعض، حدَّ عُسرِ الفهم بين المشارقة والمغاربة، رغم ما يجمعنا من “قومية عربية”. فأمّنتْ على كلامي صديقتي الأديبة التونسية "حياة الرايس" قائلة: “معك حق. فمثلا أنتم في مصر تقولون: "نِتْفَسَح"، وفي سوريا يقولونها: “نِطلع شي مِشوار"، ونحن في تونس نقولها: “نِحَوِّس"، وفي ليبيا يقولون: “نِتْدَهْوَر..." هنا أدركتُ أنني ظلمتُ الشابَّ الليبي الذي كان فقط يودُّ أن يأخذني في جولة سياحية بالمدينة.
ها مقالي أوشك على الانتهاء، من دون أن أتكلم عن جمال "سوسة" جوهرة الساحل، ولا روعة أشجار الزيتون التي تترقرق أوارقُها بالضوء تحت رذاذ المطر وأشعة الشمس، ولا عن تحضُّر الشعب التونسي المثقف، الذي قضى على الأميّة والتطرف واستعاد مكانة المرأة الرفيعة؛ بفضل العظيم: "الحبيب بورقيبة"؛ الذي وضع تونس في مصافّ العالم الأول، ولا عن الصديقات التونسيات الرائعات اللواتي كسبتهنّ في هذا المهرجان، ولا عن مهرجان جني الزيتون الأسطوري في مدينة سوسة، ولا عن عشرات المواقف الجميلة التي صادفتُها هناك. سأتكلم عن كل هذا في مقالات قادمة. ويبقى أن أقول إنني استعنتُ بصديقتي التونسية "سامية الجزيري" التي تُشرّف مصرَ بالإقامة، في ترجمة بعض الكلمات في هذا المقال للهجة التونسية الآسرة. سلاحُ تونس… زيتونة. ويعيشك برشا يا تونس.