العاطفة والجسد في رواية -شيء من عالم مختلف- للكاتبة وفاء عمران

رائد الحواري
2018 / 1 / 7

من الفرح أن نجد من تكتب الرواية، ليس من باب التجربة بل من باب الاحتراف، أعتقد أن كتابة راوية ثانية في غضون سنتين يعد عملا احترافيا أكثر منه هواية، وبالتأكيد العمل الثاني لا بد من أن يضيف ما هو جديد، إن كان على صعيد الفكرة أم تطور الفعل الروائي من خلال السرد، فتعدد الرواة بالتأكيد ينم عن اتساع الحرية التي يعطيها الراوي/ة لشخصياته/ا، وإذا ما أخذنا اللغة والصور الأدبية التي تحسن توظيفها لخدمة الأحداث أو لتوضيح المشاعر الشخصيات، كل ذلك يجعلنا أمام حالة روائية نسائية فلسطينية مميزة.
أجمل ما في الرواية أنها تجعل المتلقي يتوقف عند شخصياتها، فهي شخصيات تعاني داخليا، وتتصارع مع الخارج، فرغم أن الصراع الخارجي هو الظاهر لنا والبارز، إلا أن الساردة تفتح لنا نافذة وعلينا أن نستشف منها أن هناك ماضيا مؤلما عند شخصية "سلمى" تحديدا، وينعكس بطريقة غير مباشرة على أختها "عائشة" التي عانت الأمرين في أمريكيا عندما أهملها زوجها "حسن" الذي لم يحسن تعاملها كمرأة شرقية، وأرادها أن تكون أمريكية، إلا أن افكارها الدينية وطبيعتها الشرقية المحافظة جعلها تبقى ثابتة رغم عواصف المجتمع الأمريكي والزوج.
تنتصر "عائشة" على ذاتها أولا ثم على محيطها من خلال قلب حياة "ماري" من الضنك إلى القبول الواقع والتخلص من ماضيها البائس، وهذا التغيير عند ماري التي أصبحت "فاطمة" أعطى معنوية جديدة "لعائشة" جعلتها تتراجع عن فكرة نزع غطاء الرأس الذي اقترحه "حسن" عليها ومن ثم إصرارها على أن تكون ذاتها وكما تريد هي، لا كما يرد "حسن" الزوج البائس.
أما شخصية "سلمى" المرأة التي تزوجت من "عزيز" وتركها أو هجرها أو مات دون أن تفتح لنا الساردة الأسباب/ الأحداث، واكتفت بأن تخبرنا أنه غائب، وأن "سلمى" مطلقة، لكننا نعلم أنه أثر هذا فشل في الزواج أثرا كثيرا على عائلة سلمى التي قبلت أن تزوج "عائشة" الأقل جمالا من ابن خالتها "حسن"، من هنا كانت "عائشة" تتحمل خطأ العائلة عندما أجبرت "سلمى" على الزواج من "عزيز" فرغم كل المعاملة السيئة التي وجدتها من "حسن" إن كانت على المستوى المادي أو الجسدي أو الروحي بقيت محافظة على "شكل" هذا الزواج، لكي لا يقال إنها فشلت هي الأخرى في زواجها، طبعا هذا نستنتجه من خلال السرد الروائي، ولم يأت على لسان "عائشة".
إذا الشخصيات تعاني من صراع داخلي، لم تفصله لنا الساردة، واكتفت بتناوله بطريقة عابرة، أما الصراع الخارجي، فكان واضحا تماما، خاصة الصراع بين "عائشة" والمجتمع الجديد و"حسن"، وصراع "سلمى" مع أصحاب العمل ومع حماتها، وأخيرا تنجح في تجاوز كل الصعاب وتقوم بفتح مشغل تطريز خاص بها، جعلها تحصل على استقلالية عن العائلة، وبهذا تكون الخاتمة السعيدة هي بداية المستقبل أمام "سلمى"، أما "عائشة" فتخبرنا بعد أن تصل قريتها في فلسطين أنها أنجبت ولدا وأن زوجها "حسن" تغير للأفضل، وأنه يختلف تماما عن ذلك الـ "حسن" السابق.
"سلمى"
"سلمى" الشخصية المركزية في الرواية، وهي مركز الأحداث، ومنها يبدأ السرد، فعندما يحاول "آدم" ابن صاحب العمل التقرب منها نجدها بهذه الحال: "أنا خائفة، ليس منه فقط، بل من نفسي أيضا، من خيبات أملي، من تعب الخوض في تجربة جديدة مرهقة" ص140، هذا ما يؤكد حضور الماضي وأثره السلبي في "سلمى"، فهو من يقف أمام خوضها تجربة حب كأي امرأة أخرى، وعندما يقوم "آدم" بالحديث معها أمام زميلاتها في العمل، ويقول لها بعد أن غيرت عادتها بعدم قبولها شرب القهوة: "هل يعني هذا أن هناك أملا في أن تغيري رأيك في أمور أخرى" ص145، فتتدخل زميلاتها "فائدة" بتطفل بحيث أزعجتها بالأسئلة التي تطرحها، فتختصر وتقطع مكالمات "آدم"، وهنا تجد نفسها بحالة غير عادية كباقي الناس: "لماذا لا أستطيع التعامل مع الناس؟ ولا يمكنني أن أكون صادقة، غضبت كثيرا لتلك الأخطاء وتضايقت أكثر لأنني لم أكن في المتجر، أنا أكابر كثيرا، أنا فعلا راغبة أن أشاركهم الفرحة والضحكات والأنس، لقد مللت كوني مملة، ومللت كوني غاضبة ومحرومة من الصداقات" ص149، كل هذه "الاعترافات" ستفتح لنا الباب أمام فهم طبيعة "سلمى" من جهة والساردة من جهة أخرى.
بعد هذه الحادثة تأخذ "سلمى" في توضيح مشاعرها كمرأة، فهي تحتاج للحب، للرجل، كما تحتاجه أي أمرة أخرى، من هنا نجدها تأخذ تلميحات "آدم" إلى أنها موجهة لها: "فأنا أصبحت مريضة بالوهم أنني المقصودة أو أني أتمنى ذلك فعلا دون الجرأة على الاعتراف بذلك، وأخاف أن تتكسر أشلائي على حافة الوهم الكاذب والأحلام المستحيلة... أنا أسير في اتجاه عكس رغبتي، وتسيطر علي مشاعر لا يمكنني التحكم بها" ص191و192.
من المهم أن تحدثنا "سلمى" بهذه المشاعر وبهذا الصدق، لأننا من خلاله يمكننا أن ندخل ـ لاحقاً ـ إلى مكنونات هذه المرأة التي تبدي القوة والصلابة والإخلاص لطفلها "فؤاد" على حساب حاجتها ورغباتها الجسدية، فعندما تضعها "حماتها أم عزيز" أمام حقيقة أن "فؤاداً" سيؤخذ منها في حالة زواجها من "آدم" وتحدثها أمها بضرورة القبول "بآدم" والتخلي عن "فؤاد" الذي سيكون عند أهله، نجدها ترد عليها بدوافع مؤثرة من الماضي: "من أجبرني على الزواج بعزيز، وقتها لم أكن عنيدة، ماذا جنيت من كوني لست عنيدة؟ لم أعد احتمل أن أسير على الخط الذي يرسمه الكل لي، أنا سأرسم طريقي الآن وأنا من أنظر إلى مستقبلي" ص197. أنهت "سلمى" طريقها الجديد بهذا القرار، وقررت أن تكون أما لا زوجة، فعقدة الزواج الأول من "عزيز" جعلها تتخلى من حاجاتها الجسدية وأن تكون لابنها "فؤاد".
وهنا لا بد من أن نتوقف أمام هذه الأمر، كيف لامرأة ما زالت شابة وتحمل في داخلها كل ما تحتاجه المرأة أن ترفض أن تحصل على حاجاتها الجسدية، ومن شاب يماثلها في العمر، وعنده المال والثروة؟ هل فعلا السبب هو ابنها "فريد"؟ أم أن هناك ماضياً مؤلماً يحول دون خوضها غمار تجربة الزواج من جديد؟ وهل الثقافة الدينية المحافظة التي تتحكم في الكثير من تصرفاتها جعلها ـ في العقل الباطن ـ تحافظ على حالها كمطلقة وأم على الخوض في تجربة جديدة؟
"عائشة"
فتاة متواضعة الجمال، وليست جميلة بنظر زوجها "حسن"، لكنها تمتلك أخلاقا حميدة وإرادتها قوية، لهذا استطاعت أن تصمد في وجه التغيرات الجديدة في أميركا، ومن ثم تحدث تغييرات إيجابية لصالحها، وقد عاشت حالة من الاغتراب النفسي والاجتماعي والفكري والاقتصادي،
ومع كل هذا صمدت وقاومت وتفاعلت إيجابيا مع الواقع الجديد، إلى أن فرضت ذاتها وحضورها على زوجها "حسن" الذي انتقل من الحالة السلبية إلى الحالة الإيجابية.
الاغتراب أول معاناة الفرد في الغربة عن المجتمع الجديد، فهو يعاني من وجوده في مكان غير مألوف، ومن مجتمع/ ناس لا يعرفهم، فهو لا يألف العادات، ولا التقاليد، ولا المفاهيم، ولا حتى يجيد اللغة الجديدة لهذا المجتمع، "عائشة" فتاة فلسطينية تنتقل من بيتها في إحدى قرى فلسطين إلى العالم الجديد، فأول النكسات عدم وجود "حسن" في المطار، وهذا سبب لها مشكلة كبيرة، حتى أنها دخلت إحدى البيوت بالخطأ، وكان يمكن أن تحدث جريمة بحقها، لأنها دخلت كبديلة لفتاة متعة، تصف مشاعرها أثناء انتظارها في المطار لحسن فتقول: "كم هو صعب أن تنتظري أحدا في بلاد غريبة وتتكهني طوال الوقت هل سيأتي أم لا؟ هل تعرفين مدى الشعور بالحزن عندما تدركين أنك منسية؟ وأن من تظنينهم يهتمون بك لا يعيرونك أدنى اهتمام" ص53، إذا كانت البداية بهذا الشكل فكيف سيكون البقية؟
تتجاوز هذه المشكلة بحيث تقرر أن تذهب إلى المستشفى الذي تعالج فيها خالتها، وهناك يتم لقاؤها بزوجها الذي عاملها بجفاء وصد، حتى أنه كان يتركها في البيت من الصباح حتى ساعة متأخرة في الليل، تعبر لنا عن مشاعرها في هذه المرحلة القاسية فتقول: "لا شيء يسكن هذا القلب سوى الوحشة والألم، ولا شيء مثير في هذا البيت، مطبق وهادئ وممل، ولم أعتد على الهدوء في حياتي،... كم هذا البيت مقفر من الحياة مثل صحراء بعيدة أو بيت مهجور يسكنه الخراب وتتراقص نوافذه المحطمة ليثير صوتها خشية في النفس أشبه بداخلي" ص41، فأول المشاكل النفسية التي تعرضت لها عائشة الاغتراب عن المكان والناس الذي تعاملهم، فهي وحيد وكأنها في سجن، لهذا جاء وصفها "بيت ممل"، وبما أنها لا تحسن التحدث باللغة الإنجليزية ولا تعرف طبيعة الناس حولها، كل هذا جعلها تكون بحالة من الضيق والحصار: "أخاف حقا أن أغادر بيتي، أن أمشي في الشارع المؤدي إلى المتنزه القريب من بيتي" ص99، هذا الاغتراب كان على صعيد المكان وعلى المحيط الخارجي، ولم يتناول العلاقة (بزوجها حسن) الذي كان من المفترض أن يكون عونا لها وليس وسيلة ضغط عليها.
عائشة وحسن
عندما تكون البدايات قاسية وصعبة فستكون التوابع أصعب، تجاهل "حسن" لزوجته التي انتقلت من قارة إلى قارة دون أن يبدي أي اهتمام، حتى أنه لم يكلف أحدا نيابة عنه ليستقبلها في المطار، فها هو لا يراعي مشاعرها كمرأة شرقية ويبقي صورة زوجته السابقة معلقة في البيت، "صورة صغيرة معلقة على جدار المطبخ، تحركت من مكاني لأطالعها، كانت لحسن وهو يحيط بذراعيه زوجته الأميركية الشقراء، تضايقت وأصابتني الغيرة" ص68، بهذا الاهمال يعامل "حسن" زوجته، فهي بالنسبة له ليست من حالة فرضت عليه مجبرا، لهذا نجده يهملها بهذا الشكل.
فبعد أن يدخلا البيت معا، نجده يقوم بإغلاق باب غرفته دون "عائشة"، كأنها خادمة أو ليست موجودة، علما أنها كزوجة جديدة تنتظر منه أن يعطيها الحنان ويلبي حاجتها الجسدية، لكنها كانت مجرد حالة طارئة عليه، ولا يريدها في حياته: "نهض من مقعده وصعد بهدوء إلى الطابق الثاني من المنزل والذي يحوي غرف النوم وتركني وحيدة في الدور الأرضي الذي
يضم غرفة المعيشة والمطبخ، ... شعرت بالإهانة... صعدت بدوري إلى الطابق الثاني... حاولت أن أفتح الأولى بدت مقفلة والأخريان مفتوحتان، حاولت فتح الأولى لكن كانت مقفلة بإحكام ويبدو أنها مقفلة من الداخل" ص67، المشكلة لا تكمن في إغلاق الباب فحسب بل أيضا في عدم استئذانه من زوجته التي تركها مهملة في ليلتها الأولى.
وفي الليلة الثانية نجده وبكل صلافة ودون إبداء أي اهتمام بمشاعرها كزوجة تنتظر أن يبادر الزوج ليتقرب منها فيقول لها: "عائشة اذهبي إلى غرفتك، يجب أن أنام، إلا تفهمين" ص75، إذن هو لا يتعامل معها كزوجة، بل كخادمة، لهذا نجده يصدها بهذه الطريقة القاسية والمؤلمة.
"عائشة" المرأة الفلسطينية التي لا تعرف إلا أن تحافظ على جسدها من نظرات الآخرين، كانت تتعرض للضغط من "حسن" الذي اقترح عليها أكثر من مرة أن تتخلى عن لباسها، لتكون منسجمة مع المجتمع الجديد: "لا يمكنني المشي بجوارك في المتنزه، كأي زوجين، أخاف أن يظهر متعصبٌ ما ويقتلنا" ص151، وهنا نجد تناقضا في تعامل "حسن" مع "عائشة"، فهو من جهة هجرها في المنزل، ولا يعطيها حاجتها منه كزوج، ويريد أن يمارس ساديته عليها من خلال فرض رأيه عليها وإلزامها بتغير ملابسها لتتناسب والمجتمع الأمريكي.
"حسن" كان يشكل أحد أكثر وسائل الضغط التي وقعت على "عائشة" لهذا نجدها غالبا ما تشكو منه، "لقد تحملت قلة الاهتمام والهجران والمزاج السيء المتقلب واللوم والتقريع" ص174، وكأن الواقع الجديد الذي فرض عليها لا يكفي ليسبب لها الكآبة والحزن، فيأتي "حسن" ليكون رجحة القبان، والذي من المفترض أن يكون معها لا عليها، لهذا كان وقع حديثه وأفعاله أكبر بكثير من تلك القادمة من الخارج.
بعد كل هذا التحمل كان لا بد من حدوث ثورة/ تمرد عند عائشة، خاصة بعد أن استطاعت أن تؤثر على صديقتها "ماري/ فاطمة" الأمريكية، وتجعلها تنقلب على حياتها السابقة، لتكون كما تريد هي لا كما يفرضه المجتمع عليها، فتقرر "عائشة" أن تكون واقعية وتتخلص من مفهوم الزوج الشرقي الذي يسبب لها كل هذا الألم: "أنا الأنثى التي اقترن بها، وأنا أيضا لا أحبه، لنعترف بالأمر ونكف عن التمثيل، فلم يعد له مكان أو جدوى" ص234، بهذا الوضوح حسمت "عائشة" علاقتها "بحسن".
"حسن"
شخصية مهزوزة من الداخل، لا يحسن أن يتخذ قرار، لهذا وافق مكرها على الزواج من "عائشة" رغم علمة بقلة جمالها و(تخلفها)، ومع هذا هو "لم يقدم على هذا الزواج إلا إرضاء لأمه" ص21. وبعد وفاة أمه مباشرة نجده يعامل "عائشة" بطريقة الجارية التي ليس لها أي شكل من أشكال الاحترام، فيقول لها: "فلا يكفي أني غير جميلة أضيف على ذلك عقليتي المتخلفة" ص44، وهو لا يكتفي بهذا الأمر بل عندما تسأله عن اتجاه القبلة يقول لها: "الصراحة لا أعرف" ص73 وعندما تسأله لماذا وكيف كان يصلي في فلسطين عندما زارهم في بيتها يرد عليها: "الوضع في فلسطين مختلف وخاصة في بيتكم، الكل كان سيعطيني مئة نصيحة ونصيحة عن ضرورة المحافظة على الصلاة لذا اختصرت علي وعليكم تلك النصائح"
ص73، إذن هو رجل انهزامي لا يعرف كيف يواجه الآخرين، ويختار أسهل الطرق الهروب إلى الأمام، وإظهار الانسجام مع الآخرين، رغم قناعته بعدم جدوى هذا الفعل.
"حسن" كان يعمل على إخفاء دينة وكأن الإسلام تهمة تجلب الشر لمعتنقيه، فهو يتجنب المشي مع "عائشة"؛ "لأنه يعتقد أن الناس ستعرف ماهية دينه وما زال شرقيا وإن أظهر خلاف ذلك" ص80، كل هذا يجعل من "حسن" شخصية مهزوزة لا تثق بنفسها، وتحاول أن تكون متماثلة مع الآخرين دون أن تكون مقتنعة بهم، لكنها تمارس سلوكها كما يريده لها الآخرين، لا كما تريده هي، من هنا وجدناه يوافق أمه في اختيارها "لعائشة" ويعمل بجهد ليكون متماثلا مع المجتمع الأمريكي بكل ما فيه من تناقضات.
وبعد أن يفرض على "عائشة" أن تعمل في إحدى المحلات، وبعد أن تتم عملية السطو على المحل، اعتقدت الشرطة أن "عائشة" شريكة في الهجوم على المحل، لأنها تلبس لباسا شرقيا، فيتم اعتقالها من الشرطة وتصاب بحالة من الرعب الشديد، ويذهب بها إلى المستشفى للعلاج من أثر الصدمة، نجد "حسن" يصر على استمرارها في العمل رغم ما حصل لها: "اعتقدت أنه سيقول لي أنه لن يدعني أعمل بعد الآن، وأنه لا يمكنه المجازفة مرة أخرى بتعريض حياتي للخطر" ص118، وهذا ما يجعلنا نتأكد أننا أمام شخصية انتهازية لا تعرف إلا مصلحتها، من هنا وجدناه لا يراعي ظرف زوجته النحيلة والضعيفة والمريضة ويجعلها تعود إلى ممارسة عملها، كأن شيئا لم يكن.
وعندما تقرر أن تعود إلى فلسطين، فلم يعد بها طاقة لتتحمل المزيد من "حسن" نجده يقول لها: "لا أملك في الوقت الراهن ثمن بطاقة سفرك، لذا أبقي، أو اجمعي ثمنها بنفسك" ص176، من خلال هذا القول كان "حسن" يمثل قاع الحضيض، فليس هناك من هو أدنى منه، لا أخلاقيا ولا إنسانيا.
ماري/ فاطمة
الساردة استخدمت "ماري" الأمريكية لتحدثنا بصراع أكثر عن سخطها وغضبها من الأصدقاء والأقرباء، خاصة فيما يتعلق بالعلاقة الجسدية، تخبرنا "ماري" بهذا الحدث الذي سبب لها حالة سلبية انعكست على حياتها: "حاولت إنهاء حياتي أكثر من مرة، المرة الأولى كانت عندما وجدت صديقي المقرب "مارك" في حضن صديقتي الوحيدة "مارغريت" ص162، فبعد هذه الانتكاسة نجدها تصاب بمرض نفسي فيذهب بها إلى المشفى وهناك تعاني "قضيت وقتا طويلا لم يزرني فيه أحد لا أقارب، لا أصدقاء الدراسة أو أصدقاء العمل" ص163، من هنا "عائشة" هي من تشاركها الهموم وحالة الاغتراب، لهذا عندما تقرر ماري أن تتخلى عن كل ما تحمله من أفكار وتكون "فاطمة" سينعكس هذا الأمر على "عائشة" إيجابيا / فهي التي استطاعت أن تحدث النقلة النوعية في "ماري" فكيف لا تستطيع أن تغير نفسها وتتمرد على واقعها كما تمردت "ماري"؟
الزواج يشبه الخيانة
تحاول الساردة أن تخبرنا أن الزواج فيه شيء من الخيانة، خيانة لأهل الزوجة تحديدا، حيث أن الزوجة الشرقية تعتبر ملكا للزوج، ويستطيع أن يأخذها إلى أي مكان يريده، وبما أنها غير
منتجة فبالتأكيد ستنساق وراءه هاجرة أهلها، تحدثنا "سلمى" عن مشاعرها تجاه "عائشة" فتقول: "اعتقدت أنها ستبقى معي إلى نهاية حياتنا سويا إلى الأبد، لم أتخيل أن لها هي الأخرى حياة ورغبات، كأني اعتقد أنها موجودة لأجلي أنا فقط" ص10، فهل هذا السبب الرئيسي الذي جعل الساردة تحجم عن الحديث عن العلاقة الجسدية بين "عائشة وحسن" فهي كمرأة تميل لمثيلاتها، وتتحامل على الذكور/ الزوج الذين جاءوا بشكل سلبي.
ولا تكتفي الساردة بهذا الموقف من "سلمى" بل نجدها تحدثنا عن مشاعر الأب والأم التي كانت بهذا الشكل: "في داخلهما يتألمان لفراقها أكثر منا جميعا" ص11، لهذا نعتقد أن طرح زواج "عائشة" كان فيه شيء من الخيانة لسلمى ولعائلتها، فهو فعل غير نقي تماما، ولهذا وجدنا فيه الألم للآخرين، فلو كان فعل الزواج صافيا ونقيا لما وجدنا هذا الخلل عند الأخت والأب والأم.
المرأة الفلسطينية/ الشرقية
تحاول الساردة أن تبن لنا الظلم الذي يقع على المرأة الفلسطينية في ظل مجتمع متخلف يتعامل معها كقنبلة موقوته ويجب التخلص منها بأسرع ما يمكن، ويعاملها كطفل لا يعي مصلحته من هنا على العائلة أن تحدد مستقبلها بعيدا عن خياراتها، فهي "ناقصة عقل ودين" :
"ـ سلمى هل تعتقدين أنهم يناقشون مصيري ومستقبلي؟
ـ نعم أعتقد ذلك.
ـ أليس حريا بي أن أكون هناك بينهم؟
ـ من المفترض ذلك.
ـ إذاً ما هذا؟ هل يعتقدون أني لا أملك عقلا ولا فكرا لأتخذ قرارا يتعلق بمصيري" ص22، بهذا الحوار تحاول "عائشة" أن تبين لنا عقم التفكير في المجتمعات العربية التي تعامل المرأة كعنصر محمول وعلى الأسرة أن تقرر مصيره.
"وكتأكيد على أن المرأة العربية هي من يجب أن يطلبها الزوج وهو من يختارها، ولا يجوز لها أن تختار زوجها بنفسها، لأن ذلك يعد خرقا للعادات والمفاهيم الاجتماعية التي تجعلها مقيدة في كشف من تحب ومن تريد، فها هي "فاتنة" تكبت مشاعرها ولا تستطيع المجاهرة بمشاعرها تجاه "آدم"، "رفضت قبل يومين عريسا ثالثا، لأنه كان لديها أمل حتى آخر لحظة أنه سيتقدم لها" ص140. وكأن الساردة بهذا الكلام تريد أن تخلص أخواتها ـ النساء ـ من حالة الانتظار وعدم الجهر بمن يرغبن من الرجال.
أسماء الشخصيات
أسماء الشخصيات لا بد من أن يحمل شيئاً من العقل الباطن عند الساردة، وإذا ما توقفنا عند شخصيات الرواية فسنجدها كما يلي: "سلمى، سعيد، حسن، عائشة، أسامة، محمد، فؤاد، رماح، سمير، نور، فاتنة، فائدة، ماري/ فاطمة"، وإذا ما توقفنا عند هذه الأسماء سنجد هناك وجود
لحرف "الفاء والسين" في العديد من الأسماء، فهل وجود حرف الفاء في أسماء النساء تحديدا علاقة باسم الكاتبة "وفاء" أم انه جاء صدفة؟
الصور الأدبية
فاكهة العمل الأدبي تأتي من خلال الصور التي يقدمها لنا الكاتب/ة، فهي من تمتع القارئ وتخدم الفكرة المطروحة في ذات الوقت، هناك مجموعة مشاهد غالبيتها تعبر عن حالة الضيق التي مرة بها "عائشة وسلمى" والقليل جاء ليعبر عن حالة الفرح، فالرواية بمجملها تمثل الألم والاغتراب الذي تتعرض له المرأة الفلسطينية.
"كم هذا البيت مقفر من الحياة مثل صحراء بعيدة أو بيت مهجور يسكنه الخراب" ص41
"لقد وقفت مثل سنبلة ضعيفة في مهب الريح تركت مهملة بعد حصاد وفير فكانت لا تعني شيئا مذكورا لأصحابها حتى تكسرت" ص67.
وألقت نظرة على وجهها المملوء بالتجاعيد وشعرت أني لا اختلف عنها أنا أيضا تعبة ومملوءة بالتجاعيد لكنها داخلية" ص79.
"العشب الأخضر الجميل والأشجار الباسقة والسماء الزرقاء المموجة بغيوم بيضاء كالقطن الأبيض" ص161.
"لقد اختفى من حياتنا كنسمة جميلة وكماء زلال هطل على أرض قاحلة ثم رحل مخلفا وراءه بساتين وأزهار" ص243.
الزمان والمكان
هناك تعتيم على المكان والزمان بشكل شبه مطلق، والمقصود هنا المكان في فلسطين، أم في أمريكا فهو مفصل وواضح، "على الاجتماع في مدينة نابلس، ومن ثم تنطلق بنا المركبة إلى رام الله" ص185، هذا بخصوص تحديد المكان الفلسطيني ، أما بخصوص الزمن، فهو مبهم، لكننا نستشف أن الأحداث تجري بعد أحداث أيلول عام 2001 في أمريكا "لم تعد الولايات المتحدة كما كانت قبل أحداث 11 من سبتمر" ص153، بهذا يمكننا تحديد زمان الحدث فهو بعد 2001.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرواية من منشورات دار الجنان للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الأولى، 2018