نهاية الأسطورة

سعود سالم
2018 / 1 / 6

مدينة ميلتية Milet التي شهدت ظهور البوادر الأولى للفلسفة حسبما اتفق عليه أغلب مؤرخي الفلسفة، تقع في الجنوب الشرقي من تركيا الحالية، على بعد عدة كيلومترات من مدينة بالات Balat وهي منطقة أيونيا في ذلك الوقت البعيد ومستعمرة تابعة لبلاد اليونان. لقد كان ظهور الفلسفة إعلانا عن إحداث قطيعة في التفكير عند الإغريق، حيث تم الإنتقال من الخطاب الشفوي الأسطوري إلى الخطاب الفلسفي المكتوب الذي يعتمد على الاستدلال العقلي وإنتاج الأفكار والمفاهيم العقلية المجردة. ويعتبر طاليس وأنكسمانس وأنكسماندر أقطاب المدرسة الأيونية التي ظهرت في هذه المدينة في القرن السادس ق.م. وقد كانوا علماء يهتمون أساسا بالرياضيات والعلوم الطبيعية ولهذا يسمون بالفلاسفة الطبيعيين أو الكوسمولوجيين نظرا لاهتمامهم بالطبيعة وظواهرها المتعددة وأصل الكون. وقد شكلت أبحاثهم قطيعة مع الفكر الأسطوري الذي كان سائدا من قبل في بلاد اليونان، مما يجعلهم يمثلون الإرهاصات الأولى للفكر الفلسفي في الحضارة الإغريقية. أقطاب هذه المدرسة الأيونية، طاليس وأناكسيماندر لم يتبقى لنا من إنتاجهم الفلسفي والعلمي أي أثر، وكل ما نعرفه عنهم يرجع إلى أرسطو، والذي كان يبحث عن الإجابة عن سؤال ربما لم يطرحوه أساسا ولم يكن من إهتماماتهم في ذلك الوقت عن أصل الواقع وماهيته " ماهي المادة التي صنعت منها الأشياء ؟ " لقد كانت إهتماماتهم متركزة على الكون وأصله ،والبحث عن المبدأ الأول، حيث طاليس يرجعه إلى الماء، بينما أناكسيماندر يقول بأن أصل الأشياء والكون هو اللامتناهي، بينما أناكسيمن يرى أن كل شيء مصدره الهواء. غير أن الإعتقاد بأن أصل الكون هو هذا البخار اللامتناهي الناتج عن تبخر مياه البحر بفعل حرارة الشمس لا يعني أن هؤلاء كانوا يبحثون مشكلة المادة وأصلها. كانت البحوث الأولى تتعلق أساسا بالعلوم الطبيعية مثل الظواهر الفلكية والجوية، الكسوف والخسوف، الزلازل والريح والمطر والعواصف والأعاصير. وأهتموا أيضا بالعلوم الجغرافية ورسموا خرائط للأرض. أناكسيماندر كان يراقب تكون السحب السوداء الثقيلة في السماء المحملة بالأمطار والعواصف والبرق والرعد، كان يعتقد أن الريح تسكن جوف هذه السحب ومسجونة في أعماقها، غير أن قوة الريح العاتية كانت قادرة على تفجير هذا السجن السحابي وتمزيقه وماالبرق والرعد سوى نتائج هدا الإنفجار. والكل يرجع إلى ظاهرة تبخر مياه البحر وتحولها إلى بخار ورياح وسحب .
وكل هذه البحوث والتساؤلات كانت معروفة منذ زمن بعيد في الحضارات الشرقية، في بلاد ما بين النهرين والحضارة المصرية، حيث كانت هذه العلوم الجغرافية والرياضية ومعرفة السماء والنجوم والحسابات الفلكية في غاية التقدم والإزدهار. الفلسفة الأيونية كانت في الحقيقة جسرا بين الفكر الشرقي واليوناني وأول من قام بنشر هده العلوم في بلاد اليونان. يمكن القول إذا بأن الفكر الفلسفي قام في البداية، كمحاولة نظرية لإقامة هندسة جديدة للعالم من شأنها أن تعيد تنظيمه و ترتيبه وفقا لرؤية جديدة حسب القوانين العقلية والمنطقية، بعد أن بالغ الفكر الأسطوري والشعري في التفسيرات الغريبة والخيالية. وقد ساعد على هذا النمو الفكري وهذه الصحوة العقلية العديد من العوامل والمؤثرات الداخلية والخارجية التي أدت إلى مجموعة من التطورات الإقتصادية والإجتماعية والسياسية ساهمت في تهيئة المناخ المناسب لظور الفلسفة في القرن السابع قبل الميلاد. فقد عرف المجتمع الإغريقي تطورا اقتصاديا هاما، تمثل في التحول إلى النشاط التجاري والصناعي بدل الاعتماد على النشاط الرعوي والفلاحي. وقد رافق هذا ظهور العملة النقدية في المعاملات التجارية والعقارية وغيرها التي ساعدت على تطور الفكر التجريدي مقارنة بالمقايضة التي ترتكز على تبادل السلع المادية الحقيقية. وفي هذا القرن أيضا تم الانتقال من حكم النبلاء، أي الأوليغارشية أو حكم الأقلية، إلى الحكم "الديمقراطي" - رغم نسبية هذه الديموقراطية التي لا تطبق إلا على المواطن اليوناني الحر ولا تشمل النساء ولا العبيد والأرقاء ولا الأجانب - الذي تجسد في نظام الدولة المدينة التي عرفت مناخا سياسيا وفكريا سادت فيه حرية التعبير والجدل والحوار، الذي كان يتم أساسا في الساحة العامة - agora - في قلب المدينة. وقد أزدهرت أيضا العلوم الدقيقة كالرياضيات وعلم الفلك، لاسيما أن الفلاسفة الأوائل كانوا علماء أمثال طاليس وفيتاغوراس. وهكذا تم التحول تدريجيا في الفكر اليوناني من الميثوس mythos إلى اللوغوس logos ؛ أي من التفكير القائم على الأسطورة والخيال والسرد الشعري والملحمي إلى التفكير القائم على العقل والمنطق. فضلا عن انتشار الكتابة الأبجدية التي حلت محل الحكايات الشفوية، وإشاعة الثقافة بين عموم الناس؛ وهي كلها عوامل ساعدت على نمو فكر فلسفي قائم على الحوار والاستدلال والبرهنة والنقد. هكذا انتقلنا مع الخطاب الفلسفي من الكاووس والميثوس إلى الكوسموس واللوغوس. حيث بدأت الإرهاصات الأولى في البحث عن العلة الحقيقية للكون أو المبدأ الأساسي الذي أرجعوه إلى أصل مادي، وهو الماء والهواء والبخار. وكان البحث والإستقصاء خارجيا وكونيا متجها إلى السماء ومكوناتها بحثا عن أصل الوجود بما هو موجود.