إشكالية طوطمة الرب من خلال أستغلال النص الديني ح1

عباس علي العلي
2018 / 1 / 6

مشكلة الإنسان مع الرب لا تبدو في طريقها للحل ولا أظن أن في الأفق من يستطيع أن يقنع الناس أن ما يتصورونه في المخيلة البشرية عن ربهم مجرد إنعكاس عن صورية شكل العلاقة الحياتية بينهم وبين حكامهم أو آبائهم أسلافهم لا أكثر, الرب الذي يعبدونه أو ينكرونه هو نتاج لكل عقليات البشر التأملية فقط وبأي صورة متطرفة وغارقة في الضبابية أوسلبية سطحية مثلية يمكن تشبيهها بأي شي, دون أن يدرك إنه كواقع عقلي الحقيقة التي لا مطلق قبلها ولا بعدها ولا فوفها مطلق, فمن الأعقل لنا أن ندعه هو يتكلم عن نفسه وكفى وأن لا ندخل مما يخصنا في ما يخصه ولا خلط ما يخصه فيما يخصنا، كي نسلم في النهاية من التوهم بأننا نفهم الله أكثر مما هو الواقع وأننا في وهم كبير عنه .
من هذا كلما غرق الإنسان في تخيلاته عن صورة الرب وأقترب أكثر في بحثه الدءوب عن ما لا يلزم بالضرورة، سقط وشط عن فهم ما يريد الله منه وما لا يريد, لأن هذا القرب القريب يوحي له أنه أصبح القريب المدرك الحقيقة دون غيره، والقريب أولى بفهم ما يوجب نتيجة لهذه العلاقة الثنائية المنفردة، وبالتالي يعطي لنفسه الحق أن يكون أو يحاول أن يكون ناطقا مباشرا بين الله والناس، وتتحول أمنياته الدفينة ورؤيته المكتنزة في ذهنياته الشعورية إلى أنها هي الهدف الذي يحب ان يكون, هنا جسد من حيث لا يعلم شخصية الله بشخصيته وتشارك معه في ما يشارك أحد في ذلك من قبل.
وهم التوحد مع الله والإنابة والوكالة والتمثيل لم تقتصر على فترة محددة بزمانها ولا تتجسد في مكان دون مكان، لذا أطلقنا عليها إشكالية الإنسان مع الرب وليست العكس لأن الفاعل هو الإنسان بدوافعه هو, قديما عندما لم يكن الدين إلا علاقة أفتراضية مبتدعة تصورية بشريه خالية من روحية الوحي أو هكذا نتصور, نشط رجال المعبد الوثني في تمثيل الله بغياب نص سماوي مكتوب وموثوق في النقل أو العقل وواضح كفكر ناضج، يفضح هذه العلاقة المبتدعة مع سطوة شرسة لرجال الدين وحراس المعبد، محاطة بهالة من القداسة الذاتية المفتعلة لهم، تحولت فيما بعد هذه الشخصيات إلى رموز ربانية طوطمية خيالية لا تنتهي من ممارسة سطوتها حتى بعد رحيلها الأبدي.
الفكرة الطوطمية كسلوك نفسي وبعيدا عن التفسيرات والتبريرات الدينية تمثل وجها من أوجه ممارسة السلطة على المجتمع، مرة بثوبها الروحي ومرة بحقيقتها الملجئة من خلال أستغلال الإنسان لفطرته من أن هناك قوى خفيفة لا يدركها هي من تتدخل في مصيره وحياته على الدوام، أدرك المتعبد الأول قديما أن الزعم بوجود علاقة خاصة وأستثنائية ما بين السماء والألارض سهلة طالما أنها لا تحتاج إلى برهنة عقلية دائما مع جهل الإنسان بحدود الرب أو الآله أو الحاكم في السماء، هنا أصبح الطريق ميسر لمن يدعي تلك العلاقة مع بعض الأنفعالات والأدعاء ببعض الغيبيات التي لا تنكر ولا أحد يستطيع أثباتها.
لم تنتهي إشكالية الإنسان مع الرب عند الخضوع لمفهوم الطوطمية برغم أن مفاعيل هذه الإنابة والتوحد بسيطة، ولأنها محدودة في حالية مجتمعية محكومة بالبيئة والواقع، فهي غير قادرة على التوسع مكانيا وزمانا لأنها في الأصل تتعلق بذوات خاصة والذوات جزء من خصيصة شعب أو مكان أو زمان, هنا كان دور الطوطميات محدود في صياغة رؤية أعمق وأوسع وأكبر في حدود تأثيرات ما تركت من أثار كلية أو مفاهيم عامة على سيرورة الفكر عند الإنسان وبالذات الفكر الديني الأوسع, وأمكن للإنسان مع تطور ونضج فكرة الرب مع نزول الرسالات وتطور التأويل وتعدد مصادر المعرفة الحسية والتجربة أن يتجاوز بعض مظاهرها وصورها لكنه لم يتخلص من مفهوم السطوة السلطوية التي تمثل جوهر الطوطمية.
لم تنقطع محاولات الإنسان أبدا عن تلبس ثوب الله حتى مع الرسالات المدونة والمكتوبة، والتي رافقها وجود بشري حقيقي يبين ويفسر ويتأول ما يريد الله وفق ضوابط الرسالة، وتعدى الأمر عند بعض أتباع الرسالات أن تحول الأنبياء والرسل إلى ملوك وقادة للهرم الأجتماعي في مسعى من الرب الذي يخلوقنه بتصوراتهم القاصرة عن الله ليكون أداتهم ووسيلتهم لمصادرة إرادة من أمنوا به، لقطع وقمع ظاهرة التمثيل لحقيقة ذلك الرب الجميل وهدفية ما بعث من قيم وأهداف تخدم الإنسان أولا لا تخدمه هو الغني عن عبادة البشر وحتى طاعتهم, خابت النتيجة عندهم وعاد الإنسان يبحث بين طوطميات العقل عن صور للرب ليكون هو الرب أو الصورة منه.
مع الرسالات ومع النصوص وبإشراف من الرسل أو نوابهم بعدهم كان الذي يجب كنتيجة أن تنقطع أي محاولة لخرق الصورة الرسالية أو تعديلها ولربما وضع صورة بديلة, من المحتمل أن الإنسان المهووس بالتجسيد والتمثيل لا يجد مبررا عقليا عند الغير أن يطرح فكرته الخاصة خارج الإطار المتعارف والمتداول أما خشية أو عجز, هنا تفتق ذهنه لأمر أخر أتخذ منحى تعبريا خاليا من التجريد الموضوعي، وهو الغوص في النص غوص متعدد الأبعاد وأحيانا أعتباطيا، مرة يتجه للبحث عن طريق قصير للرب ومرة أخرى لكيفية التصرف بالنص لمصلحة الفكرة الطوطمية التي يحملها نتيجة فطرته الأولى المؤلفة من جزأين السماء الرب مقابل الأرض الإنسان .
لقد تعرضت النصوص الدينية للتشويه والتحريف والتزيف الدائم في هذه المرحلة من نشأت الأديان المدونة، كما تعرضت لخروق فكرية ومقياسية وبأساليب أكثرها يرجع لمفاهيم وطريقة القراءة، لتنشأ لاحقا من هذه الحالة مجموعة صور وتصورات مدروسة وممنهجة أو طبيعية تتوافق وشكل نمطية البناء في الأصل لكنها لا تتواصل حقيقة مع المقاصد الغائية ولا علل التنصيص والحكم، فهي لم تغادر عقلية الإنسان الملتصق بذاته أكثر مما هي ملتصق بموضوع الدين، كأنها مسحور بفكرة أن الإنسان حيوي من عالم الرب وأيضا جزء من إرادته، هذا الجزء المميز له أحقية استثنائية أنه يمثل ما يريد الله، بل جعل البعض من نفسه عين الله التي تقسم العالم بين مؤمن بها وبين غير مصدق، ومن لم يصدق طبيعيا ان يكون خارج رضا الله الذي لم يصرح به بل صاغه المهووس بالتمثيلية والإنابة والحق الرباني .
رب سائل يسأل هل من مانع حقيقي من أن يتعرض النص القدسي للدراسة والتأويل والتفسير وأستخراج المعاني واحتمالات النص القصدية؟ فهل هو حق حصري أم حد منهي عنه بأي صورة كانت أو له أشتراطات خاصة ومنطقية تتبع طبيعته, فإن كان الجواب نعم فنحن أمام تعسف حقيقي من قبل الرب، أولا كونه أرسل نصوصا جزمية حتمية لا تقبل الموائمة ولا تتناسب مع عقلية الإنسان اللجوجة في معرفة كل شيء عنه وعن الماحول الذي هو في التركيب جزء من الأنا, وثانيا تعسف وديكتاتورية ناقل النص الذي أمنا به من خلال ذات النص، فعدم التعرف ودراسة وجرح النص إنما يريد في الحقيقة أخفاء وطمر حقائق كثيرة فيه, أما لو قلنا لا فلم التقريع هذا والتحسس من وظيفة عقلية أساسية بأمتياز .