إشكالية طوطمة الرب من خلال أستغلال النص الديني ح2

عباس علي العلي
2018 / 1 / 6

الحقيقة التي نؤكدها دوما في الجواب على التساؤلات السابقة متضمن ومنكشف على عدة حقائق مؤكدة، منها أن الله يأمر بالتدبر والتبيان والتفكر والتبحر قبل القبول والتصديق والإقرار والتسليم، وبالتالي فالإنسان مكلف حتما في التدرج بالفهم من التسليم الأولي المجرد كأساس من كل بحث، فقط لكون النص من مصدر ديني فهو مقبول لأن مفهوم الدين هو مفهوم خيري مصلحي شمولي عام لا يميز بين إنسان وأخر فهو أخلاقي حتما, وهذا الإيمان المبسط الذي سريعا ما يعطب أمام مجريات الفحص والنقد ولا يصمد أمام أي حقائق عقلية أو واقعية تكشف سذاجته.
أو يكون أصعب كثيرا على التزحزح والزحزحة منه وبه لأنه لم يحتكم للعقل ولا يتحاكم به، وهو الأشد والأخطر على قضية الإنسان العقل وليس الإنسان الموجود فقط، هنا مثلا نستحضر قول الإمام علي عليه السلام في وصف الحالة المتعبد بغير علم كحمار الطاحونة يدور ولا يبرح من مكانه، فلا بد إذن من التحول إلى الإدراك الواعي والمبني على حقائق المنطق وعمليات العقلنة المتشددة في قبول المسلمات، هنا يتحول التسليم أما لإيمان عقلي أو إلحاد مبرر بالموضوعية العلمية الجادة.
من الحقائق الأخرى أن رحلة الإنسان في البحث عن كل خصوصيات الرب شكلت هاجس أولي في أهتمامات ليس المتدين الطبيعي فقط، والذي يفهم أنها علاقة السماء بالأرض علاقة راشد ومسترشد ولكن في عقلية المتدين الذي يبحث عن ذاته المتضخمة خارج مجال وحيز الفراغ الطبيعي لها, لذا عندما قال فرعون أنا ربكم الأعلى لم ينقص فرعون شيء مادي ولا معنوي مقارنة بأي مخلوق أخر في زمنه، ولكن ولأن حدود أنانيته تعدت الوضع الحرج فزاحمت المخصوص البعيد وأحلت ذاتها فوف ما تحتمل، مع العلم أن فرعون كان متدينا بصورة ما ويعرف الدين ويعرف الرب والمربوب.
لكن هل تمكن الإنسان من منع نفسه في أن يتدخل مرة أخرى في حدود ما لا يعرف أو لا يدرك خطورة ما لا يمكن أن يكون له, أكيد أن الفضول قد يكون دافعا صحيا إذا أفترن بنتيجة إيجابية يمكن البناء عليها، ليتحول هذا الفضول إلى طريق يرسم للمعرفة أبعاد إنسانية تتراكم لتشكل واحدا من روافد السعي نحو تلمس طريق الكمالات البشرية, قد يكون لعدم وجود حد فاصل بين ما هو ممكن وبين ما هو محال سببا لذلك, أما أن يكون كل شيء بالأفتراض اللا منطقي بأنه بين وواضح ومحدد، وأن محاولة الدخول في مغامرة الأكتشاف سيعد نوعا من الجهالات المركبة العبثية, هذا ما ينتج عنه دائما ظلالا قاتمة على المعرفة المتوقعة من تلك المحاولات العقيمة ونتائجها المتوقعة أو المأمولة حتما.
لقد كان للأنا المتضخمة والمغرورة الدور الرئيسي والمهم بالإطاحة بالنص في غالب الانتهاكات التي مورست ضده، وتغلغلت في زوايا بعيدة تاه فيها الدليل مع الغاية والمقدمة خلاف النتيجة، فتفرعت عن هذه الإطاحة مفاعيل تتخذ من الشعار الديني ستار قد يكون غير مقصود أو منتخب، ولكن في النهاية تمسك به الإنسان برغم إنكشاف الخطيئة ولم يتراجع مع صيحات العقلاء كما فعل السامري بقبضة من أثر الرسول, مع علمه ومعرفته بأثر الرسول لكنه غاص في المعنى وتاه في طريق العودة ليتخذ مخرج أخر غير الذي دخل به .
لم يتوقف الإنسان مع كل هزائمه الدائمة مع الله في صراعه اللا منطقي، بل أصر أنه لا بد أن يجني الفوز ولو لمرة واحدة والتي قد تكون الأخيرة التي لا تنتهي، وعاد أيضا يبحث في أرث الأنا عن مصاديق تشبه الرب أو تتشبه بالرب، فقال أن الرب أجزاء منها ما فوق الإدراك لأنه يختفي بعد خط البعد المطلق والذي يمكنه وحده أقتحامه, وقد فعلها وأنكح الأنا الإنساني بما تمثله من أرضيه وبعدية رمزية محصورة بالمكان المتناقض أرض سماء ليستولد منها الأبن, على قاعدة أن الاستقرار العقلي للأشياء لا يمكن أن يثبت بالوحداني ولا حتى عبر الركيزتين الأرض والسماء, إذا لا بد من وسيط لا ينتمي لهما وهو منها فكان عيسى أبن الله هو الرب فقط والله فوق ومريم تحت.
كل اعداء النص هم من أهل الدين وخاصته والغالب فيهم أنهم مفكرون ومتدبرون وعارفون بوعي, الغريب ليس هذا لكن الغريب في سؤال لم هذا التجاوز على النص أصلا وعلى روح وجوهر الدين كنتيجة, هل تفقه الأنا عظم الخطيئة التي تقترفها كل يوم باسم البحث عن الصورة وبناء تصور أخر وإن كانت جميع محاولاتها قد باءت بالفشل الذريع في أن تبني صورة، لكنها نجحت في أهتزاز العقل الإنساني وأشغاله بحروب مع الرب ما كان ليتجرأ عليها لون أنه منح ذاته فرصة أن يبتعد قليلا عن التدخل في مساحة ما بعد البعد، وأشغل في تحسين الواقع القريب كي يصل إلى أول الخيط الذي أرشدنا النص له، (من عرف نفسه فقد عرف ربه) .
عند تدقيقنا بهذه المحاولات نكتشف الجانب السلبي الأعتباطي من البحث عن صورة مغايرة عن المعروضة بالنص وبطريقة ترهق العقل بتساؤلات متتالية لا تنتهي، أو مسائل لا تتناسب أصلا مع فكرة الإيمان بالدين والبحث عن حقيقة هل الرب واقع أو مجرد توقع مستند لشيء ما, وفي حالة للمقارنة نجد أن التساؤلات الإيجابية تأخذ منحى أخر في تتبع الهدف ليس لمجرد ملاحقة الهدف والخضوع له ولنتائجه، بل للوصول للنتيجة العقلية نتيجة ابراهيم عليه السلام عند أكتشف بجدليته الفريدة في زمانه وببساطتها المركبة مع النفس والواقع، تمكن من الوصول عبر محاور عدة ليس للبحث عن نيابة وتمثيل، بل للبحث عن أفق يوصله لليقين بمسألة المتوقع من الواقع.
نحن أمام منهج أخر منهج أن تعرف حدود ما يمكن طبيعيا من خلال الذي لا يمكن طبيعيا وتقف لتتعرف من هذه الصورة على ما تريده هي منا, مثلا في قصة إبراهيم قال رب أرني كيف تحي العظام, الهدف كان تأكيدا وامتحانا لجزء من الفكرة وليس البحث عن سر الإحياء لتكون تجربة يمكن معاودتها أو بتعبير أصدق سرقة أسرار الرب, صحيح أن التجربة بالجواب أضافت لإبراهيم مزيدا من التفاصيل في قضية جزئية من صورة الرب الحقيقية، لكنها في ذات الوقت عكست الكثير من كليات صورة الرب له، وهي كليات إيمانية تمضي مع نتائج لتصديق ما يخبر عنه مستقبلا .
هل كان ما يبحث عنه الإنسان في تجربته في التدخل بشؤون الرب هو العودة إلى الدين الفطري, الدين الذي ترعاه الأنا وتسيره الحاجة وتقوده حيث الطوطم الأكبر المدفون في ذاكرة الإنسان الأساسية, هذه الذاكرة التي لا يمكن العمل حتى على تحسينها وتلميعها بالدين الرسالي لسعي الأخير لعقلنة الإدراك الأولي وتمكين الإنسان من تطوير نظام العقل لديه, والدليل أن الله حمله أمانة كسب المعرفة من المهد إلى اللحد، لكنه تجرأ عليها بظلم وجهل ليس لأنه تحملها فقط لا ولكن لأنه عبث بما فيها، وكشف على الجزء الذي لا من مصلحة حقيقية له فيها, ولو كان الله يعلم ما في هذه الكيفية لأفصح له عنها ولكن هناك حدود ما بين الممكن والمعقول وبين المصلحة وما غاب عنا منها إن تبدو لكم تسوئكم, هذه خلاصة العودة للطوطمية هاجس الإنسان الباحث عن أسرار والمتطفل على الجهل لا خائض في العلم والمعرفة.