تأثير الفراشة: نقاش مفتوح مع د. كاظم حبيب (2)

طلال الربيعي
2018 / 1 / 6

كما نوهت في الحلقة الاولى من هذا النقاش المفتوح, ان ما اقصده بالتعلم من تجارب اليسار اللاتين-امريكي يتضمن ايضا الحيلولة دون تحويل موضوعة (عدم) حرق المراحل الى فتش نظري مصطنع يكبح جماح الاختيار الاشتراكي او عدم اعتباره كخيار معقول ومناسب والعمل من اجله الآن، وبدون الانصياع الى حتمية (ماركسية!) بتعاقب المراحل. ان اختيار الرأسمالية الليبرالية كبديل محتمل للاشتراكية او كمرحلة لا بد وان تسبق الاشراكية لربما هو اختيار متأتٍ من "تعميم اللوحة الخماسية التي أشار اليها ماركس لنشأة وتطور الرأسمالية في أوربا ( تشكيلة بدائية، رق، اقطاع، رأسمالية، اشتراكية) على كل التاريخ البشري، في حين أن ماركس كان يعارض تحويلها إلى نظرية فلسفية وتعميمها على كل بلدان العالم, وأشار الى ضرورة دراسة خصوصية كل مجتمع بذهن مفتوح وبطريقة مستقلة..."

يمكن القول ان الحتمية (الاجتماعية او الاقتصادية), حتمية المرور في المرحلة الرأسمالية كمرحلة لا بد وان تسبق الاشراكية, التي تتضمنها نظرية المراحل, هي احدى الاساطير او التشويهات التي عانت وتعاني منها الماركسية. مُفترضا اني اشاطر دكتور كاظم حبيب مرجعيته او احدى مرجعياته, النظرية الماركسية, فاني اعتقد ان القراءة النقدية لاعمال ماركس تتطلب منا الآن, كما من قبل, أن نتخلى عن الخرافات والأساطير التي حجبت أفكار ماركس بسبب التشوهات والتفسيرات الخاطئة التي حدثت طوال العقود العديدة الماضية والتي ربما لم يكن هناك مفكرا أكثر تعرضا لمثلها بهذا الوضوح. وبالتالي، من ناحية، عموما ان المهمة السلبية القاضية بتخليص ماركس من التشويهات والتفسيرات الخاطئة لا تحتاج الى اكثر من مجرد إلتمعن في الأدلة بعناية. ولكن من ناحية أخرى, ان تفسير ماركس يعني بلا شك "معركة" على الحقائق، والمهمة السلبية لا غنى عنها من اجل تفسير أكثر إيجابية (بالمعني المشتق من الفلسفة الوضعية positivism). وفي المجالات التي تعتريها مشاكل واختلافات، فالامل يحدونا في ان يكون النقاش متنوعا ومنفتحا وان يكون المشروع نفسه سيستمر من اجل تحقيق درجة اكبر من الوضوح بوجود المزيد والمزيد من النصوص التي تعالج الأساطير التي اعتورت فكر ماركس وتأخذ في الاعتبار مجالات أخرى من النقاش والمساهمات.

ان العوامل المسؤولة عن ظهور تلك الاسطورة المتعلقة باعمال ماركس او غيرها هي نتاج ظروف تاريخية مختلفة، ومسألة على من تقع مسؤوليتها هي مسألة معقدة. ولكن يبقى من الأهمية بمكان التأكيد أن افكار ماركس في الأساس هي افكار متنازع عليها وهي عرضة اكثر من غيرها لتجاذب اهواء المصالح والصراعات.

وموضوعة الحتمية التاريخية, اجتماعيا واقتصاديا, مرتبطة بوشائج لا تنفصم مع موضوعة قدرة الافراد والمجتمعات في صناعة تاريخهم. ومن المؤكد أن هذه الموضوعة قديمة قدم الانسان نفسه على وجه التقريب؛ وهي قديمة قدم الفلسفة على وجه الخصوص وتعود إلى الأوقات التي بدأ عندها البشر في التفكير في عالمهم والحياة وأنفسهم، وشرعوا في محاولة فهم لماذا تحدث الأمور- وحول دور الفرد في (صنع) التاريخ يمكن مراجعة مصدر(1) على سبيل المثال.

وهذه هي نفس مسألة العلاقة بين العوامل الموضوعية والذاتية في تطور المجتمعات. والفلاسفة تحركوا دائما بين قطبين: الحتمية البحتة من جهة، وإرادة حرة مطلقة من جهة أخرى. وكان القرن التاسع عشر هو القرن الذي شهد انطلاقة المفهوم العلمي للعالم وتفوقه بشكل اكيد مقارنة بالآيدولوجيات السائدة من قبل, وخصوصا فيما يتعلق في المواقف العلمية تجاه الظواهر الطبيعية. ولكن هذا التطور كان أقل وضوحا عندما يتعلق الأمر بالمواقف تجاه الناس والمجتمعات, حيث كانت التصورات المثالية أكثر رسوخا: اعتبرت أنه لا يمكن فهم الانسان والمجتمع من خلال قوانين ممكن اكتشافها وفهمها علميا, حالها حال القوانين الطبيعية, وان لم تكن صنوا لها. ويمكن وصف الماركسية بأنها اول رؤية علمية صارمة للمجتمع. ويؤكد القانون الأساسي للماركسية أن حياة المجتمع البشري هي في المحصلة يحددها مستوى تطور القوى المنتجة.

ولكن كما يتسائل تشارلز غانيون Charles Gagnon, هل هذا يعني أن الماركسية هي فلسفة الحتمية الاجتماعية (2)؟ هل تعتقد الماركسية أن وجود المجتمعات او درجة تطورها هي املاء لحتمية مطلقة تماما، وأنها, المجتمعات, لا تتمتع بحرية؟ إذا كان الجواب بنعم، فمن المضلل, حسب تعبير غانيون, أن نتكلم عن آفاق الثورة او اي تغيير نوعي في المجتمعات، لأن التحليل النهائي سيكون لصالح حتمية قوى الانتاج فقط.

ان فكرة الحتمية التامة من الصعب قبولها. لشيء واحد، يمكن للجميع التفكير في الحالات التي من الممكن فيها اتخاذ الخيارات. فمثلا, احدى الخيارات التي تخطر في بالي هنا وذات صلة بالموضوعة قيد النقاش هي اشتراك الحزب الشيوعي العراقي في مجلس حكم الاحتلال وموافقته على قرارات بريمر النيوليبرالية. فما هي الحتمية التاريخية, اجتماعيا او اقتصاديا, التي املت اتخاذ قرار المشاركة والموافقة؟ وفي كل الاحوال فنحن لا نتكلم هنا عن حتمية التي هي صنو لحتمية قوانين الفيزياء الكلاسيكية, فيزياء نيوتن, وكما نوهت في الحلقة الاولى. فمثلا حتمية الجاذبية الارضية, على سبيل المثال, تنطبق على البشر كلهم وهو امر غير قابل للجدال. وفي العراق, يمكن للشعب الآن الاختيار بين نظام رجعي أو في ان يشن كفاحا للإطاحة بالنظام وتحقيق الديموقراطية الحقة وربما حتى الاشتراكية. ويمكن للناس أن يضعوا خططا لوجودهم الفردي والجماعي، بقدر ما يمكنهم.

درس ماركس وإنجلز حياة المجتمعات البشرية وخاصة المجتمع الرأسمالي. من خلال أبحاثهما، اكتسبا فهما معينا في رؤية التاريخ. وخلصا إلى أن حياة الإنسان في المجتمع تُحدد تاريخيا بمستوى تطور القوى المنتجة، أي التطور التدريجي والمتطور لقدرة الفرد على ضمان عيشه بتسخير الطبيعة لصالحه. وهذا يعني أن القانون الأول للمجتمع البشري يتحدد بضرورة ضمان كفافه. وكل ما يفعله موجه نحو تلبية هذه "الحتمية الأساسية". والطريقة التي يتعامل بها المجتمع بذلك تتحدد بمستوى تطور القوى المنتجة. وهذا ما يعنيه ماركس وإنجلز عندما قالا إن علاقات الإنتاج تتحدد في نهاية المطاف بتطور القوى المنتجة. وهنا يمكننا التساؤل على وجه التحديد بخصوص عمل الشيوعيين والماركسيين فيما يتعلق بالكفاح من أجل الاشتراكية اليوم. فهل من المنطقي أن نتحدث عن شن النضال من أجل الاشتراكية؟ ألا ينبغي لنا فقط النظر إلى الاشتراكية باعتبارها النتيجة الضرورية والحتمية لتطور القوى المنتجة؟ أليس النضال من أجل الاشتراكية وهم؟

ما لم اجانب الصواب، فلا شيوعي ولا اشتراكي قد قال أن النضال من أجل الاشتراكية هو وهم. ولم يقترح أحد على الإطلاق بشكل قاطع أن الاشتراكية ستنتج حتما عن تطور القوى المنتجة وحدها. ومع ذلك، كانت هناك أوقات في تاريخ الحركة الشيوعية عندما دافعت عن هذا المواقف بعض اطراف الحركة وأن وجهة النظر هذه كانت هي السائدة في الحركة بعد الحرب العالمية الثانية. في الواقع، هناك بعض العبارات التي كتبها ماركس وإنجلز التي قد تعزز هذا الموقف. فماركس قال ان هناك "توافق ضروري" بين علاقات الإنتاج (وبالتالي الأشكال التاريخية المختلفة التي يتم فيها تنظيم المجتمع) ومستوى تطور القوى المنتجة. ومن هذا المنطلق، يكون من السهل في بعض الأحيان الانزلاق إلى شيء آخر: أن مستوى معين من تطور القوى المنتجة سيتزامن بالتأكيد وبشكل متكافئ مع مجموعة محددة من علاقات الإنتاج.

ومع ذلك هناك فرق هائل بين ما قاله ماركس والزعم بالحتمية الماركسية. فالرأسمالية ظهرت في أوروبا الغربية في أعقاب الإقطاع وإنتاج السلع الأساسية بسبب مستوى تطور القوى المنتجة التي تحققت في ذلك الجزء من العالم. ولكنه أمر آخر ومختلف تماما الزعم إنه لم يكن هناك من مفر من ظهور الرأسمالية في أوروبا الغربية بمجرد انتهاء العصور الوسطى.

وبعبارة أخرى، المادية التاريخية تمكننا من فهم الامور الى حد معين. لكنها لا تخبرنا بأن هذه المراحل كانت حتمية-ونحن في حاجة دوما الى تعلم المزيد. كما أنها لا تمكننا من التنبؤ بمستقبلنا. باختصار، لا يمكن التعامل مع المادية التاريخية باعتبارها وصفة سحرية للطريق الذي يؤدي الى الاشتراكية (او الليبرالية!), لأن الخطأ عندها سيكون وجه المرأة الآخر لخطأ أولئك الذين يستنتجون أن "الإخفاقات السابقة" في الاشتراكية هي نتيجة لسوء تطبيق الماركسية اللينينية.

واني لذلك اتفق هنا مع استنتاج غانيون في إن تطور المجتمعات لا يتبع مسار مسبق. ويمكن للمجتمعات أن تتصرف وتؤثر على مسار تطورها. ولكن- وهذا هو الدرس الأساسي للماركسية- لا يمكن للمجتمعات أن تتصرف بطرق تتناقض مع القوانين التي تحكم حاليا تطور المجتمعات. ومن المهم أن نتعلم فهم هذه القوانين لأننا حينئذ يمكننا التدخل بشكل أكثر فعالية في عملية التغيير الاجتماعي في المستقبل، وقبل كل شيء، خدمة قضية الاشتراكية بشكل أفضل.
يتبع
-----------
المصدران
1. هل يمكن للأفراد تغيير التاريخ؟
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=371807
2. by Charles Gagnon
For a materialist understanding of history
https://www.marxists.org/history/erol/ca.secondwave/is-free-will.htm