حوار مع السفسطائي

أيمن عبد الخالق
2018 / 1 / 5

" حياة يقودها عقلك أعظم بكثير من حياة يقودها كلام الناس" – شكسبير
بعد أن فرغنا من سلسلة الحوار العقلي مع الإنسان العاقل، ووصلنا إلى أنّ للعقل الواعي قوانينه البيولوجية الطبيعية، التي هي مظهر الصحة العقلية، والمتمثلة في المنهج العقلي البرهاني، وبعد أن شرحنا أحوال ومشكلات المتاهات الفكرية المختلفة التي تحيط بنا في هذا العالم، أريد أن أشرع في سلسلة حوارات فكرية جديدة مع أصحاب رموزهذه المتاهات الفكرية، من الاتجاه المادي، والديني، والروحاني، والذين مع شدة الاختلاف فيما بينهم بحسب الظاهر، فإنه يمكن تصنيفهم جميعا تحت عنوان السفسطائي.
وربما يكون التصنيف تحت هذا العنوان عجيبا، ومستهجنا عند الكثيرمن الناس، لكون السفسطائيين هم جماعة قديمة ظهرت في اليونان في القرن السادس قبل الميلاد، تتنكر للمعرفة الإنسانية بنحو مطلق، وتشكك في كل العقائد والعلوم والقوانين والقيم الإنسانية، وتدعوا إلى إبطال التعليم والتعلم، مستعملة في سبيل ذلك كل انواع المغالطات المنطقية....فكيف يمكننا بعد ذلك أن نعمم وصف السفسطة لسائر الاتجاهات الفكرية الإنسانية، لمجرد أنها مناوئة للمنهج العقلي البرهاني؟!، أليس هذا نحو من التعصب والدوجماطيقية؟!
أليس الاتجاه المادي يؤمن بالمنهج العلمي التجريبي، والذي استطاع من خلاله تحقيق هذه النهضة الصناعية التكنولوجية التي ننعم جميعا بانجازاتها الكبيرة؟
أليس الاتجاه الديني يؤمن بمنهجية الوحي، ويصدق بصحة النصوص الدينية، ويمتثل للأحكام الشرعية ، والتعاليم الدينية؟
أليس الاتجاه الروحي، يؤمن بالقيم الأخلاقية، والمعاني الروحية السامية، كسبيل للسموالروحي والإنساني؟
والجواب بكل بساطة هو أنّ روح السفسطة هو إنكار وجود طريق يفيد العلم اليقيني الصادق المطلق، وبالتالي انسداد باب العلم والمعرفة الواقعية...وبما أننا قد بينا أنّ هذا النحو من المعرفة العلمية، لايتحقق أولا وبالذات إلا عن طريق المنهج العقلي البرهاني، وأنّ سائر المناهج المعرفية من تجريبية أو دينية أو روحانية ، إنما تتوقف صلاحيتها المعرفية على هذا المنهج العقلي، فعليه فإنّ إنكار المنهج العقلي البرهاني، هو عودة لروح الشك والسفسطة .
نعم هم لم يسدوا باب المعرفة بالكلية كما فعل السوفسطائيون المتطرفون الأوائل، بل فتحوا أبواب أخرى من المعرفة، كالنص الديني، والقلب، والوجدان، والتجربة، ولكن ـ وكما بيّنا، وسنبين ـ أنّ كل هذه الأدوات المعرفية، مع التنكر للمنهج العقلي البرهاني، لاتسمن ولاتغني من جوع.
ومن أجل هذا، فقد أوقعتنا هذه الأدوات والمناهج المعرفية المجردة عن العقل البرهاني، في كل هذه المتاهات التي أشرنا إليها سابقا، وأغرقتنا في مشاكلها الثقافية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بل أصبحنا نعيش في حالة من الفوضي والاضطراب، تحيط بنا كل ألوان الصراعات الدينية والمذهبية والعرقية والسياسية، ولم تنفعنا تكنولوجيا ولا دين ولا روحانية، بل أصبحت كل هذه الأشياء مجرد مسكنات مؤقتة نلوذ بها لتسكين آلامنا، وهمومنا، ولنوهم أنفسنا بأننا نعيش نحو من الحياة الإنسانية.
ومن هنا يتبين لنا أنّ وصفي لكل هذه الاتجاهات الفكرية المخالفة للمنهج العقلي البرهاني بالسفسطة، ليس من باب التعصب ولا الدوجماطيقية، لأنّ المنهج العقلي ليس منهجا خاصا بشخص أو طائفة، أو دين، أو قومية معينة، بل هو منهج واقعي، نابع من طبيعة الفطرة الإنسانية، ومتعلق بكل إنسان في هذه الحياة، ونحن كعقلانيين لانريد أن نفرض منهجا خاصا على الآخرين، بل نريد أن ننبههم فقط على الرجوع إلى عقولهم، والثقة بها بعد معرفتها، والانطلاق منها لبناء رؤيتهم وقيمهم الأخلاقية والاجتماعية بنحو مستقل عن غيرهم، لكي يبنوا مستقبلهم بأنفسهم، بدلا من أن يكونوا جزءا من مستقبل غيرهم....وهذا ماسنسعى إليه من خلال هذه الحلقات الحوارية مع جميع فئات السفسطائيين، والذين لااختلاف حقيقي بينهم إلا في الدرجة، دون النوع.
فكونوا معنا من المترقبين، ودمتم بألف خير.