تأملات .. 12 .. كشكول قَدْ يُفِيدُ العقول .. 1 ..

هيام محمود
2018 / 1 / 5

( 1 )

هل تمنَّى أحدُكم للحظة لو لَمْ نكنْ "في نفس" المركب مع المُتديّنين ؟ أو في كوكب آخر بعيدا عنهم وعن إرهابهم ودمارهم ؟ .. أكيد فعلتُم ذلك كلكم . تأتيني لحظات أتمنّى فيها لو كان هناك إمكانية ليبقوا على جهلهم دُون أن يُخرِّبوا أوطاننا ويُدمِّروا حياتنا , في تلك اللحظات أقولُ أنّي لن أتردّد عن قبول تلك الإمكانية أو ذلك الاحتمال لو وُجِدَ , ولن أذرفَ دمعة على حياتهم التي سيُمضونها مُغَيَّبينا مضحوكا عليهم مُسَخَّرينا لقضايا ضدّ كرامتهم ومصالحهم , لكن للأسف .. تبقى مجرّد لحظات عابرة ليس إلا , تَمُرّ كمرور أي "فانتازيا" "مُحَرَّمة" . والقصة ليستْ محصورة في لحظات الغضب أو اليأس التي تنتابنا كلّنا "أحيانا" , لكنْ لها صلة بوهمٍ يتمنّاه الجميع ولن يتحقّق أبدًا : "العدل" !

سآخذ كمثال , كاتبا مسلما أو مسيحيا في الموقع وسأفترضُ أنّه "مُؤمن حقيقي" بكل الهراء الذي يُسَوِّق له , هذا الكاتب قرأ مئات المقالات التي شَرَّحَتْ دينه وكشفتْ كلّ مخازيه والفظائع التي يُسبّبها على الأرض ويُشاهدها الجميع وهو أوّلهم , وبالرغم من ذلك كلّه لا يزال يُدافع عن أوهامه وهنا أقصد بالخصوص منْ "يَعْبُد" الحرف كالمسيحي الذي إلى اليوم لا يستحي مِنْ ترديد خزعبلة "الولادة العذراوية" لربّه المزعوم مثلا أو المسلم الذي يُصدّق ترّهة الإسراء والمعراج وفِصَال محمد مع إلهه الخرافي حول عدد الصلوات , والذي ينطقُ منه الحجر أنّ هذا الكاتب يتجرّأ ويتكلّم في حضرة الملحدين عن ( العقل ) و ( المنطق ) , أليسَ منَ "العدل" أنْ يُتركَ في غيبوبته وليهلك على غبائه وتحقير عقله غير مأسوف عليه ؟

تلك اللحظات التي أتمنّى عِنْدَ حضورها لو أستطيع أن تكون لي "فكرا" يَستَمِرُّ , يَقمَعها العقل بسرعة وتُلْقَى مع غيرها من الانفعالات اللاعقلانية , تلك اللحظات لا تعود إلا نادرا ويكون مصيرها دائما القمع بل و "التفجير" مباشرة وبـ "قنبلة نووية" إذا ما حضر الوطن والوطن حاضر دومًا لا يَغيبُ ..

مثالي يخصّ الأديان وليس دعوةً إلى "السكوت" أو "احتكار" المعلومة , لكنّه يَنقُل واقعا مريرا يَعكس مدى الأسى والألم الذي يشعر به الملحدون في لحظات "نادرة" لا يذكرها أحد تقريبا بالرغم من أنها "تزورنا" جميعنا .. هذا الألم يتضاعف - بالنسبة لي - ملايين المرْات مع النساء اللاتي يَتبعنَ تلك الأديان البدوية العنصرية ويُدافِعنَ عنها بالرغم من كونها السبب الرئيسي لكلّ مآسيهن .

اللحظات التي وصفتها ولكي لا أدع أيّ مجال لأنْ أُفْهَمَ خطأ , هي من قبيل "الرغبة في الإنتقام" وبأبشع الأساليب والتي أيضا تأتينا وتُوقفها عقولنا بسرعة , سأقول لكم مثلا أنّ هذه الرغبة في الإنتقام تأتيني فأتمنّى حرقَ الأرض ومَنْ عليها كما حَرَقَتْ هذه الأرض وطني ومَنْ فيه . ولِمَنْ يسكنون الأبراجَ ويتأثّرون لحظةَ وقوع المصيبة ثم يَنسونها بعد ساعة ؛ أنتَ مثلا ماذا لو اغتُصِبَتْ أمام عينيك أمك وأختك وزوجتك وابنتك ثم قُتِلنَ ونُكِّل بِهنَّ أبشع تنكيل , أَلَنْ "تأتيك" تلك "اللحظات" ؟ .. الفرقُ بين المُتدينين والملحدين يكمنُ في كون تلك الأديان العبرية شَرَّعَتْ لحياة تلك "اللحظات" وقَدَّسَتْها وكافَأَتْ عليها وتاريخها الأسود شاهدٌ غلى ذلك , في حين أنّ أصحاب العقول يَئِدُونَها لحظةَ حضورها .. شتّان .

( 2 )

عن انتماءات المُلحدين الإيديولوجية .. والتي صِدقًا أعجبُ منها وأتساءلُ دائمًا كيف يُعقل أن يتجاوز الملحد الوهم الأعظم أي الإله ويسقط في أوهام الإيديولوجيا التي يتبعها ؟ أتعجب مثلا من تقديس الملحدين للشخصيات المؤسسة لأيديولوجياتهم وأُرجع ذلك إلى كونهم تجاوزوا الدين والإله لكنهم لم يتجاوزوا "الثقافة" الدينية البدوية , ومن "أهم" الأدلة على ذلك لجوء بعض هؤلاء إلى الكذب عند الدفاع عن رموزهم فيعودون مُتديّنينا كمَا كانوا سابق عهدهم يُدافعون عن رسلهم وآلهتهم , مثلا يساري يتكلّم عن ستالين ويُصوِّره وكأنه "ملاك" أو عروبي يُصوِّر "أجداده المَزعومين" بدو صحراء نجد وكأنّهم الرّومان في أوج مجدهم أو قوميّ يتكلّم عن رموز قوميّته وكأنه يتكلم عن ابنه أو أبيه .. حقًّا أعجبُ من ذلك كله ويحزّ في نفسي كثيرا أن أرى هؤلاء الملحدين بهذا البؤس وبهذه البداوة , مع العلم أنّ نسبتهم كبيرة في بلداننا للأسف .

كل الأديان وكل الإيديولوجيات يجبُ أن تُجرَّدَ من بداوتها لتعيش البشريّة في سلام , تلك البداوة التي لا تعرف احترام الآخر ولا تعترف بوجوده أصلا يجبُ أن يُقضى عليها بالكليّة , عندها فقط سنأخذ من كلّ إيديولوجيا ما يصلح فيها ( فقط ) وليسَ نأخذها "كلّها" ونحاول فرضها وإقصاء أيّ فكر غيرها . ولن يكون ذلك إلا في إطار وطنية "حقيقية" حيثُ تكون المصلحة الوطنية هي العليا وليس مصلحة الدين أو الأيديولوجيا , وكمثال أتركُ سؤالا أراه "الأهم" والذي يجبُ أن يُجابَ عليه بكلّ موضوعيّة : هل الانتماء "العربي" يخدِم مصلحة بلدك ؟ ماذا جَنَى بلدك وماذَا ربح شعبك منْ هذا الانتماء ؟

..