الصراع المصري السوداني الواجب احتواؤه

محمود عبد الرحيم
2018 / 1 / 5


سحب السودان سفيرها في مصر للتشاور يعني في العرف الدبلوماسي الاحتجاج، وإرسال رسالة قوية للدولة الأخرى أن ثمة ما يزعجها أو يلحق الضرر بها، وهى خطوة تصعيديه محدودة لكنها ذات صدى كبير، وهي تسبق في بعض الأحيان قطع العلاقات، وهي مؤشر بكل تأكيد على توتر العلاقات السياسية بين البلدين، ويجب أن نأخذها على محمل الجد ولا نتجاهل أثرها، خاصة في هذا التوقيت الحرج للغاية.
وبالتأكيد ليس الخيار الأفضل التعامل بالمثل، واستدعاء السفير المصري من الخرطوم أو الذهاب لمدى أبعد وقطع العلاقات، لكن علينا أن نتسم بالعقلانية في ردود فعلنا، ونسعى لاحتواء هذه الخلافات، خاصة أن السودان ليست مجرد دولة عادية كغيرها من دول العالم نرتبط معها بعلاقات دبلوماسية غير مؤثرة، ولكنها عمق استراتيجي لمصر جيوسياسيا، ولدينا معها مصالح مشتركة، خاصة ما يتعلق بمياه النيل وبمسائل أمنية تمس الحدود المشتركة والحدود مع ليبيا، بل وأمور أخرى يمكن تطويرها وتوظيفها لصالح الشعبين والبلدين الجارين والشقيقين.
صحيح أن نظام البشير ليس مثاليا ومتقلبا في مواقفه وتحالفاته وردود فعله ويتعامل مع مصر من وقت لآخر بشكل كيدي، لكن مع ذلك الحنكة الدبلوماسية ومصالح مصر تقتضي تعاملا أذكى وبسعة صدر، بعيدا عن الانفعالية أو الحروب الكلامية، التي تضر أكثر مما تفيد.
وعلينا أن ندرس أيضا أخطاءنا في التعامل مع السودان بشكل خاص وإفريقيا بشكل عام، ولماذا يشعر السودان أن مصالحه مع غير مصر أولى وأهم سواء في أزمتنا مع إثيوبيا أو في التقارب السوداني التركي المزعج لمصر في هذا التوقيت التي تشهد فيه العلاقات بين القاهرة وأنقرة اسوأ فتراتها على خلفية دعم النظام التركي واستضافته لخصوم النظام "الاخوان".
وان كنا نولي اهتماما بدول صغيرة كقبرص واليونان والعلاقة معهما ليست على ذات الأهمية الإستراتيجية، وإنما الأمر يخضع في جانب كبير منه لمكايدة تركيا، فيجب أن نركز جهودنا على إفريقيا الملعب الرئيسي لمصر ومجالها الحيوي، وخاصة مع السودان، والذي لا نقترب منهم فقط إلا وقت الحاجة وبشكل موسمي وقتي، مع استيعاب منطق "المصالح المشتركة" التي هي جوهر قوة أو ضعف العلاقات والتحالفات، وليس الرهان على الخطابات العاطفية وتبويس اللحى أو الارتكان للرصيد التاريخي فقط.
وبالمناسبة ورقة "حلايب وشلاتين" ليست إلا نوع من الكيد السياسي لا يستخدمها النظام السوداني إلا وقت الأزمة مع مصر، ومن ثم علينا أن نستوعب هذا، ونعود مرة أخرى إلى تفعيل اتفاق الحريات الأربع بين مصر والسودان (حرية التنقل والإقامة والعمل والتملك) والسعي لحسم ملف الحدود مع الخرطوم وقت الهدوء وليس وقت التوتر، سواء بالحوار أو بالدراسات التاريخية والوثائق بمشاركة خبراء من الطرفين.
وفي كل الأحوال، على رجال الإعلام في مصر والسودان مسئولية أخلاقية وقومية تتمثل في التوقف عن التحريض أو الهجوم المجاني والإساءة إلى الشعبين المرتبطين معا بتاريخ ومصير مشترك
فصراعات الأنظمة أو الخلافات السياسية لا يجب أن يؤثر على العلاقات الشعبية بأية صورة من الصور، خاصة بين شعبين يتغنون دائما بأنهما شعب واحد هو شعب وادي النيل الذين تربطهما ليست فقط علاقة جوار وإنما مصاهرة وقبائل متداخلة ناهيك عن وحدة المصير التي تكونت بفضل نهر النيل.
ويجب أن يتذكر المصريون أن الجنود السودانيين شاركوا جنبا إلى جنب مع المصريين في حرب أكتوبر بل والاستنزاف، واختلط الدم العربي معا على أرض مصر، وان السودان استغني عن جزء من أرضه لبناء السد العالي، وأن أهم قمة في تاريخ العرب هي قمة السودان 1967 التي تم فيها رفع اللاءات الثلاثة في وجه الصهاينة " لا صلح، لا تفاوض، لا استسلام"، وان رئيس مصر ناصر في لحظة انكسار تاريخية تم استقباله استقبال الفاتحين وحمل سيارته في الخرطوم
ويجب ألا ينسى السودانيون أن ناصر هو من ترك لهم حرية تقرير المصير وقبل بالاستفتاء الشعبي، رغم أن هذه نقطة هجوم عليه وادعاء انه فرط في ملكية مصر للسودان، وان مصر ناصر هي من دعمت السودان في مشاريع التنمية المختلفة خاصة الصحة والتعليم ومشاريع الري، ووفرت الكوادر لهم من كل التخصصات، بل وافتتاح فرع لأهم جامعة عربية وهي جامعة القاهرة فرع الخرطوم، واستقبال السودانيين للدراسة بالأزهر، وغيرها من الجامعات المصرية، وأن مصر كانت ولا تزال مفتوحة أمام السودانيين ويحظون بمعاملة المصري بدرجة كبيرة.